علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
آراء و تحليلات
السفير معصوم مرزوق
السفير معصوم مرزوق

دبلوماسي وسفير سابق

معصوم مرزوق يكتب: أساس اللامساس الدستوري؟ ( 3-3) إستنساخ أم تداول السلطة؟

هذه الأسئلة تسمح بتجنب خطأين متعاكسين: الأول " افتراض أن كل نص لحماية الدستور يمنح الجيش حق الانقلاب "  والثاني " افتراض أن كل نص من هذا النوع محايد تمامًا

مشاركة:
حجم الخط:

كتبت مجموعة مقالات ، بعد الزلزال الذي أحدثه الرئيس عبد الفتاح السيسي بتصريحه يوم 14 أكتوبر الجاري بالتأكيد علي أنه لن يتم إجراء تعديلات علي الدستور ، وما تلي ذلك من تصريحات له أوضح فيها أن إنتهاء فترة رئاسته في 2030 ” أمر محسوم ” ( أي لا رجعة فيه ) ثم ما قام بطرحه من تصور لكيفية إعداد القيادات الجديدة في مصر من خلال دورة لأربعين شهراً في الأكاديمية العسكرية لمجموعة مختارة من حملة الدكتوراة والماجستير ..

ومن هذه المقالات كتبت مقالاً بعنوان : ” فن إطفاء الحرائق ! ”  ثم مقال بعنوان : ” حصان كاليجولا ” ثم أعدت نشر مقالاً كتبته عام 1990 عن مسرحية ” بكالوريوس في حكم الشعوب ” تحت عنوان ( المعهد الفني لتدريب الحكام ! ) 

ثم بدأت هذه السلسلة من المقالات تحت عنوان رئيسي هو : ” أساس اللا مساس الدستوري ! ” تناولت فيها بعض الأبعاد الدستورية والقانونية للموضوع، ثم كانت حلقتها الثانية بعنوان فرعي : ” الجيش وحراسة الجمهورية ” واليوم أختتم هذه السلسلة بالحلقة الثالثة تحت عنوان فرعي : ” إستنساخ أم تداول السلطة ؟ ” 

لقد حاولت في المقالات السابقة الإقتراب من أبعاد قرار الرئيس من زواياه القانونية والسياسية، وحرصت علي إجراء بعض الدراسات المقارنة.

علي سبيل المثال ببحث صيغة بوتين / ميدفيدف علي ضوء محددات الدستور المصري في مواده 140، 241 مكرر، وانتهينا في المقال الأول إلي أنه :

“من المهم أن يدرك الجميع أن المسألة ليست مجرد البحث عن مخرج دستوري يسمح بتبادل السلطة بين شخصين، بل أنها تتعلق بالسؤال الأوسع : هل يراد من الدستور أن ينظم تداول السلطة بما يضمن إستقلال شاغل المنصب، أم أن يُترك المجال لترتيبات سياسية تحفظ إستمرار النفوذ مع تغير شاغل المنصب ؟ “

وانتهينا في المقال الأول إلي أن الدستور في دولة القانون :

” لا ينبغي أن يكون آداة لتصميم ترتيبات شخصية، بل إطاراً عاماً يحكم الجميع بتجرد، ويضمن أن يكون انتقال السلطة خاضعاً لقواعد معلنة قابلة للتطبيق، ولا تتغير بتغيرأسماء من يتولون الحكم .. حيث يكمن هنا الفارق بين إنتقال المنصب، وتداول السلطة ” 

وفي المقال السابق ( الثاني ) حاولنا الإقتراب من العلاقة الشائكة بين الجيش والسياسة، تحت عنوان : ” الجيش وفكرة حراسة الجمهورية ” حيث تناولت التعليقات المتسارعة التي صاحبت تصريحات الرئيس، وخاصة تلك التي تشككت فيما ورد فيها مثلاً من أن ” الأمر في النهاية يعود للشعب”

حيث فسره البعض بأنه يترك الباب موارباً لتعديل دستوري يمد فترات الرئاسة ” بناء علي طلب الشعب ”

كما تشكك البعض الآخر في أن تعمد الرئيس قراءة المادة 200 من الدستور والتي تتضمن ما يمنح القوات المسلحة سلطة تشبه الفيتو علي أي نظام سياسي، فضلاً عن إشتراط ” التدريب ” للقيادات في الأكاديمية العسكرية ” ووضع قانون لتقنين ذلك ” !!

كل هذا رآه البعض بمثابة ” باب خلفي ” للسيطرة علي أي سلطة قادمة في 2030.

