علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

د. فاروق شرف يكتب:مصر حين يصنع الإنسان أثرا لا يموت (3) ثروت عكاشة

إذا كان سليم حسن قد جعل مصر تكتب تاريخها الأثري بأيدي أبنائها... وإذا كان حسن فتحي قد حاول أن يجعل العمارة المصرية تستعيد صلتها بالبيئة والإنسان... فإن ثروت عكاشة حاول أن يبني الإطار الثقافي الذي يستطيع أن يجمع هذه الكنوز كلها.

مشاركة:
حجم الخط:

شخصيات صنعت العلم، وشيدت العمارة، وحفظت التاريخ، وصانت التراث، وأثرت في الثقافة المصرية والعالمية
هناك رجال يتولون منصبًا…
وهناك رجال يتركون بعد المنصب مؤسسةً وفكرةً وأجيالًا.
وثروت عكاشة كان من النوع الثاني.

الرجل الذي بنى الثقافة المصرية
الرجل الذي بنى الثقافة المصرية

فحين نتحدث عنه لا يكفي أن نقول:
وزير ثقافة مصري.
فهذا اللقب، على أهميته، أصغر كثيرًا من الرجل.
نحن أمام ضابط في الجيش، ودبلوماسي، وسفير، وباحث، ومؤرخ للفن، ومترجم، وكاتب، ووزير، ونائب رئيس وزراء…
لكن الأهم من كل هذه الألقاب:
أنه كان صاحب رؤية.
رؤية تقول إن الثقافة ليست ترفًا للنخبة، ولا نشاطًا جانبيًا للدولة، وإنما جزء من بناء الإنسان وبناء الوطن.

ومن هنا تبدأ الحكاية…

من الكلية الحربية… إلى عالم الثقافة
وُلد ثروت محمود فهمي عكاشة في القاهرة عام 1921، وتخرج في الكلية الحربية عام 1939.
ثم واصل دراسته العسكرية في كلية أركان الحرب، وشارك في حرب فلسطين عام 1948.

 لكن الرجل الذي بدأ حياته العسكرية لم يكتفِ بالسيف والانضباط العسكري.
كان يحمل معه شغفًا آخر…
شغف المعرفة.
فحصل على دبلوم الصحافة من كلية الآداب بجامعة فؤاد الأول عام 1951، ثم حصل على الدكتوراه في الآداب من جامعة السوربون في باريس عام 1960.

وهنا تظهر أولى المفارقات الجميلة في شخصيته:
كيف ينتقل ضابط في الجيش إلى أن يصبح واحدًا من أهم صانعي الثقافة في مصر؟
الإجابة ربما تكمن في شخصية عكاشة نفسها.

– فهو لم يرَ تعارضًا بين القوة والمعرفة…
– ولا بين العسكرية والثقافة…
– ولا بين خدمة الوطن بالبندقية وخدمته بالكتاب والفن.

الرجل الذي بنى الثقافة المصرية
الرجل الذي بنى الثقافة المصرية

الضابط الذي خرج إلى العالم

بعد ثورة يوليو 1952 تولى عكاشة رئاسة تحرير مجلة التحرير لفترة، ثم عمل ملحقًا عسكريًا لمصر في أوروبا بين 1953 و1956، قبل أن يصبح سفيرًا لمصر في روما عام 1957.
وهذه السنوات الأوروبية كانت شديدة الأهمية في تكوينه.
فهو لم يكن مجرد دبلوماسي يؤدي وظيفة رسمية.
كان يقترب من المتاحف… ومن الموسيقى…
ومن المسرح… ومن العمارة… ومن تاريخ الفن…
ومن الثقافة الأوروبية في أصولها ومؤسساتها.

وكان يتعلم.
ثم يعود إلى مصر وهو يحمل سؤالًا:
لماذا لا تكون لمصر مؤسسات ثقافية حديثة تضاهي ما رآه في أوروبا، ولكن بروح مصرية؟
وسرعان ما جاءت الفرصة.

1958… اللحظة التي تغير فيها المشهد الثقافي المصري

في عام 1958 تولى ثروت عكاشة وزارة الثقافة والإرشاد القومي.

