مقالات
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

الغزالي: الرجل الذي حاكم يقينه

حين نقرأ الغزالي لأول مرة قد نظن أننا نقرأ قصة رجل عاش قبل ألف عام، لكننا سرعان ما نكتشف أننا نقرأ شيئًا يشبهنا على نحو مخيف

مشاركة:
حجم الخط:

جلسنا هذه المرة في ركن هادئ من مكتبة شجرة القراءة، وبين رفوفٍ ازدحمت بأسماء العلماء والفلاسفة والمتكلمين، كان هناك كتاب صغير يبدو للوهلة الأولى أقل صخبًا من جيرانه.

مددت يدي إليه، فإذا بعنوانه يلمع في هدوء: المنقذ من الضلال.

لم يكن الكتاب يشبه الكتب التي اعتدنا أن نقرأها،  فلم أشعر أن مؤلفه يريد أن يعلّمنا بقدر ما يريد أن يعترف لنا، لقد كان أقرب إلى نافذة مفتوحة على روح إنسان عاش معركة طويلة مع نفسه.

رفعت بصري كأنني أبحث عن صاحبه بين الرفوف، فوجدت أبا حامد الغزالي جالسًا هناك في صمت، لا في هيئة الفقيه الشهير الذي تتزاحم حوله حلقات الدرس، ولا في صورة العالم الذي حفظت الأجيال اسمه، كان جالسًا في صورة رجل أرهقه سؤال واحد:

كيف أعرف أن ما أؤمن به حق؟

يبدو السؤال بسيطًا حين نقرؤه على الورق، لكنه يصبح زلزالًا حين يستقر في القلب.. فكثير من الناس يشكّون في فكرة أو رأي أو موقف، أما الغزالي فقد ذهب أبعد من ذلك بكثير.

لقد قرر أن يوجّه السؤال إلى الأدوات التي يعرف بها الأشياء أصلًا: فقد شك في الطريق المؤدي إلى النتائج اليقينية.

وهنا تبدأ واحدة من أكثر الرحلات الفكرية جرأة في تاريخ الإنسان.

حين أصبح العقل موضوعًا للتساؤل:

نحن نعيش حياتنا اليومية مطمئنين إلى الحواس والعقل نرى الأشياء فنصدقها، ونفكر فيها فنطمئن إلى أحكامنا عليها.

لكن الغزالي توقف فجأة أمام هذه الطمأنينة وسأل نفسه: ماذا لو كانت أدوات المعرفة نفسها قابلة للخطأ؟

الحواس تخدعنا أحيانًا.
العين ترى السراب ماءً.
والشمس تبدو صغيرة وهي أكبر من الأرض بملايين المرات.
فإذا كانت الحواس تخطئ، فكيف نثق بها ثقة مطلقة؟

لكن السؤال الأخطر كان ينتظر خلفه.

إذا كنا قد اكتشفنا خطأ الحواس بواسطة العقل، فمن الذي يضمن أن العقل نفسه ليس محدودًا بحدود لا نراها؟

من الذي يضمن أن هناك مستوى أعلى من الإدراك يجعل أحكامنا العقلية تبدو ناقصة كما تبدو أحكام الحواس ناقصة أمام العقل؟

كان الغزالي يحفر تحت أساسات المعرفة نفسها.

وكان يفعل ذلك بدافع أكثر عمقًا وخطورة: الرغبة في الوصول إلى يقين لا تهزه العواصف.

بين الشك الذي يهدم والشك الذي يبني:

من السهل أن نهدم.
يكفي أن نلقي الأسئلة في كل اتجاه ثم نغادر.

لكن البناء شيء آخر؛ فالشك نوعان:

شك يبحث عن الحقيقة، وشك يبحث عن الانتصار على الحقيقة.. الأول يشبه المسافر الذي يهدم كوخه القديم لأنه يريد بيتًا أقوى.

أما الثاني فيشبه من يحطم كل البيوت ثم يجلس فوق الأنقاض متفاخرًا بأنه لم يعد يؤمن بشيء.

الغزالي كان من النوع الأول.

لم يكن يريد أن يعيش بلا يقين، بل كان يبحث عن يقين يستحق أن يعيش من أجله؛ ولهذا تحول عنده الشك إلى معبر لليقين.

وربما لهذا السبب بقيت رحلته حية بعد قرون، بينما ماتت عشرات الرحلات التي اتخذت من الشك غاية نهائية وانتهت إلى الفراغ.