وقد وجدت أنه من الملائم عمل دراسة مقارنة مع بعض التطبيقات المشابهة (والتي وردت علي ألسنة بعض المنتقدين) مثل الجيش التركي ومجمع تشخيص مصلحة النظام في إيران، حيث أثبتنا إختلاف الوضع فيهما عما قضت به المادة 200 من الدستور المصري المعدل ..
وقد تساءلت في ختام المقال الثاني عما وصفته ” المعيار الحاسم ” لتقرير الجهة التي تحدد ” أن النظام مهدد ” وكذلك – وهو السؤال الأهم – عن إمكانية تحول المادة 200 من الدستور المصري إلي نوع من ” حق الوصاية ” ؟

قبل أي إستطراد ، يتوجب التأكيد علي مجموعة من المبادئ

– أن الهدف لم يكن ، ولن يكون تفتيشاً في النوايا ، والفرضية الأولية عند كاتب هذه السطور هي حسن النوايا .
 -أن مبادرة الرئيس – غير المتوقعة – قد تضعه في مكانة تاريخية مميزة .
– أن التاريخ السياسي للدول لا يقدم أمثلة لما يمكن أن نطلق عليه ” الإستنساخ السياسي ” فيما يتعلق بالرئيس، لأن كل واحد يترك بصمته الخاصة، مهما بلغ التشابه بينه وبين أسلافه، ويكفي أن ننظر إلي تاريخ مصر المعاصر كي ندرك أن ” السادات ” الذي عاش في كنف ” عبد الناصر ” تخلص في وقت سريع من ” كفن ” ذلك الرئيس، أما ” مبارك ” الذي بدأ حكمه بأنه لن يكون صورة ممن سبقوه، وأن ” الكفن ” ليس له جيوب ، سرعان ما اكتشف أن الكفن ( السلطة ) لها عشرات الجيوب !
– أنه حتي مع التسليم بنظرية المؤامرة، ومسايرة المشككين في صدق مبادرة الرئيس، فمن الصعب تصور تطبيق نموذج ” بوتين / ميدفيدف ” لأن عمر الرئيس الحالي عام 2036 سيكون قد بلغ 82 عاماً،ومن الصعب أن الرئيس يخطط لشئ مثل ذلك .

وفي التحليل الأخير، قد يكون لدي الرئيس بالفعل، بناء علي معلومات أو تقديره الشخصي، مخاوف من مخاطر معينة تهدد ليس فقط ” النظام السياسي ” وإنما كما يردد دائماً ” تهديداً للدولة ذاتها ” وربما كان ذلك، كما ورد علي لسان الرئيس مؤخراً، هو السبب في حرصه وبشكل شخصي علي وضع المادة رقم 200 في الدستور ..
لذا يكون المعيار الحاسم – من وجهة نظري – هو ” من يحدد أن النظام مهدد” / أو ” الدولة ذاتها ” ؟
في رأيي التحليلي، هذه هي النقطة التي ينبغي أن يتمحور حولها النقاش، دون الإكتفاء بتوجيه إتهامات إلي نوايا لا يعرفها أحد، ولا يمكن إثباتها إلا بأدلة قاطعة وقرائن حاسمة 

لا يكفي أن نقول إن مؤسسة ما مكلفة بحماية الدستور بل ينبغي طرح خمسة أسئلة

1. ما طبيعة الخطر؟ هل هو غزو خارجي، أم تمرد مسلح، أم مخالفة دستورية، أم مجرد خلاف سياسي؟

2. من يملك سلطة تقدير الخطر؟ هل هي الحكومة المدنية، أم القضاء، أم البرلمان، أم المؤسسة المكلفة بالحماية نفسها؟.

3. ما الإجراءات المسموح بها؟ هل يقتصر التدخل على الوسائل القانونية المحددة، أم يمكن أن يمتد إلى تعليق المؤسسات أو تغيير السلطة بالإنقلاب عليها – كما كان سابقاً في النموذج التركي – ؟.

4. ثم ، وهو أمر شديد الأهمية ، “من يراقب القرار؟ ” هل توجد رقابة قضائية وبرلمانية فعالة، أم تتمتع المؤسسة بهامش واسع من الاستقلال؟.

5. ما هي حدود المسؤولية؟ ، هل يمكن مساءلة المؤسسة إذا تجاوزت اختصاصها، أم أن مفهوم حماية الدولة يصبح مبررًا يصعب إخضاعه للمراجعة؟.

