أحمد علام يكتب: لماذا إيران؟ (6) نظام إقليمي أم شبكة هيمنة؟
في أكتوبر 2026 ما زالت المفاوضات بشأن المضيق والحصار والشروط المتبادلة مستمرة، بينما تصر إيران على ربط إعادة فتح مضيق هرمز بتنفيذ شروط تتعلق بالحصار والترتيبات المتفق عليها
لماذا أصبحت إيران هدفا أمريكيا عربيا من قبل الثورة الإيرانية؟
انتهى الجزء الخامس بسؤال: هل يمكن حل جزء من الصراع بين ايران والولايات المتحدة بالتفاوض؟
نستكمل في هذه المقالة محطات الصراع ومآلاته.
2015 : عندما جُرّبت الدبلوماسية
بعد سنوات طويلة من العقوبات والمفاوضات توصلت إيران والولايات المتحدة وبقية مجموعة 5+1 والاتحاد الأوروبي عام 2015 إلى خطة العمل الشاملة المشتركة، المعروفة بالاتفاق النووي.
فرض الاتفاق قيودًا على البرنامج النووي الإيراني وآليات رقابة وتحقق، مقابل رفع أو تعليق عقوبات مرتبطة بالبرنامج النووي.
وقدم وزير الخارجية الأمريكي جون كيري الاتفاق يومها باعتباره خطوة قابلة للقياس بعيدًا عن الانتشار النووي ونحو الشفافية والتعاون.
هذه اللحظة مهمة لأنها أثبتت أن الولايات المتحدة وإيران تستطيعان، رغم عقود العداء، الوصول إلى صفقة عندما تحددان ملفًا بعينه.
لكنها كشفت أيضًا حدود الاتفاق، فهو عالج النووي، ولم يعالج النظام الإقليمي كله، إذا حُل النووي… ماذا عن البقية؟
بقي حزب الله، وبقيت الصواريخ الإيرانية، وبقي العراق، وبقيت سوريا، وبقي اليمن، وبقيت إسرائيل.
بقي الوجود العسكري الأمريكي في الخليج، وبقي الخلاف حول شكل النظام الإقليمي.
أحمد علام يكتب: لماذا إيران (5) القوة الإقليمية لمن؟
هنا نفهم لماذا كان موقف إدارة ترامب من الاتفاق مختلفًا
لم تقل الإدارة الأمريكية عام 2018 إن المشكلة هي النووي وحده، فعندما أعلن ترامب الانسحاب من الاتفاق في 8 مايو/أيار 2018، ربط قراره صراحة بالنفوذ الإيراني الإقليمي، وحزب الله وحماس، والصواريخ، والعراق واليمن وسوريا، إلى جانب البرنامج النووي.
هذه نقطة بالغة الدلالة، لأنها تعني أن حل الملف النووي وحده لم يكن كافيًا لإنهاء الصراع، ماذا كان المطلوب إذن؟
بعد الانسحاب من الاتفاق أعادت إدارة ترامب العقوبات واتبعت سياسة «الضغط الأقصى» وأعلنت الإدارة أن استراتيجيتها تستهدف تغيير سلوك القيادة الإيرانية، لا الملف النووي وحده.
هنا نعود إلى السؤال المركزي.
إذا توقفت إيران عن التخصيب العسكري المحتمل، فماذا عن صواريخها؟
وإذا قيدت الصواريخ، فماذا عن حزب الله؟
وإذا قطعت حزب الله، فماذا عن العراق؟
وإذا انسحبت من العراق وسوريا واليمن، فماذا عن رفضها لإسرائيل؟
وإذا غيرت كل ذلك، فما الذي يتبقى من السياسة الخارجية التي بنتها الجمهورية الإسلامية منذ 1979؟
هنا يصبح الخط الفاصل بين:
تغيير سلوك إيران، وتغيير موقع إيران داخل النظام الإقليمي، خطًا دقيقًا جدًا.
هذا يعيدنا إلى الشاه، هنا تكتمل الدائرة، الشاه كان قويًا، وكانت إيران في عهده تطمح إلى قيادة الخليج، وكان يشتري أحدث الأسلحة.
لم تعتبر واشنطن ذلك في ذاته خطرًا، بل اعتبرته جزءًا من أمن المنطقة لأنها كانت ترى إيران «قوة صديقة» تعمل داخل نظامها.