وهنا تبدأ المرحلة التي جعلت اسمه مرتبطًا بتاريخ الثقافة المصرية الحديثة.
لقد تولى الوزارة لأول مرة من 1958 إلى 1962، ثم عاد إليها في الستينيات، وشغل منصب نائب رئيس الوزراء ووزير الثقافة في الفترة الثانية.
كما تولى رئاسة المجلس الأعلى للفنون والآداب، وأصبح عضوًا في المجلس التنفيذي لليونسكو بين 1962 و1970 وفق السجلات المنشورة عنه.
لكن ماذا فعل عندما أصبح وزيرًا؟
لم يبدأ ببناء مبنى…
بدأ ببناء فكرة.
أول ما فعله: سأل المثقفين أنفسهم
من السمات اللافتة في تجربته أنه لم يتعامل مع الثقافة باعتبارها أوامر تصدر من مكتب الوزير.
فقد دعا المثقفين والفنانين والأدباء والعاملين في المجال الثقافي إلى الحوار، وعُقد في مارس 1959 مؤتمر عام للحوار الثقافي بدار الأوبرا، تفرعت عنه لجان متخصصة لدراسة احتياجات الحياة الثقافية.

وفي فترته الثانية، عندما عاد إلى الوزارة في الستينيات، عقد مؤتمرات أخرى للحوار مع السينمائيين والمسرحيين والأدباء والفنانين التشكيليين، بهدف تشخيص مشكلات المؤسسات الثقافية ورسم خطط إصلاحها.

وتوثق شهادة منشورة لواحد من العاملين معه، وهو الدكتور لويس عوض، هذه المؤتمرات ودورها في إعادة تنظيم قطاعات النشر والسينما وغيرها.

وهنا تظهر واحدة من أهم صفاته:
كان يريد أن يسمع قبل أن يقرر.
الثقافة التي خرجت من القاهرة
ربما كان هذا من أكثر إنجازاته تأثيرًا في المجتمع المصري.
فقد أدرك أن الثقافة إذا بقيت في القاهرة فلن تصل إلى مصر كلها.
فكان السؤال:
ماذا عن القرية؟
ماذا عن الصعيد؟
ماذا عن الريف؟
ماذا عن المواطن الذي لا يستطيع الذهاب إلى دار الأوبرا أو المتحف أو المسرح؟

ومن هنا جاء مشروع الثقافة الجماهيرية، الذي تطور لاحقًا إلى الهيئة العامة لقصور الثقافة.
أن تجربة الثقافة الجماهيرية أسست مئات بيوت وقصور الثقافة في أنحاء مصر، وأسهمت في نشر المعرفة والفنون خارج العاصمة.

وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة خلال الافتتاح الرسمي للدورة الأولى لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، الذي انطلقت فعالياته في 22 يناير 1969.
وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة خلال الافتتاح الرسمي للدورة الأولى لمعرض القاهرة الدولي للكتاب، 22 يناير 1969.

وهنا لم تعد الثقافة:
القاهرة فقط.
بل بدأت تصبح:
القاهرة + الإسكندرية + المحافظات + القرى + النجوع.
وهذه ربما كانت واحدة من أكثر أفكار ثروت عكاشة ديمقراطيةً في المجال الثقافي.
– القصر الذي ذهب إلى الناس
لم ينتظر ثروت عكاشة أن يأتي الناس إلى الثقافة.
بل حاول أن تصل الثقافة إليهم.
ظهرت القوافل الثقافية، والعروض الفنية المتنقلة، والأنشطة التي وصلت إلى المناطق البعيدة.
وكانت الفكرة في جوهرها:
إذا لم يستطع المواطن أن يصل إلى المسرح… فليذهب المسرح إليه.
وهذه الفكرة تبدو اليوم طبيعية.
لكنها في ذلك الوقت كانت تحولًا كبيرًا في مفهوم الخدمة الثقافية.
ثم بدأ يبني «الآلة الثقافية»

وهنا تكمن أهمية ثروت عكاشة الحقيقية.
لم يكتفِ بتمويل نشاط ثقافي هنا أو معرض هناك.
بل ساهم خلال فترات مسؤوليته في بناء منظومة من المؤسسات والهيئات التي أصبحت جزءًا أساسيًا من المشهد الثقافي المصري.
ومنها:
+ أكاديمية الفنون…..
+ الثقافة الجماهيرية…..
+ المؤسسات والهيئات الخاصة بالكتاب والنشر
+ فرق المسرح…
+ فرق الموسيقى…..
+ السيرك القومي….
+ الاهتمام بالفنون الشعبية….
+ المتاحف….
+ مشروعات الأوبرا….
+ مشروعات الترجمة والنشر….
وتنسب إليه المصادر الرسمية الثقافية دورًا محوريًا في تأسيس أكاديمية الفنون والثقافة الجماهيرية والهيئة المصرية العامة للكتاب، مع ضرورة أن نفهم أن إنشاء هذه المؤسسات كان في الواقع نتاج عمل دولة ومجموعة كبيرة من المثقفين والإداريين، وليس عمل شخص واحد فقط.
وهذه الدقة مهمة.
نحن لا نصنع أسطورة…
نحن نوثق أثر رجل داخل منظومة كاملة.
أكاديمية الفنون… مشروع لم يكن عابرًا
كان عكاشة مؤمنًا بأن الفن لا يمكن أن يزدهر دون تعليم متخصص.
فالفنان لا يحتاج فقط إلى الموهبة.
يحتاج إلى:
علم + تدريب + تاريخ + نقد + ممارسة.
ولهذا ارتبط اسمه بتأسيس أكاديمية الفنون، التي ضمت لاحقًا معاهد متخصصة في المسرح والسينما والموسيقى والباليه والفنون الشعبية وغيرها.
أن إنشاء الأكاديمية كان جزءًا من البنية الثقافية والفنية التي ترسخت في تلك المرحلة.
وهكذا أصبح لدينا:
مؤسسة تُعلّم الفن بدلًا من أن تنتظر الموهبة وحدها.
دار الكتب… الثقافة تحتاج إلى ذاكرة
وكان ثروت عكاشة يدرك أن الثقافة ليست مسرحًا وموسيقى فقط.
هناك شيء آخر:
الكتاب.
والكتاب يحتاج إلى مكان يحفظه.
ومن هنا ارتبط اسمه بمشروعات تطوير المؤسسات الثقافية والكتاب والنشر، ومنها مشروع المبنى الجديد لدار الكتب، الذي جاء استجابة لمشكلة ضيق مبنى باب الخلق عن استيعاب المجموعات والخدمات المتزايدة، بحسب ما يرويه عكاشة في مذكراته.

وهنا نكتشف أن الرجل كان يفكر في الثقافة باعتبارها منظومة ذاكرة:
الأثر… الكتاب… المتحف… المسرح…الموسيقى…
كلها أجزاء من ذاكرة واحدة.
ثم جاءت اللحظة التي ستضع اسمه في التاريخ العالمي…

النوبة وأبو سمبل

كان السد العالي مشروعًا ضخمًا بالنسبة لمصر.
لكن خلف مياه البحيرة المرتقبة كانت هناك مأساة أخرى:
عشرات المواقع الأثرية كانت مهددة بالغرق.
وكان أبو سمبل من أشهرها.
في عام 1959 طلبت مصر والسودان مساعدة اليونسكو لحماية آثار النوبة، وفي عام 1960 أطلقت اليونسكو الحملة الدولية لإنقاذ آثار النوبة.

وتؤكد اليونسكو أن الحملة أدت إلى تسجيل وحفر مئات المواقع، وإنقاذ آلاف القطع، ونقل عدد من المعابد إلى مواقع أعلى، ومن أشهرها أبو سمبل وفيلة.

وهنا يجب أن نكون دقيقين للغاية.
لم ينقذ ثروت عكاشة أبو سمبل وحده.
لم يكن ذلك ممكنًا أصلًا.
كانت عملية دولية ضخمة شارك فيها:
مهندسون + أثريون + معماريون + مرممون + فنيون + دول + اليونسكو + الحكومة المصرية.
لكن دور عكاشة كان مهمًا في تحريك الجانب الثقافي والسياسي والدولي للمشروع.

وتذكر مصادر ثقافية مصرية أن عكاشة بادر في نوفمبر 1958 إلى التواصل مع اليونسكو بشأن إنقاذ أبو سمبل، بينما توثق اليونسكو نفسها أن الحملة الدولية الرسمية انطلقت عام 1960 بعد طلب مصر والسودان للمساعدة.
وهذه نقطة تجعل القصة أكثر إثارة، لا أقل.

كيف تحولت كارثة محتملة إلى تعاون عالمي؟
كانت المشكلة واضحة:
إذا ارتفع منسوب المياه…
فقد يختفي أبو سمبل تحت بحيرة ناصر.
وكان لابد من حل غير عادي.
طرحت عدة أفكار.
ثم استقر الاختيار على تفكيك المعبدين ونقلهما وإعادة تركيبهما في موقع أعلى.

 أن المشروع شمل تقطيع المعبد إلى آلاف الكتل وإعادة تجميعه في موقع جديد، بينما توثق اليونسكو العملية باعتبارها جزءًا من الحملة الدولية التي أنقذت أبو سمبل وفيلة ومواقع أخرى.

 عملية النقل التاريخية لمعابد أبو سمبل في مصر، والتي جرت في الفترة ما بين عامي 1964 و1968.
عملية النقل التاريخية لمعابد أبو سمبل في مصر، والتي جرت في الفترة ما بين عامي 1964 و1968.

والنتيجة؟
معبد رمسيس الثاني لم يختفِ تحت المياه.
بل بقي واقفًا…
ليشاهده العالم حتى اليوم.

وهنا حدث شيء أكبر من إنقاذ معبد
إنقاذ النوبة لم يكن مجرد نجاح هندسي.
لقد غيّر نظرة العالم إلى التراث.
فاليونسكو تصف حملة النوبة بأنها عملية إنقاذ غير مسبوقة، شاركت فيها نحو خمسين دولة، وأسهمت في ترسيخ فكرة أن التراث الثقافي ثروة مشتركة للإنسانية. كما ارتبطت هذه التجربة تاريخيًا بالتطور الذي قاد لاحقًا إلى اتفاقية التراث العالمي لعام 1972.

وهكذا فإن ثروت عكاشة لم يكن يعمل من أجل مصر فقط.
كان يتحرك في مشروع أصبح له أثر عالمي.
أبو سمبل… لكن ماذا عن فيلة؟
لم تنتهِ القصة عند أبو سمبل.
فيلة أيضًا كانت مهددة.
وتؤكد اليونسكو أن معابد فيلة كانت من المواقع التي نُقلت خلال الحملة الدولية، وأن الحملة امتدت من 1960 إلى 1980.
وارتبط اسم عكاشة أيضًا بالجهود المصرية والدولية في إنقاذ آثار النوبة.

وقد حصل على الميدالية الفضية لليونسكو عام 1968 تقديرًا لجهوده المرتبطة بإنقاذ أبو سمبل وآثار النوبة، ثم الميدالية الذهبية عام 1970 تقديرًا لجهوده في إنقاذ فيلة وآثار النوبة وفق السيرة المنشورة عنه.