هذه الأسئلة تسمح بتجنب خطأين متعاكسين: الأول ” افتراض أن كل نص لحماية الدستور يمنح الجيش حق الانقلاب ”  والثاني ” افتراض أن كل نص من هذا النوع محايد تمامًا ولا يمكن أن يؤثر في موازين القوة”
فمن البديهي أن النصوص تكتسب معناها من صياغتها، وموقعها في البناء الدستوري، وآليات تطبيقها، والتاريخ السياسي للمؤسسات التي تتولاها ، ومدي النضج المجتمعي والثقافة السياسية السائدة.

فهل يمكن مثلاً أن تتحول المادة 200 إلى «حق وصاية» من مؤسسة علي كافة السلطات في الدولة ؟؟ 

من الناحية القانونية البحتة، لا تكفي المادة 200 وحدها للجزم بأن القوات المسلحة تملك حقًا مستقلًا في عزل رئيس الجمهورية أو إلغاء نتائج الانتخابات أو الحلول محل السلطات المدنية.

فمثل هذه الصلاحيات تحتاج إلى سند قانوني محدد، ويجب تفسير المادة في إطار الدستور بأكمله، لا باعتبارها تفويضًا مفتوحًا.
لكن – مع ذلك – ينبغي التنبه إلي أنه من الناحية السياسية، يظل خطر التوسع في تفسيرها قائمًا إذا استُخدمت عبارات مثل «حماية الديمقراطية» أو «مدنية الدولة» بشكل واسع لتبرير تدخل لا تحدد النصوص حدوده وإجراءاته بوضوح.

وقد يزداد هذا الخطر عندما تكون المؤسسة التي تتولى الحماية هي نفسها طرفًا في النزاع السياسي، أو عندما لا توجد جهة مستقلة وفعالة تستطيع الفصل في الخلاف بشأن مدى مشروعية تدخلها.

وهكذا ، ففي الدراسة المقارنة لبحث عما إذا كان الأمر يتعلق ب”حماية الدستور أم حماية النظام القائم؟” ، فأن ما كشفت عنه المقارنة بين مصر وتركيا وإيران ، هو وجود ثلاثة مسارات مختلفة :

 في مصر، أُسندت إلى القوات المسلحة مهمة دستورية صريحة تتجاوز الدفاع العسكري التقليدي لتشمل صون الدستور والديمقراطية ومدنية الدولة.

 في تركيا، عُدّل نص قانوني ( وليس دستوري ) استُخدم تاريخيًا لتبرير تدخل الجيش، بحيث تركزت المهمة المعلنة حالياً على الدفاع ضد الأخطار الخارجية.

 أما في إيران، تتوزع وظائف الحراسة الدستورية والسياسية بين مجالس ذات اختصاصات مختلفة، تتصل بالقيادة الدينية والتشريع والانتخابات وتسوية النزاعات المؤسسية.

ولهذا كله لا تكمن – في نظري – المسألة في مجرد وجود مهمة دستورية لحماية الدولة، بل في أهمية الفصل بين من يملك القوة، ومن يفسر الدستور، ومن يقرر قانونية استخدام القوة.

فلا شك إن جمع هذه الوظائف في يد واحدة، أو السماح بتداخلها دون ضوابط، قد يؤدي إلى اختلال التوازن الدستوري.

أما توزيعها على مؤسسات مستقلة ( كما شرحنا في الحالة الإيرانية ) ، مع تحديد الإجراءات والرقابة والمساءلة، فيحد من احتمالات تحويل حماية الدستور إلى وصاية سياسية.

بناء علي ذلك فأن الدرس الأهم هو أن النصوص الدستورية لا تُقاس فقط بما تعلنه من أهداف، بل بما تنشئه من صلاحيات، وبالحدود التي تضعها أمام ممارستها، فالديمقراطية ليست مجرد نظام ينبغي حمايته؛ إنها أيضًا نظام يحدد من يملك سلطة الحماية، وكيف تُمارس، ومن يراقبها، ومتى تنتهي.

وإذا كان الجيش مكلفًا بحماية الدستور، فينبغي أن يظل خاضعًا للدستور لأن المؤسسة التي تحمي القواعد لا يجوز أن تصبح، لمجرد إمتلاكها لهذه المهمة ، صاحبة سلطة غير محدودة في تفسيرها أو تعليقها.

وفي خاتمة هذه الدراسة المتواضعة التي أرهقتني كثيراً ( بما قد يغفر بعض الأخطاء غير المقصودة ) فأن ” زلزال السيسي ” قد يجعل منه ” المواطن الأول ” في التاريخ المصري، لأنه يكون أول من قرر طواعية الخروج من باب قصر الرئاسة إلي ساحة المواطنة، ولكن ” كمواطن له إنجاز سياسي كبير ” وبشكل شخصي أتمني أن تكون تلك هي النهاية السعيدة عام 2030.

 

شارك المقال:

شاركنا برأيك