تقرير أممي: سياسات إسرائيل تعمّق العنف ضد الفلسطينيين وتكرّس السيطرة على الأرض
ترى اللجنة أن تصوير الفلسطينيين ودولتهم المحتملة بوصفهما تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، إلى جانب السعي لتقليص عدد السكان الفلسطينيين.
فلسطين
العنف الإسرائيلي ضد الفلسطينيين امتدادٌ لسياسات ترسّخ السيطرة على الأرض وتقوّض حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير، وفق ما خلصت إليه لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي تناولت في تقريرها أنماط القتل والإيذاء البدني والنفسي، بما فيها العنف الجنسي، في سياق تاريخي يمتد إلى عام 1948.
ويتناول التقرير الخامس للجنة، المقدم إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة في أكتوبر/تشرين الأول 2026، أعمال القتل والإيذاء البدني والنفسي منذ أكتوبر/تشرين الأول 2023، مستندًا إلى تحقيقات اللجنة السابقة وإفادات ومعلومات جمعتها من مصادر متعددة.
كما يبحث في الأسباب الجذرية لاستمرار النزاع وعدم الاستقرار، واضعًا السياسات والممارسات الإسرائيلية في سياق تاريخي أوسع.
1948.. جذور التهجير والسيطرة على الأرض
استعرضت اللجنة خلفية تاريخية تعود إلى قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 181 لعام 1947، الذي نص على تقسيم فلسطين إلى دولتين عربية ويهودية، مع وضع القدس تحت إدارة دولية.
وبحسب التقرير، منحت خطة التقسيم الدولة اليهودية المقترحة نحو 56 في المئة من الأرض، رغم أن اليهود كانوا يشكلون قرابة ثلث السكان آنذاك، فيما تجاوزت الأراضي التي سيطرت عليها إسرائيل بعد حرب 1948 نسبة 75 في المئة من مساحة فلسطين الخاضعة للانتداب البريطاني سابقًا.
وأشار التقرير إلى أن الحرب، التي يسميها الفلسطينيون النكبة، أسفرت عن تهجير نحو 750 ألف فلسطيني، معظمهم من السكان العرب في المناطق التي أصبحت إسرائيل، إلى جانب تدمير مئات القرى والبلدات الفلسطينية أو إفراغها من سكانها.
ووفقًا للجنة، نفذت الميليشيات اليهودية والقوات الإسرائيلية عمليات استهدفت المدنيين، شملت القتل والطرد والترهيب، بهدف توسيع السيطرة على الأرض وتقليص الوجود الفلسطيني.
وأضافت اللجنة أن وثائق وشهادات تاريخية تشير إلى وجود توجهات وأوامر عسكرية لإفراغ مناطق فلسطينية من سكانها، وأن قادة في الحركة الصهيونية والقيادة الإسرائيلية اعتبروا التهجير ضروريًا لضمان أغلبية يهودية ومنع قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة.
ولفتت إلى أن معظم السجلات المحفوظة في الأرشيفات الإسرائيلية الرسمية لا تزال غير متاحة للجمهور.
سياسات مستمرة وخطاب يرفض قيام دولة فلسطينية
ربط التقرير بين هذه الخلفية التاريخية وتصريحات مسؤولين إسرائيليين معاصرين بشأن الأراضي الفلسطينية ومستقبل الدولة الفلسطينية.
وأشار إلى تصريحات وزير المالية الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش في سبتمبر/أيلول 2025، التي شدد فيها على الحفاظ على أغلبية يهودية واضحة، مستندًا إلى مبدأ السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض بأقل عدد من السكان.
كما استشهد بقرار للكنيست صدر في يوليو/تموز 2024، اعتبر أن إقامة دولة فلسطينية غرب نهر الأردن تشكل تهديدًا لإسرائيل ومواطنيها، فضلًا عن تصريحات وزيرة الاستيطان والمشاريع الوطنية أوريت ستروك في فبراير/شباط من العام نفسه، التي رفضت فيها قيام دولة فلسطينية.
وترى اللجنة أن تصوير الفلسطينيين ودولتهم المحتملة بوصفهما تهديدًا وجوديًا لإسرائيل، إلى جانب السعي لتقليص عدد السكان الفلسطينيين، يسهم في ترسيخ بيئة عسكرية تتساهل في استهداف المدنيين.