الرجل الذي أراد أن يرى العالم بعين الفن

إذا انتهت قصة ثروت عكاشة عند وزارة الثقافة، فنحن لم نعرف الرجل بعد.
لأنه كان قبل كل شيء:
قارئًا للفن.
وكان يؤمن بأن معرفة الحضارة لا تكتمل بالآثار وحدها.
يجب أن نفهم:
العمارة… والنحت… والتصوير… والموسيقى…
والمسرح… والأدب… والفكر…
ولهذا جاءت مؤلفاته وترجماته غزيرة بصورة استثنائية.
ومن أشهر كتبه:
– القيم الجمالية في العمارة الإسلامية
– الفن الإغريقي
– الفن الروماني
– الفن الهندي
– معجم المصطلحات الثقافية.
إضافة إلى أعماله الكبرى في تاريخ الفن. وتوثق المصادر الثقافية المصرية عددًا من هذه الأعمال والمؤلفات.
«العين تسمع والأذن ترى»
وربما يكون هذا العنوان وحده كافيًا ليكشف شيئًا عن عقل الرجل.
«العين تسمع… والأذن ترى»
ليست مجرد عبارة شاعرية.
إنها فلسفة.
فالفنون عنده ليست جزرًا منفصلة.
الموسيقى يمكن أن تفتح بابًا لفهم الرسم.
والعمارة يمكن أن تكشف روح العصر.
والتصوير يمكن أن يشرح المجتمع.
والنحت يمكن أن يروي التاريخ.
والأدب يمكن أن يكشف الإنسان.
ولهذا جاءت سلسلة «العين تسمع والأذن ترى» بوصفها مشروعًا موسوعيًا واسعًا في تاريخ الفنون.
وتصف المصادر هذه السلسلة بأنها من أبرز مشروعاته الفكرية والفنية، وأنها استغرقت سنوات طويلة من البحث والتأليف.
لم يكن مؤلفًا فقط… كان مترجمًا أيضًا.

وهنا جانب لا يجب أن ننساه

ثروت عكاشة لم يكن يريد أن تبقى الثقافة العالمية خلف حاجز اللغة.
فترجم أعمالًا أدبية وفكرية وفنية عديدة إلى العربية، وتذكر مصادر سيرته أن ترجماته تجاوزت عشرات الكتب.
وهكذا كان يعمل في اتجاهين:
يأخذ الثقافة العالمية إلى القارئ العربي…
ويقدم الثقافة المصرية والعربية في سياق عالمي.
وهذا يفسر جانبًا من اتساع تأثيره.

 ثروت عكاشة واليونسكو.

لم تكن علاقته باليونسكو مجرد علاقة عابرة بسبب أبو سمبل.
فالسيرة المنشورة عنه تشير إلى عضويته في المجلس التنفيذي لليونسكو بين 1962 و1970.
فقد أصبح الرجل الذي يدافع عن الثقافة المصرية داخل مؤسسة دولية معنية بالثقافة والتعليم والعلم.
وهكذا انتقلت رؤيته:
من الوزارة… إلى العالم.
هل كان ثروت عكاشة رجل سلطة أم رجل ثقافة؟
ربما كان هذا السؤال أكثر الأسئلة إثارة حول شخصيته.
فهو كان جزءًا من الدولة المصرية في عهد شديد الحساسية سياسيًا.
كان من الضباط الأحرار، وعمل سفيرًا ووزيرًا ونائبًا لرئيس الوزراء.
لكن في الوقت نفسه كان يكتب عن الفن والجمال والحضارة، ويترجم، ويقرأ، ويبني المؤسسات الثقافية.
والأدق أن نقول:
كان رجل دولة يحمل مشروعًا ثقافيًا.
وهذا يفسر قوته…
وربما يفسر أيضًا بعض التناقضات التي يمكن أن يراها الباحث في تجربته.
هل كانت كل مشروعاته ناجحة؟
لا.
– يجب ألا نحول الشخصية إلى تمثال لا يُناقش.
كانت هناك مشكلات مالية وإدارية وبيروقراطية، وكانت المؤسسات الثقافية تواجه تحديات ضخمة.
وتكشف شهادة لويس عوض عن وزارة الثقافة في عهد عكاشة عن صعوبات مالية كبيرة واجهت المؤسسات، خاصة بعد 1967، وعن جهد عكاشة في إعادة تنظيم قطاعات النشر والسينما وغيرها.
وهذا جانب مهم جدًا:
قيمة الرجل لا تعني أن كل مشروع نفذه كان كاملًا.
بل أحيانًا تكون قيمة الإنسان في قدرته على بناء مؤسسة رغم الظروف الصعبة.
وما الذي بقي بعده؟
هنا يصبح السؤال مختلفًا.
لو رحل وزير ثقافة عادي…
قد يبقى بعض القرارات.
لكن ماذا بقي من ثروت عكاشة؟
بقيت:
قصور الثقافة وبيوتها.
بقيت:
أكاديمية الفنون.
بقيت:
مؤسسات الكتاب والنشر.
بقي:
جزء كبير من البنية التي تشكلت بها الحياة الثقافية المصرية الحديثة.
وبقيت:
كتب وموسوعات وترجمات.
وبقيت:
تجربة إنقاذ النوبة.
وبقي:
أثره في علاقة مصر بالمؤسسات الثقافية الدولية.
والأهم…
بقيت فكرة:
أن الثقافة مشروع قومي وليس نشاطًا هامشيًا.

