علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
عمرو صابح
عمرو صابح

كاتب وباحث

عمرو صابح يكتب: ألبرتو ميجيل فرنانديز مهندس «الحرة» وصناعة الصوت العربي البديل

التسلسل الزمني يبيّن أن فرنانديز تولى إدارة «الحرة» أولًا، ثم أُعلن عن التوجه الجديد للمحطة، ثم بدأ برنامج عيسى في مارس 2018.

مشاركة:
حجم الخط:

هناك شخصيات لا تحتاج إلى الظهور كثيرًا على شاشات التلفزيون حتى تؤثر في تشكيل ما يراه الناس ويسمعونه.

يكفي أن تكون في موقع يتيح لها اختيار المنصة، وتحديد الأصوات، ورسم الإطار الذي تتحرك داخله الأسئلة والأجوبة.

ألبرتو ميجيل فرنانديز واحد من هؤلاء، كوبي المولد، أمريكي الجنسية، ودبلوماسي سابق قضى عقودًا في الخدمة الخارجية الأمريكية.

عمل فرنانديز في مواقع متعددة بوزارة الخارجية الأمريكية، من بينها منصب منسق الاتصالات الاستراتيجية لمكافحة الإرهاب، الذي شغله بين عامي 2012 و2015.

وبعد انتهاء مسيرته الدبلوماسية، انتقل إلى المجال الإعلامي، فشغل منصب نائب رئيس معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط (MEMRI) بين عامي 2015 و2017.

في 17 يوليو 2017، تولى رئاسة شبكات البث في الشرق الأوسط (MBN)، المؤسسة الأمريكية التي تدير قنوات «الحرة» و«الحرة عراق» وراديو «سوا»، إلى جانب منصات أخرى موجهة إلى الجمهور العربي.

واستمر في هذا المنصب حتى عام 2020، قبل أن يعود إلى العمل في المجال البحثي والإعلامي المرتبط بشؤون الشرق الأوسط.

تُموَّل مؤسسة MBN بمنحة من الوكالة الأمريكية للإعلام العالمي (USAGM) وهي وكالة اتحادية أمريكية تشرف على مؤسسات البث الدولية التابعة للحكومة الأمريكية.

وتعلن هذه المنظومة أن من أهدافها تقديم المعلومات إلى الجمهور العربي، والتعريف بالولايات المتحدة وسياساتها، ومواجهة حملات التضليل المنسوبة إلى دول مثل إيران والصين وروسيا.

«الحرة» ليست مشروعًا إعلاميًا عربيًا مستقلًا يبحث عن تمويل أمريكي، بل هي جزء من منظومة الإعلام الدولي التي تمولها الحكومة الأمريكية، وتعمل في إطار تشريعي ورسالة معلنة يرتبطان بالدبلوماسية العامة الأمريكية.

ويأتي إطلاق الولايات المتحدة قنوات «الحرة» ضمن ما يُعرف بـ«حرب الأفكار»، بوصفه مكملًا للأدوات الأمنية التقليدية، بهدف مواجهة الخطابات المعادية للولايات المتحدة وتعزيز فهم السياسات الأمريكية.

كما تمثل «الحرة» أحد استثمارات واشنطن في مجال الدبلوماسية العامة في الشرق الأوسط.

هنا تظهر أهمية ألبرتو فرنانديز

لم يتولَّ الرجل إدارة «الحرة» لمجرد الحفاظ على شكلها القديم؛ فقد قال إنه جاء لتغييرها، ووصفها بأنها قوة هامشية في المنطقة، مؤكدًا رغبته في إعادة بناء منتجها الإعلامي وتغيير طريقة عملها. والأهم أنه لم يتحدث عن الحياد بمعناه المجرد، بل أشار إلى وجود رؤية أمريكية تقف وراء المحطة.

في مقابلاته خلال عامي 2017 و2018، تحدث فرنانديز عن ضرورة تغيير هوية «الحرة» وتوسيع مساحة الأصوات التي تستضيفها، معتبرًا أن المحطة لم تحقق التأثير الذي أُنشئت من أجله.

وأوضح أن لكل وسيلة إعلامية هويتها، فالجزيرة، وفق رأيه، تحمل خلفية إسلاموية، بينما يريد لـ«الحرة» أن تكون منصة لأصوات أخرى تضم العلمانيين والليبراليين والإصلاحيين والمفكرين الأحرار، وأن يصبح هؤلاء جزءًا من هويتها الإعلامية.