إذن يمكننا الآن صياغة فرضية المقال بصورة أكثر دقة
الولايات المتحدة لا تعارض وجود قوة إقليمية كبيرة في الشرق الأوسط لمجرد أنها قوية؛ تاريخها مع إيران الشاه ينفي ذلك.
لكنها تسعى إلى منع قوة تعتبرها معادية لرغباتها في المنطقة من أن تبلغ مستوى يسمح لها بالسيطرة على الخليج، أو تهديد إسرائيل وحلفائها، أو تقويض النظام الذي تقوده واشنطن.
من وجهة النظر الأمريكية، هذا دفاع عن المصالح والاستقرار.
من وجهة النظر الإيرانية، هو محاولة لفرض هيمنة أمريكية على سيادة دول المنطقة.
هنا يوجد الصراع الحقيقي.
ثم جاءت 2026
بعد عقود من العقوبات، وحروب الوكالة، والعمليات السرية، والاغتيالات والضربات المحدودة والمفاوضات، انهار الحاجز الأخير.
في 28 فبراير/شباط 2026 بدأت الضربات الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، وتحول الصراع إلى حرب مباشرة.
وبحلول أكتوبر/تشرين الأول 2026 كانت الحرب قد استمرت أكثر من سبعة أشهر، مع حصار بحري أمريكي شديد على صادرات
إيران النفطية، واضطراب واسع في الملاحة والطاقة في الخليج ومضيق هرمز.
وتشير أحدث التقارير إلى أن صادرات النفط الإيرانية هبطت إلى الصفر بسبب الحصار الأمريكي، بينما بقيت تدفقات النفط الإقليمية وأسعاره متأثرة بالحرب واضطراب المضيق.
هنا نصل إلى لحظة كاشفة.
بعد كل العقوبات، كل المفاوضات، الاتفاق النووي، وبعد الانسحاب منه، وبعد المواجهات غير المباشرة، وصل الطرفان في النهاية إلى الحرب.
لكن ماذا أصبحت الحرب تريد أن تحل؟
لو كانت المشكلة أجهزة الطرد المركزي وحدها، لكان السؤال: كيف نضع البرنامج النووي تحت الرقابة؟
لكن الحرب الحالية أصبحت تتعلق بأكثر من ذلك بكثير، الصواريخ، قدرة إيران العسكرية، شبكة حلفائها، الملاحة، مضيق هرمز.
النفط، العقوبات، الحصار، ومستقبل ميزان القوة الإقليمي كله.
في أكتوبر 2026 ما زالت المفاوضات بشأن المضيق والحصار والشروط المتبادلة مستمرة، بينما تصر إيران على ربط إعادة فتح مضيق هرمز بتنفيذ شروط تتعلق بالحصار والترتيبات المتفق عليها.
أي أننا عدنا إلى السؤال نفسه: من يضع قواعد النظام الإقليمي؟
مضيق هرمز يكشف الحقيقة الجغرافية، ربما لا توجد قطعة جغرافية تختصر المشكلة مثل مضيق هرمز، إنه ممر صغير تمر عبره نسبة ضخمة من تجارة الطاقة العالمية.
إيران تقع على أحد جانبيه، ودول الخليج على الجانب الآخر، الأسطول الأمريكي موجود لحماية الملاحة والمصالح الأمريكية والدولية.
وعندما اندلعت الحرب، أصبح المضيق نفسه أداة في الصراع، وتضررت تدفقات الطاقة وارتفعت تكاليف النقل والتأمين.
هذه ليست معركة دينية، وليست سنية–شيعية، وليست مجرد معركة نووية.
إنها أيضًا معركة: جغرافيا وطاقة وقوة وسيادة.
هل تريد أمريكا إسقاط النظام؟
هذه النقطة تحتاج إلى الحذر؛ لأن أهداف الإدارات الأمريكية والسياسات المعلنة تغيرت عبر الزمن.
لكن الحرب الحالية رفعت السؤال إلى مستوى جديد.
فتقارير حديثة تصف الحرب بأنها بدأت بأهداف تجاوزت الملف النووي إلى محاولة تغيير النظام الإيراني، بينما لم يتحقق حتى الآن حسم سياسي ينهي الحرب أو يحقق جميع الأهداف الأمريكية المعلنة أو المتداولة.
