علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

الخبير الإعلامي المصري

محمد فؤاد يكتب: يا بلاد العرب… من أين يأتي الفجر وكل النوافذ مغلقة؟

 كلما جلست لأكتب عما يجري شعرت أن الكلمات التي كنت أظنها قادرة على مداواة شيء من جراحنا صارت هي الأخرى تمشي حافية فوق ركام البيوت، تبحث عن عبارة لا تخون وجع الذين لا يستطيعون الكلام.

مشاركة:
حجم الخط:

ثمة وجع لا تكفيه الكلمات، وحين يبلغ الإنسان تلك المنطقة القصية من الحزن التي لا يعود فيها قادرًا على تسمية الأشياء بأسمائها، يصبح الوطن نفسه سؤالًا مفتوحًا في صدره، وتصبح الكتابة محاولة يائسة لإمساك شيء يتساقط من بين الأصابع؟

 كلما جلست لأكتب عما يجري شعرت أن الكلمات التي كنت أظنها قادرة على مداواة شيء من جراحنا صارت هي الأخرى تمشي حافية فوق ركام البيوت، تبحث عن عبارة لا تخون وجع الذين لا يستطيعون الكلام.

كيف أكتب عن غزة دون أن أشعر أنني أكرر الحزن نفسه الذي صار يسكن نشرات الأخبار ووجوه الناس وليل المدن؟

كيف أتحدث عن الضفة الغربية وهي تتعرض لمزيد من التوغل والاقتلاع والضغط، بينما الأرض التي عرفناها في طفولتنا باسم فلسطين تبدو كأنها تُنتزع من الذاكرة قبل أن تُنتزع من أصحابها؟

وكيف أضع كل ذلك في مقال، وأنا أعرف أن وراء كل خبر إنسانًا كان له بيت، وطفلًا كان له حلم، وأمًا كانت تنتظر عودة ابنها، وأبًا لم يكن يريد أكثر من أن يعيش يومًا عاديًا مثل بقية البشر؟

لقد صار الحزن العربي واسعًا إلى درجة أن الجغرافيا نفسها تبدو عاجزة عن احتوائه، وكأن الخريطة العربية لم تعد مرسومة بالحدود، وإنما بخطوط من النار والدم والخوف.

غزة… مدينة تتوضأ بالدم ولا تنام

في غزة، حيث تتعانق السماء مع دخان القصف، وحيث صار الليل أكثر قسوة لأن الناس لا يعرفون ماذا يحمل لهم الصباح، يقف الإنسان العربي أمام مشهد يفوق قدرة القلب على الاحتمال.
هناك عائلات تبحث عن سقف يحميها، ونافذة يدخل منها ضوء الصباح، وقطعة خبز لطفل لم يعرف من العالم إلا الخوف.

هناك أمهات يخبئن أسماء أبنائهن في صدورهن كما تخبئ الأرض بذور الربيع، غير أن الربيع يتأخر، والركام يتكاثر، والعالم يراقب.

ما يضاعف الوجع أن المأساة لم تعد تجري في الظلام نحن نراها، تصلنا صورها وأصواتها، نعرف تفاصيلها، نرى وجوه ضحاياها، ثم نعود إلى حياتنا اليومية، وكأننا أصبحنا نملك قدرة غريبة على الفصل بين الإنسان الذي يموت في الشاشة والإنسان الذي يعيش فينا.

لعل أخطر ما يمكن أن يحدث لشعوب العالم ليس أن تعجز عن وقف المأساة، وإنما أن تعتاد عليها، وأن يتحول الطفل الذي كان بالأمس يهز الضمير إلى رقم جديد في إحصاء الغد.

 إن غزة لا تطلب منا أن نحزن عليها فحسب، إنها تضع أمامنا مرآة قاسية وتسألنا:

ماذا بقي في هذه الأمة من قدرتها على أن تغضب للحق، وأن تقول إن للإنسان حرمة، وإن الدم ليس له جنسية، وإن العدالة لا ينبغي أن تكون امتيازًا تمنحه القوة لمن تشاء وتحجبه عمن تشاء؟

في الضفة… تضيق الأرض ولا يضيق الحلم

في الضفة الغربية، حيث ينزف الوطن جرحًا لا يحتاج دائمًا إلى حرب شاملة كي يفتك بأهله، بل يكفي أن يستيقظ الفلسطيني كل صباح على اقتحام يبدد سكينة بيته، أو توغل يزرع الخوف في أزقة قريته، أو مستوطنين يتوحشون في الأرض والإنسان، يعتدون على أصحاب الأرض.