هنا نحن أمام تصريح بالغ الأهمية.

فالمسألة ليست أن واشنطن تقول: «سنقدم الأخبار فقط»، بل إنها تعلن، على لسان أحد مسؤوليها، امتلاك رؤية محددة، والعمل على اختيار أصوات بعينها لتمثيلها في المجال العام العربي.

في نوفمبر 2018، شهدت «الحرة» إعادة إطلاق بصيغة جديدة، بعد أشهر من العمل على تطوير محتواها وشكلها الإعلامي.

وجاء ذلك في سياق توجه فرنانديز إلى تغيير أداء المؤسسة، وتعزيز حضورها في المشهد الإعلامي العربي، وتوسيع المساحة المخصصة للأخبار والبرامج الحوارية والفكرية.

عبد الناصر والمقاومة.. جوهر المعركة

لا يتحرك ألبرتو فرنانديز من موقع فكري محايد تجاه الحركات القومية العربية وحركات المقاومة.

قد ظهر موقفه النقدي من جمال عبد الناصر بوضوح في مقال نشره موقع معهد أبحاث إعلام الشرق الأوسط (MEMRI) في 7 أبريل 2025، بعنوان «عندما دمّر لبنان كل من جمال عبد الناصر وياسر عرفات واللبنانيين»

حمّل فرنانديز عبد الناصر مسؤولية تاريخية عن جانب من المأساة اللبنانية، معتبرًا أن اتفاق القاهرة، الموقّع

في نوفمبر 1969، أسهم في إضفاء الشرعية على الوجود العسكري المستقل للفصائل الفلسطينية داخل

لبنان، بما أضعف سيادة الدولة اللبنانية ومهّد للحرب الأهلية التي اندلعت عام 1975.

هذا الموقف، الذي عبّر عنه فرنانديز في مقال نشره بعد سنوات من مغادرته رئاسة «الحرة» يوضح جانبًا من

رؤيته التاريخية والسياسية للقومية العربية والقضية الفلسطينية، لكنه لا يكفي وحده لإثبات أن كل اختيارات

المحطة الإعلامية كانت انعكاسًا مباشرًا لموقفه الشخصي.

في تناوله لقضايا المنطقة، يضع فرنانديز إيران وحزب الله وحماس والإخوان المسلمين والتنظيمات الجهادية

ضمن إطار أمني وسياسي يتسم بالتشدد تجاه هذه الأطراف، ويؤكد ضرورة أن تكون «الحرة» أكثر حدة في مواجهتها.

كما يتعامل مع مفهوم «المقاومة» باعتباره خطابًا ينبغي تفكيكه عندما تتبناه قوى يراها خصومًا للسياسة الأمريكية.

وقد ظهر ذلك في انتقاده استخدام الأنظمة والحركات قضية فلسطين وشعار المقاومة، بينما تفشل، وفق رؤيته، في معالجة المشكلات الداخلية لشعوبها.

هذه الرؤية تصطدم بطبيعتها مع التصور الناصري.

فالناصرية لم تنظر إلى فلسطين باعتبارها ملفًا منفصلًا عن الأمن القومي العربي، ولم تعتبر مقاومة الاستعمار والصهيونية مجرد شعار تستخدمه الأنظمة لصرف أنظار الشعوب عن مشكلاتها الداخلية.

بل جعلت التحرر الوطني والاستقلال والسيادة ومقاومة الاستعمار أجزاءً من مشروع سياسي متكامل.

ولهذا، فإن نقد عبد الناصر لا يقتصر على نقد زعيم مصري راحل، بل يمتد إلى نموذج كامل من القومية العربية

والتحرر الوطني والمقاومة.ومن هنا يمكن فهم كيف تصبح المعركة الإعلامية حول عبد الناصر جزءًا من معركة أوسع على الذاكرة السياسية العربية.
فإذا جرى تقديم عبد الناصر باعتباره مجرد مستبد عسكري، تحولت ثورة يوليو إلى مجرد انقلاب.

وإذا اختُزل تأميم قناة السويس في نزاع شخصي مع الغرب، اختفت معركة الاستقلال الاقتصادي. وإذا قُدّمت حرب السويس باعتبارها مجرد مغامرة عسكرية، غابت حقيقة الصراع الاستعماري.

إذا تحولت فلسطين إلى مجرد ورقة تستخدمها الأنظمة العربية، تراجعت من الذاكرة حقيقة أن الصراع مع الصهيونية كان أحد الملفات الرئيسية للتحرر الوطني في المنطقة.

هكذا ينتقل النقاش من سؤال: ماذا فعل عبد الناصر؟ إلى سؤال أخطر: كيف نريد للأجيال الجديدة أن تتذكر عبد الناصر؟

إبراهيم عيسى.. من الناصرية إلى خطاب آخر

لفهم العلاقة بين ألبرتو فرنانديز وإبراهيم عيسى، ينبغي أولًا وضع المسارين المهنيين والفكريين للرجلين في سياقهما الزمني الصحيح.
إبراهيم عيسى لم يكن صحفيًا مجهولًا حين بدأ العمل مع «الحرة». فقد بدأ مشواره الصحفي في مجلة «روز اليوسف» عام 1987، ثم تنقّل بين تجارب صحفية متعددة، وتولى رئاسة تحرير صحف، من أبرزها «الدستور».

كما قدم برامج سياسية واجتماعية ودينية وتاريخية، واكتسب حضورًا جماهيريًا واسعًا في مصر قبل انتقاله إلى المنصة الأمريكية.
وفي مراحل سابقة من مسيرته، تبنى عيسى مواقف سياسية وفكرية مختلفة، واقترب في بعض كتاباته ومواقفه من الخطاب الناصري واليساري، ودافع عن عهد جمال عبد الناصر وقضايا المقاومة الفلسطينية واللبنانية.

ثم شهد خطابه تحولات واسعة، خصوصًا في نظرته إلى الإسلام السياسي وحركة حماس والمقاومة

أما علاقته بـ«الحرة» فقد اتخذت شكلًا واضحًا في عام 2018، حين بدأ تقديم برنامج «مختلف عليه» على المحطة في 18 مارس

من ذلك العام، بعد تولي فرنانديز رئاسة المؤسسة بنحو ثمانية أشهر، وفي سياق المشروع الذي أعلن عنه لتغيير هوية المحطة ومحتواها.

وفي حديثه عن إعادة بناء «الحرة» ذكر فرنانديز إبراهيم عيسى بالاسم، مشيدًا بتناوله الإسلام السياسي ونقده، واعتبر برنامجه جزءًا من مساحة الأصوات الليبرالية والعلمانية والمفكرة بحرية التي تريد المحطة تقديمها.

كما أشار في حديث آخر إلى إتاحة مساحة لإبراهيم عيسى وإسلام البحيري وغيرهما من أصحاب الرؤى المنفتحة وغير التقليدية.

هنا تتضح نقطة التقاطع بين المسارين

فرنانديز يتولى إدارة مؤسسة إعلامية أمريكية موجهة إلى الجمهور العربي، ويعلن رغبته في توسيع مساحة أصوات فكرية بعينها، ثم تستضيف المؤسسة إبراهيم عيسى في برنامج يتناول الخلافات الفكرية والتاريخية والدينية في المجال العربي والإسلامي.

إذن، فإن اختيار إبراهيم عيسى لم يكن منفصلًا عن التوجه التحريري الذي أعلن فرنانديز رغبته في ترسيخه

داخل «الحرة» لكن هذا التوافق المؤسسي لا يعني بالضرورة أن فرنانديز هو الذي صنع التحولات الفكرية

لعيسى، أو أن تلك التحولات بدأت بعد انتقاله إلى المحطة، فالمسار الفكري للصحفي المصري أقدم من هذه العلاقة الإعلامية.

هذا التمييز ضروري لفهم القضية من دون الخلط بين التطور الشخصي للصحفي، وخيارات المؤسسة التي

تستضيفه، والرسالة السياسية الأوسع التي تسعى المؤسسة إلى إيصالها.

إبراهيم عيسى.. تحولات الخطاب ودلالاتها

الرجل الذي استخدم في مراحل سابقة من مسيرته الصحفية لغة مختلفة في تناول عبد الناصر والمقاومة، أصبح في السنوات

اللاحقة أكثر نقدًا للناصرية، وأكثر صدامًا مع الإسلام السياسي، وأكثر تشكيكًا في جدوى المقاومة المسلحة.

ووصل في السنوات الأخيرة إلى مواقف شديدة النقد لحماس وحزب الله، ثم اتخذ موقفًا بالغ العداء من

الرئيس جمال عبد الناصر، على نحو يستدعي المقارنة بخطاب الكاتب الراحل ثروت أباظة.