هنا يصبح التمييز مهمًا بين ثلاثة أهداف مختلفة
تغيير سياسة إيران، تحجيم قوة إيران، وتغيير النظام الإيراني نفسه، ليست هذه شيئًا واحدًا.
لكن كلما اتسعت قائمة الشروط المطلوبة من طهران، اقترب الصراع من السؤال الوجودي:
هل المطلوب تغيير بعض سياسات الجمهورية الإسلامية، أم تغيير الجمهورية الإسلامية بحيث تصبح دولة مختلفة في موقعها الإقليمي؟
ولكن ما هي الحالة الإيرانية التي تؤرق واشنطن وإسرائيل؟
-مرجعية إسلامية ثورية.
-استقلال عن واشنطن وعن الرأسمالية .
-رفض إسرائيل.
-صناعة عسكرية محلية.
-برنامج نووي متقدم.
-شبكة حلفاء مسلحين خارج الحدود.
-ورغبة معلنة في إخراج النفوذ الأمريكي من المنطقة.
هذه التركيبة هي التي تجعل إيران مختلفة.
الصراع على النموذج… ولكن بأي معنى؟
عندما نقول إن هناك صراعًا على «النموذج»، لا ينبغي أن نقصد أن واشنطن تجلس وتسأل:
هل الإسلام صحيح أم الليبرالية صحيحة؟
الدول لا تعمل بهذه البساطة.
المقصود أعمق.
النظام المهيمن لا يخشى فقط أفكار الدولة المنافسة.
إنه يهتم أيضًا بما إذا كانت تستطيع البقاء خارج نظامه.
هل تستطيع دولة أن تُحاصر لعقود ولا تسقط؟
هل تستطيع بناء سلاحها؟
هل تستطيع تطوير التكنولوجيا التي تحتاج إليها؟
هل تستطيع إنشاء علاقات اقتصادية خارج القنوات الغربية؟
هل تستطيع بناء شبكة حلفاء؟
هل تستطيع أن تجعل تكلفة إخضاعها مرتفعة؟
إذا استطاعت، فإن وجودها يقدم برهانًا على شيء يتجاوز أيديولوجيتها:
أن الخروج من النظام ممكن.
هنا تصبح القضية ذات معنى أكبر من إيران.
ولكن الثمن مهم أيضًا
مع ذلك ينبغي ألا ننتقي من التجربة ما يناسبنا.
فإذا كانت إيران تقدم دليلًا على إمكانية قدر من الاستقلال، فإنها تقدم أيضًا دليلًا على الثمن الهائل الذي يمكن أن يدفعه
المجتمع مقابل هذا الطريق، عقوبات، عزلة، حروب، تضخم، ضغط اقتصادي، هجرة كفاءات، عسكرة واسعة، قيود داخلية.
واليوم حرب مباشرة وحصار.
ومن ثم فالسؤال ليس: كيف نصبح إيران؟
بل: كيف نبني استقلالًا يخرجنا مما نحن فيه؟
وهذا سؤال مختلف تمامًا.
لماذا إيران؟ الآن فقط يمكن أن نعود إلى عنوان هذه السلسلة، لماذا إيران؟
لأنها تقع في واحد من أهم المواقع الجغرافية في العالم.
لأنها تطل على الخليج ومضيق هرمز.
لأنها دولة كبيرة غنية بالطاقة.
لأنها خرجت عام 1979 من نظام التحالف الأمريكي ولم تعد إليه.
لأنها بنت قوة عسكرية ذاتية.
لأنها رفضت إسرائيل ودعمت قوى تقاتلها.
لأنها بنت شبكة نفوذ إقليمية.
لأن برنامجها النووي أثار مخاوف حقيقية من تغير ميزان الردع.
ولأن الولايات المتحدة تعتبر الخليج وأمن إسرائيل وثبات أنظمة الحكم في المنطقة والسيطرة على المضايق الملاحية ومنع
الانتشار النووي مصالح أساسية.
إذن لا يوجد سبب واحد.
لكن وراء الأسباب جميعًا يوجد سؤال ينظمها: ما حدود القوة والاستقلال التي يمكن أن تمتلكها دولة إقليمية خارج النظام الذي تقوده الولايات المتحدة؟
من مصدق إلى حرب 2026
هنا نعود إلى الرجل الذي بدأنا به المقال كله:
محمد مصدق.
عام 1953 لم تكن هناك جمهورية إسلامية.
ولا خميني في الحكم.
ولا حزب الله.
ولا حماس.
ولا حوثيون.
ولا «محور مقاومة» .
ولا أزمة تخصيب يورانيوم بالشكل الذي نعرفه اليوم.
كانت هناك دولة تريد إعادة تعريف علاقتها بثروتها وسيادتها، في سياق حرب باردة ومصالح بريطانية وأمريكية ضخمة.
ثم جاء الشاه.
وأصبحت إيران قوية.
ولم تكن قوتها مشكلة لواشنطن؛ بل كانت جزءًا من الحل الأمريكي لأمن الخليج.
ثم جاءت الثورة.
وبقيت إيران قوية، أو حاولت أن تصبح أقوى.
لكنها غيرت اتجاهها.
وهنا أصبحت القوة نفسها تحمل معنى مختلفًا.
ولهذا ربما يكون أهم استنتاج في هذه السلسلة هو:
ليست القضية وجود قوة إقليمية من عدمه، وإنما علاقتها بالنظام الإقليمي الذي تقوده واشنطن أو بمعنى آخر بنظام الهيمنة الأمريكي.
لكن أين المشروع العربي؟
ربما يكون هذا هو السؤال الذي تجنبناه طوال المقال.
تحدثنا عن أمريكا، عن إيران، إسرائيل، روسيا والصين، العراق ولبنان والخليج.
لكن أين نحن؟ أين المشروع العربي الذي يستطيع أن يقول: لسنا تابعين لأمريكا، لإيران، لروسيا.وللصين.
نحن نملك قرارنا، غذاءنا، دواءنا، نملك التكنولوجيا التي تقوم عليها حياتنا، نملك جامعات تنتج المعرفة لا تستهلكها فقط.
نملك صناعاتنا الاستراتيجية، نملك قدرتنا على الدفاع عن أنفسنا، نملك نظامًا سياسيًا يستطيع أن يستمد قوته من مجتمعه لا من حماية الخارج.
هذا هو الاستقلال الحقيقي.
الدرس ليس «كونوا مثل إيران»
ليس هذا ما نقوله .
إيران لها تجربتها الخاصة، أخطاؤها، مظالمها، تدخلاتها، تناقضاتها، ولها مجتمع له الحق في أن يناقش نظامه ويغيره بالطريقة التي يختارها.
الدرس مختلف: لا يمكن أن تكون مستقلًا إذا كانت مقومات وجودك الأساسية في يد غيرك.
إذا كان سلاحك من الخارج، غذاؤك من الخارج، تكنولوجيتك من الخارج، حماية طرق تجارتك من الخارج، معلوماتك من الخارج.
وغطاؤك السياسي من الخارج.
فإن علمك ونشيدك وحدودك لا تكفي لتجعل قرارك مستقلًا.
السؤال الأخير
بدأنا هذه الرحلة من مصدق، ثم مررنا بالشاه، والثورة، وأفغانستان، والسلاح السوفيتي، وإعادة توجيه المجال الإسلامي.
والحرب الأهلية اللبنانية، والجنوب، حزب الله، الحرب العراقية–الإيرانية.
غزو الكويت، وحرب 1991، والحصار، غزو العراق عام 2003، النووي، العقوبات، إسرائيل، ومحور المقاومة.
ثم وصلنا إلى حرب 2026 وعبر كل هذه الأحداث تغيرت الشخصيات، تغيرت المبررات، والحروب.
لكن سؤال القوة بقي، من يملك القوة؟ يحدد استخدامها؟ مقدارها؟
ومن يضع قواعد النظام الذي تعمل داخله؟
لهذا فإن سؤال: لماذا إيران؟
يقود في النهاية إلى سؤال أهم بكثير بالنسبة إلينا:
متى ننتقل نحن من أن نكون ساحة تتصارع عليها مشروعات الآخرين إلى أن نصبح أصحاب مشروع مستقل؟
وعندها فقط لن يكون السؤال:
مع من نقف؟
بل:
ماذا نريد نحن؟
شاركنا برأيك