يحرقون ما امتدت إليه أيديهم، ويطاردون المزارعين في حقولهم، ويضيّقون على العائلات في بيوتها، في مشاهد تحدث تحت حماية جيش الاحتلال الإسرائيلي، وفي ظل وجود عسكري يمنح المعتدين مظلة القوة، بينما يُترك الفلسطيني لمواجهة الخوف والتهديد في أرضه التي لم يعرف لنفسه وطنًا سواها.

هناك، لا تُنتزع الأرض من أصحابها بقرار يُكتب على الورق فحسب، بل تُنتزع من تفاصيل الحياة نفسها، من شجرة زيتون أحرقت بعد أن كبرت مع أجيال.
حقل صار الوصول إليه مغامرة محفوفة بالخطر.

طريق كان يقود إلى البيت فأصبح ممرًا للقلق.

أمٍّ ترتجف كلما سمعت ضجيجًا خلف الباب.

وطفل يتعلم أسماء الخوف قبل أن يتعلم أسماء الزهور.

وما أقسى أن يعيش الإنسان في وطنه كأنه غريب ينتظر الإذن بالبقاء، وأن يرى الجدار يرتفع بينه وبين أرضه، وأن يشاهد قريته تضيق يومًا بعد يوم، فيما تتسع شهية الاستيطان ولا تجد من يردعها بما يكفي لوقف هذا النزيف.

في قلب هذا المشهد، تقف فلسطين مثقلة بطول الانتظار، لا ينقصها وضوح الجريمة بقدر ما ينقصها إنصاف يضع حدًا لها.

فقد عرف العالم حكايتها منذ عقود، وشاهد ما تتعرض له أرضها وأهلها، وسمع بيانات الإدانة تتردد في القاعات، ورأى الوعود تتعاقب كما تتعاقب الفصول.

لكن الأرض لا يرويها الكلام، والبيوت لا يحميها الأسف، والإنسان لا يستعيد أمانه ببيان يُتلى ثم يُطوى.

هكذا تظل الضفة جرحًا مفتوحًا في جسد فلسطين، وتظل شجرة الزيتون شاهدةً على قسوة الاقتلاع، فيما يقف صاحب الأرض، بكل ما تبقى له من صبر وكرامة، يحرس ذاكرته من المحو.

كأنما يقول للعالم إن الأرض قد تُحاصر، وإن البيوت قد تُهدد، وإن الليل قد يطول، لكن حق الإنسان في وطنه لا يصبح باطلًا لمجرد أن العالم تأخر في إنصافه.

من اليمن إلى السعودية… حين تصبح المنطقة كلها غرفة واحدة مشتعلة

في اليمن تدور طواحين الحرب فوق بلد أنهكته السنوات، حتى يبدو وكأن الزمن هناك لا يتحرك إلى الأمام، وإنما يدور في دائرة من الخوف والفقر والفقدان.

بينما يدفع الناس العاديون ثمن صراعات أكبر من قدرتهم على فهمها أو التأثير فيها، وكأن المواطن العربي أصبح في كثير من الأحيان ضيفًا في وطنه، لا يملك من أمر الحرب شيئًا، لكنه يملك وحده ثمنها.

على امتداد الإقليم تأتي الهجمات التي أوقعت ضحايا في السعودية لتضيف إلى المشهد طبقة أخرى من النار، وتذكرنا بأن المنطقة التي تشتعل فيها الجبهات لا تستطيع أن تمنع شررها من العبور إلى البيوت والطرقات والمدن، وأن الحرب حين تبدأ البحث عن ضحاياها لا تسألهم عن الخريطة التي ينتمون إليها.

ليبيا… حين ينكسر الوطن في المرآة

في ليبيا، تلك البلاد التي كان يمكن أن تكون واحدة من أكثر صفحات الوطن العربي إشراقًا، فإذا بها تحمل على كتفيها سنوات من الانقسام والصراع والتجاذب.

صار المواطن الليبي ينظر إلى وطنه كما ينظر المرء إلى بيت عزيز تهدمت بعض جدرانه، لكنه لا يزال يحتفظ بمفتاحه القديم ولا يعرف إلى أي باب سيقوده.

ما أكثر ما يوجع في ليبيا أن الخلاف لم يعد مجرد اختلاف سياسي يمكن أن ينتهي على طاولة، وإنما أصبح جرحًا في الذاكرة الوطنية نفسها، وكلما طال الانقسام صار ترميم الثقة أصعب، وكأن الوطن يحتاج قبل إعادة بناء مؤسساته إلى إعادة ترميم قلبه.