أزمة القرن الخامس وأزمة القرن الحادي والعشرين:

حين نقرأ الغزالي لأول مرة قد نظن أننا نقرأ قصة رجل عاش قبل ألف عام، لكننا سرعان ما نكتشف أننا نقرأ شيئًا يشبهنا على نحو مخيف.

لقد عاش الغزالي في عصر امتلأ بالاتجاهات الفكرية والمدارس الكلامية والمذاهب المتنافسة.

كل فريق يملك حججه، وكل جماعة تدّعي امتلاك الحقيقة، وكل صوت يطالب الناس بأن يتبعوه.

أما نحن، فقد انتقلت تلك الفوضى من الأسواق والمنتديات إلى الشاشات والهواتف.. وأصبح الإنسان المعاصر يستيقظ كل صباح على سيل لا ينتهي من الآراء والتفسيرات والمواقف والتحليلات.

معلومة تناقض معلومة.

وخبير يفند خبيرًا.
وفكرة تهدم فكرة.

حتى صار السؤال الذي أرّق الغزالي قبل قرون سؤالًا يوميًا عند كثير من الناس اليوم:
كيف أعرف أنني أسير في الطريق الصحيح وسط هذا الضجيج كله؟

لقد سبق الغزالي عصره لأنه أدرك أن المشكلة الحقيقية في كيفية التعامل مع المعلومات؛ فالإنسان قد يضيع لأنه يعرف أشياء كثيرة متناقضة في الوقت نفسه.

الكتب بوصفها آثار رحلة:

من الجميل أن نقرأ كتب الغزالي، لكن الأجمل أن نقرأها بوصفها أجزاء من سيرته الداخلية.

فـتهافت الفلاسفة هو محطة من محطات صراعه مع الأسئلة الكبرى، وإحياء علوم الدين محاولة لإعادة الحياة إلى المعنى بعد أن كادت المعارف تتحول إلى قوالب جامدة.

أما المنقذ من الضلال فهو أشبه بمذكرات عقل عاد من رحلة طويلة في الصحراء وهو يحمل خريطة الطريق.

وفي كل كتاب من هذه الكتب نلمح الغزالي الإنسان قبل أن نرى الغزالي العالم.. نلمح ذلك الرجل الذي وضع نفسه أولًا في قفص الأسئلة.

ولعل هذا ما يفسر بقاء أثره حتى اليوم؛ فالناس تتأثر كثيرًا بمن يكتب من داخل التجربة.

لماذا خرج أكثر يقينًا؟

قد يتصور البعض أن الشك يقلل الإيمان، لكن تجربة الغزالي تكشف نتيجة مختلفة تمامًا.

لقد خرج من رحلته أكثر هدوءًا، وأكثر ثقة، وأكثر يقينًا؛ لأنه اكتشف أن الحقيقة لا تخشى الاختبار، وأن الإيمان الذي ينهار أمام السؤال لم يكن إيمانًا راسخًا من البداية.

فالذهب لا يخاف النار لأنه يعرف قيمته.. وكذلك الأفكار العميقة لا تخاف الأسئلة لأنها تعرف جذورها.

لقد تعلم الغزالي أن اليقين الحقيقي يولد من المرور عبر الأبواب المغلقة، وأن العقل ليس خصمًا للإيمان لكنه أحد الطرق المؤدية إليه حين يُستخدم بصدق وتواضع.

ما الذي نتعلمه من الغزالي؟

ربما لا نحتاج اليوم إلى أن نكرر رحلة الغزالي بحذافيرها، لكننا نحتاج إلى شجاعته..
نحتاج إلى الشجاعة التي تجعل الإنسان قادرًا على مراجعة نفسه قبل أن يراجع الآخرين، والشجاعة التي تدفعه إلى البحث عن الحقيقة.

والشجاعة التي تسمح له بأن يقول: لا أعلم، قبل أن يدّعي المعرفة.

لقد علّمنا الغزالي أن أخطر أنواع الضلال أن تتوقف عن السؤال لأنك تظن أنك وصلت، ولهذا لا يبدو المنقذ من الضلال كتابًا عن الماضي بقدر ما يبدو رسالة موجهة إلى إنسان هذا العصر.

رسالة تقول إن الحقيقة رحلة طويلة من الصدق مع النفس.

وربما لهذا ما زال الغزالي يجلس في مكتبات العالم بعد تسعة قرون، بوصفه رجلًا أجاب عن الأسئلة الكبرى، وامتلك الشجاعة الكافية ليطرحها.

شارك المقال: