حسن مدبولي يكتب: لا للتورط فى حروب جديدة
مصر دولة عظيمة الشأن ، وليست ميليشيا مذهبية، وجيشها ليس وقودًا لحروب الوكالة الطائفية،فالانخراط في استقطاب طائفي لا يحمي الأمن القومي المصرى
البحر الأحمر ليس عاديا في طريق التجارة العالمية من ضيق باب المندب إلى قناة السويس
لا ينبغي لمصر أن تنزلق إلى تدخل عسكري جديد في اليمن لمجرد اندلاع مواجهة بين السعودية والحوثيين.
مصر ليست طرفًا في هذا النزاع، واليمن ليس ساحة مفتوحة يُرسل إليها الجنود المصريون كلما اشتعل صراع إقليمي.
أي قرار بإرسال قوات خارج الحدود هو قرار سيادي خطير، يجب أن يستند إلى ضرورة مصرية مباشرة
وواضحة، وتفويض دستوري وقانوني، وتقدير دقيق للكلفة والمخاطر، لا إلى ضغوط أو حسابات الآخرين.
التجربة التاريخية واضحة ولا تحتمل التزييف
الجيش المصري دخل حرب اليمن عام 1962، وتضخم وجوده حتى بلغ عشرات الآلاف في منتصف الستينيات.
واستمرت الحرب سنوات، وخلّفت خسائر بشرية واستنزافًا عسكريًا وماليًا هائلًا، وانتهت دون أن تحقق لمصر ما يبرر الثمن.
الأخطر أن هذا الاستنزاف أضعف جاهزية الجيش قبل حرب 1967، وفق ما خلصت إليه دراسات عسكرية وتاريخية.
وبالتالى فإن تكرار تدخل طويل أو مفتوح النهاية بعد أكثر من ستين عامًا ليس شجاعة، بل مقامرة بأرواح
المصريين وبقدرة الدولة على حماية حدودها الحقيقية.
مصر اليوم لا تملك رفاهية فتح جبهة جديدة
فعلى حدودها الشرقية توجد إسرائيل بكل ما تمثله من خطر وجودى استراتيجي.
في الجنوب ملف إثيوبيا والسودان وأمن النيل.
وفوق ذلك كله ضغوط اقتصادية واجتماعية لا تحتمل استنزافًا إضافيًا للجيش والميزانية.
من يرى فى إرسال القوات ضرورة وطنية، مطالب بإجابة واضحة:
ما الهدف المحدد؟ ما سقف التدخل؟ ما خطة الخروج؟
من يتحمل كلفة الدم والمال إذا تحولت العملية إلى حرب عبثية مفتوحة؟
إن الخليج اختار منذ سنوات ربط أمنه بالقوة الأمريكية، وأقام قواعد عسكرية أمريكية على أراضيه، بل ومارس
ضغوطا مباشرة لاستعادة جزيرتى تيران وصنافير اللتان كانتا تمثلان دعما للأمن القومى المصرى.
فلا يجوز فى اطار ذلك أن تتحول مصر إلى قوة احتياطية تُستدعى عند الحاجة، فيدفع جنودها ثمن خيارات
دول أخرى وتحالفاتها المخزية، كما أن الجيش المصري ليس ورقة ضغط جيوسياسية، ولا أداة لتغطية عجز
الآخرين عن إدارة أزماتهم.
بالاضافة إلى انه تم خليجيا اختزال الصراع في اليمن وتحويله إلى مواجهة طائفية بين «سنة» و«شيعة» وهو
تبسيط خطير لنزاع سياسي وعسكري معقد.
مصر دولة عظيمة الشأن، وليست ميليشيا مذهبية، وجيشها ليس وقودًا لحروب الوكالة الطائفية،فالانخراط
في استقطاب طائفي لا يحمي الأمن القومي المصرى، بل يجر البلاد إلى دائرة فوضى أوسع.
نعم، أمن البحر الأحمر وباب المندب مسألة تمس المصالح المصرية مباشرة.
لكن حماية هذه المصالح لا تتطلب حربًا برية مفتوحة أو احتلالًا أو تدخلًا غير محدد المآل.
يمكن تأمين الملاحة بالرقابة البحرية والتنسيق الإقليمي والدبلوماسية والضغط من أجل حل سياسي يحترم
سيادة الشعب اليمنى، دون أن يصبح الجيش المصري طرفًا في حرب لا تنتهي على أرض بعيدة.
إن الجيش المصري يجب أن يبقى حيث يجب أن يكون:
لحماية مصر أولًا، بقرار وطني مستقل، ووفق الدستور والقانون والمصلحة العامة الواضحة.
أما الصراع فى اليمن الشقيق ، فليتحمل المتصارعون فيه نتائج خياراتهم.
لقد دفع المصريون ثمنًا باهظًا من قبل في جبال اليمن. فليس من الحكمة ولا من المسؤولية أن ندفعه مرة أخرى.
شاركنا برأيك