ووفق التقرير، تكشف شهادات جنود إسرائيليين في غزة عن استخفاف بحياة الفلسطينيين وممارسات تنزع عنهم إنسانيتهم، بما يسهم في تبرير قتل المدنيين أو التقليل من خطورته.
غزة والضفة الغربية: القتل والإيذاء والانتهاكات
تناول التقرير العمليات الإسرائيلية في غزة والضفة الغربية، مستندًا إلى نتائج سابقة للجنة بشأن الانتهاكات التي قد ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية.
وأكد أن اللجنة سبق أن خلصت إلى وجود مؤشرات على قصد إسرائيلي لإرساء سيطرة عسكرية دائمة على قطاع غزة وتغيير تركيبته الديمغرافية، بالتوازي مع تدمير منهجي للحياة الفلسطينية.
وذكر التقرير أن أكثر من 67,600 فلسطيني قُتلوا في غزة، إلى جانب أكثر من ألف فلسطيني في الضفة الغربية، خلال الفترة الممتدة من 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى 9 أكتوبر/تشرين الأول 2025.
كما أشار إلى مقتل 1,431 فلسطينيًا في غزة و137 في الضفة الغربية بين 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025 و30 سبتمبر/أيلول 2026.
وفي ما يتعلق بالأطفال، قالت اللجنة إن أفعالًا ارتكبتها الحكومة الإسرائيلية وقوات الأمن وألحقت الموت والأذى البدني والنفسي الجسيم بالأطفال الفلسطينيين قد ترقى إلى اضطهادهم على أساس السن.
وأضافت أن قتل الأطفال وإيذاءهم، إلى جانب العنف الجنسي والعنف القائم على النوع الاجتماعي، شكّلت عناصر استندت إليها في تقييمها لوجود قصد خاص بارتكاب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين في غزة.
وفي الضفة الغربية، أشارت اللجنة إلى الاستخدام غير الضروري والمفرط للقوة خلال عمليات إنفاذ القانون، وما يترتب عليه من قتل الفلسطينيين وإيذائهم.
كما خلصت في تقارير سابقة إلى أن عنف المستوطنين يخدم أهدافًا تتوافق مع سياسات الدولة الإسرائيلية، تشمل ترسيخ المستوطنات وضم الأراضي وتهجير الفلسطينيين.
الذكاء الاصطناعي والعنف بوصفهما أدوات للسيطرة
أعربت اللجنة عن قلقها إزاء استخدام القوات الإسرائيلية أدوات الذكاء الاصطناعي وأنظمة الأسلحة الذاتية التشغيل في غزة، مشيرة إلى أنظمة مثل «غوسبل» و«لافندر»، فضلًا عن نظام «أين أبي؟» الذي يتتبع مواقع الأفراد المستهدفين بمساعدة الذكاء الاصطناعي.
وتثير هذه الأنظمة، وفق التقرير، تساؤلات بشأن مدى امتثال استخدامها للقانون الدولي، ولا سيما القواعد المتعلقة بحماية المدنيين والتمييز بين الأهداف العسكرية والأشخاص المدنيين.
ويأتي ذلك ضمن تحقيق أوسع في الأساليب التي تستخدمها القوات الإسرائيلية، وفي الظروف التي تسمح باستمرار أعمال القتل والإيذاء.
وشددت اللجنة على أهمية قراءة النتائج في إطار الأسباب الجذرية للنزاع، بدلًا من حصرها في الوقائع العسكرية المنفردة.
كما أشارت إلى أنها لم تتلقَّ ردًا من الحكومة الإسرائيلية على طلبي المعلومات اللذين وجهتهما إليها، بينما تلقت ردًا من دولة فلسطين.
ويخلص التقرير، في مجمله، إلى أن معالجة العنف المتكرر تتطلب النظر في السياسات والممارسات التي تعمّق السيطرة على الأرض وتعرقل تقرير المصير الفلسطيني، إلى جانب التحقيق في الانتهاكات ومساءلة المسؤولين عنها، بما يضمن حماية المدنيين واحترام القانون الدولي.
شاركنا برأيك