إيران… حصارٌ في قلب العاصفة

في الطرف الآخر من المشهد تقف إيران تحت وطأة الحصار والضغوط والصراع مع الولايات المتحدة وحلفائها.

بينما تتشابك الملفات العسكرية والسياسية والأمنية في منطقة لم تعد تعرف أين تنتهي حدود الأزمة وأين يبدأ خطر الانفجار.

بينما تتبادل القوى الكبرى رسائل القوة والنفوذ، وتُرسم الحسابات في الغرف المغلقة، يبقى الإنسان في هذه المنطقة هو الحلقة التي لا يملك أحد أن يسألها عن رأيها، لكنه يطلب منها دائمًا أن تدفع الثمن.

العقوبات لا تعيش في البيانات، والحروب لا تسكن في الخرائط وحدها؛ إنها تصل في النهاية إلى الأسواق والبيوت والقلوب، وإلى جيل كامل يريد أن يعيش بعيدًا عن ظل الطائرات والصواريخ والتهديدات.

العرب والمسلمون… صوتٌ خافت في زمنٍ صاخب

لعل أكثر ما يوجعني، ككاتب عربي ينظر إلى هذا المشهد الطويل، ليس فقط كثرة الجراح، وإنما ذلك الشعور المرير بالعجز الذي أصبح يثقل صدور الشعوب.

نحن نرى، ونغضب، ونتألم، ونتابع، ثم نعود إلى صمتنا اليومي، بينما تتسع مساحة التدخلات الدولية في منطقتنا، وتتحول بلادنا شيئًا فشيئًا إلى ساحات مفتوحة لتصارع القوى الكبرى، وكل قوة تبحث عن نفوذها ومصالحها، بينما يبحث المواطن عن شيء أبسط بكثير:

أن ينام ليلته دون أن يخاف على بيته، وأن يرسل أبناءه إلى المدرسة دون أن يسأل نفسه إن كانوا سيعودون، وأن يعرف أن الغد ليس بالضرورة أسوأ من اليوم.

لست ممن يظنون أن الشعوب تملك مفاتيح السياسة كلها، أو أن الغضب وحده قادر على تغيير موازين القوى، لكنني أؤمن أن للأمم صوتًا، وأن الموقف يبدأ من الكلمة، وأن الصمت الطويل قد يتحول من عجز مؤقت إلى حالة من الاعتياد، وأن أخطر ما يمكن أن نخسره بعد الأرض والإنسان هو قدرتنا على الإحساس.

أيها الوطن العربي… هل ما زال في الليل مكان للفجر؟

ربما لهذا أكتب؛ لا لأنني أملك جوابًا سحريًا لكل هذه المآسي، ولا لأنني أتصور أن مقالًا يستطيع أن يوقف حربًا أو يعيد وطنًا ممزقًا إلى ما كان عليه، وإنما لأنني أخاف من أن يمر بنا هذا الزمن فنخرج منه بلا ذاكرة، بلا غضب، وبلا حلم.

أكتب لأنني لا أريد أن تصبح غزة مجرد فصل في كتاب التاريخ، ولا أن تتحول الضفة إلى خبر قديم، ولا أن يكون اليمن وليبيا وتونس والسعودية وإيران مجرد أسماء في أرشيف الأزمات.

فأنا ما زلت أؤمن أن وراء كل هذه العتمة إنسانًا عربيًا يريد أن يعيش، وأن وراء كل بيت مهدّم أمًّا كانت تحلم بحياة بسيطة.

أن وراء كل علم مرفوع وطنًا يستحق أن يكون وطنًا لا ساحة صراع، وأن هذه الأمة، مهما أثقلتها الهزائم والانقسامات والخيبات، لم تفقد تمامًا قدرتها على النهوض.

يا بلاد العرب، يا أوطاننا المتعبة من المحيط إلى الخليج، لا نريد منك معجزة؛ نريد فقط أن تعودي وطنًا، وأن يعود الإنسان فيك أغلى من الأرض المتنازع عليها، وأعلى من الحسابات السياسية، وأبقى من صفقات القوة والنفوذ.

نريد أن نستعيد معنى أن تكون لنا أرض نحتمي بها لا أرض نحتمي منها، وسماء ننظر إليها بحثًا عن المطر لا بحثًا عن الطائرات، وليل ننام فيه مطمئنين لأن الفجر، مهما تأخر، لا يزال يعرف الطريق إلينا.

فهل من فجرٍ يا بلاد العرب؟ ..أم أننا سنظل نكتب مراثينا طويلًا، ونحن ما زلنا أحياء؟

شارك المقال:

شاركنا برأيك