قد يختلف المرء مع هذه المواقف أو يتفق معها، لكن التحول في خطاب إبراهيم عيسى بشأن المقاومة والناصرية لا يمكن

تجاهله، خصوصًا عند مقارنته بالصورة التي ارتبطت به في مراحل سابقة من حياته الصحفية.

فالمسألة لا تتعلق بتغيير موقفه من جماعة سياسية بعينها، بل تمتد إلى مفاهيم أوسع: المقاومة، والقومية العربية، والناصرية، والإسلام السياسي، وفلسطين.

اللافت أن الصيغة الأحدث من خطابه وجدت منبرًا أمريكيًا مناسبًا لها، وأن المسؤول عن هذا المنبر أعلن صراحةً أن اختيار عيسى ينسجم مع رؤية المحطة وهويتها الفكرية.

هذه هي النقطة التي لا يجوز القفز فوقها

فالتسلسل الزمني يبيّن أن فرنانديز تولى إدارة «الحرة» أولًا، ثم أُعلن عن التوجه الجديد للمحطة، ثم بدأ برنامج عيسى في مارس 2018.

لكنه لا يثبت وحده أن التحول الفكري لدى عيسى كان نتيجة لهذا التعيين أو أن المؤسسة الأمريكية أنشأت مواقفه من الصفر.

الأدق أن العلاقة تكشف عن تقاطع بين توجه تحريري معلن لدى المؤسسة وخطاب إعلامي وجد مساحة للتعبير عبر منصتها.

«الحرة» والقوة الناعمة الأمريكية

ليس من الضروري وصف «الحرة» بأنها «جهاز مخابرات أمريكي» حتى ندرك موقعها السياسي. فهي جزء من منظومة القوة الناعمة الأمريكية:

الحكومة تمولها، والوكالة الأمريكية للإعلام العالمي تشرف على منظومتها، والمؤسسة تعلن أن من أهدافها تقديم الأخبار والمعلومات والتعريف بالولايات المتحدة إلى الجمهور العربي.

لذلك، فالقضية ليست الادعاء بأن ألبرتو فرنانديز هو الذي صنع النسخة الحالية من إبراهيم عيسى، بل أن مشروعًا إعلاميًا

أمريكيًا اختار شخصية عربية ذات تاريخ جماهيري، ووضعها داخل منصة أمريكية موجهة إلى العالم العربي، وأتاح لها مساحة

للحديث عن أكثر القضايا حساسية في الوعي العربي:

الدين، والإسلام السياسي، والتاريخ، وفلسطين، والمقاومة.

وهذا بالضبط أحد معاني القوة الناعمة:

أن تصل الرسالة إلى الجمهور عبر شخص لا يبدو أمريكيًا، وأن يتحدث صاحبها بلغة

الجمهور، وأن تكون الأسئلة عربية، والوجه عربيًا، واللهجة عربية، والتاريخ عربيًا، بينما تتسق الرسالة في مضمونها مع الرؤية

السياسية الأمريكية للمنطقة.

والهدف، وفق القراءة النقدية لهذا المشروع، هو ترسيخ صورة عبد الناصر باعتباره ديكتاتورًا فاشلًا، والتشكيك في جدوى

المقاومة، وإقناع الجمهور العربي بأن المشروع الأمريكي الإسرائيلي في المنطقة عصيّ على الهزيمة.

هنا تكمن خطورة نموذج فرنانديز

فهو لا يسعى إلى إقناع العربي بأن يصبح أمريكيًا، بل يعمل، وفق التصور الذي أعلنه بشأن هوية المحطة

واختياراتها، على تقديم أصوات عربية تحمل رؤى تتوافق مع السياسة الأمريكية تجاه المنطقة.

وهذه إحدى أكثر الأدوات فاعلية في صراع الأفكار.

لم تعد معركة واشنطن مقتصرة على النفوذ والسيطرة على الدول العربية، بل تمتد أيضًا إلى الوعي العربي

بتاريخه ومقاومته ورموزه.

من يملك المنصة لا يكتب التاريخ بالضرورة، لكنه يستطيع تحديد من يروي التاريخ، ومن يُستمع إليه، وما

الأسئلة التي تُطرح، وما الإجابات التي تصبح مألوفة بفعل التكرار.

وهذه هي خطورة الإعلام.

شارك المقال:

شاركنا برأيك