الجوائز والتكريمات
لم تمر هذه المسيرة دون تقدير.
حصل ثروت عكاشة على:
– وسام الفنون والآداب الفرنسي عام 1965.
– وسام جوقة الشرف الفرنسي عام 1968.
– الميدالية الفضية لليونسكو عام 1968.
– الميدالية الذهبية لليونسكو عام 1970.
– جائزة الدولة التقديرية في الفنون عام 1987.
– دكتوراه فخرية في العلوم الإنسانية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة عام 1995.
– جائزة مبارك للفنون عام 2002.
– جائزة سلطان بن علي العويس للإنجاز الثقافي والعلمي عام 2005.
وليس الهدف من ذكر هذه الجوائز أن نقول إن الرجل عظيم لأن الآخرين كرموه.
بل العكس:
الجوائز أصبحت وثائق إضافية على أن أثره تجاوز حدود مصر.
لكن أجمل ما في حكايته…
أن الرجل الذي بدأ حياته في الكلية الحربية…
وانتقل إلى الدبلوماسية…
ثم إلى وزارة الثقافة…
انتهى به الأمر مؤرخًا للفن وكاتبًا ومترجمًا وموسوعيًا.
وكأن حياته كلها كانت تقول:
لا يوجد طريق واحد لخدمة الوطن.
يمكن أن تخدمه في الجيش… في الدبلوماسية…
وفي السياسة… وفي الجامعة… وفي الكتاب…
وفي المتحف… وفي المسرح…
وفي إنقاذ معبد عمره آلاف السنين.

27 فبراير 2012…
في هذا اليوم رحل ثروت عكاشة عن عمر ناهز 91 عامًا.
لكن رحيله لم يغلق ملفه.
فكلما دخل طفل قصر ثقافة في قرية…
وكلما درس طالب في أحد معاهد أكاديمية الفنون…
وكلما فتح باحث كتابًا من كتبه…
وكلما وقف إنسان أمام أبو سمبل دون أن يعرف أن المعبد كان مهددًا بالغرق…
يمكن أن نتذكر أن وراء جزء من هذه القصة رجلًا اسمه:
ثروت عكاشة.
ماذا ترك ثروت عكاشة لمصر؟
ترك لنا درسًا بالغ الأهمية:
أن بناء الثقافة لا يقل أهمية عن بناء الحجر.
فالحجر يمكن أن يبقى مئات أو آلاف السنين…
لكن من يحفظ معناه في ذاكرة الإنسان؟
الثقافة.
والمتحف يحتاج إلى عالم…
والكتاب يحتاج إلى قارئ…
والمسرح يحتاج إلى جمهور…
والأثر يحتاج إلى من يدافع عنه…
والوطن يحتاج إلى إنسان يعرف قيمة كل ذلك.

وهنا كانت عبقرية ثروت عكاشة:
لم يرَ الثقافة مجموعة فنون منفصلة…
بل رآها منظومة تبني الإنسان.

وفي النهاية…

إذا كان سليم حسن قد جعل مصر تكتب تاريخها الأثري بأيدي أبنائها…
وإذا كان حسن فتحي قد حاول أن يجعل العمارة المصرية تستعيد صلتها بالبيئة والإنسان…
فإن ثروت عكاشة حاول أن يبني الإطار الثقافي الذي يستطيع أن يجمع هذه الكنوز كلها.

وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة برفقة الرئيس جمال عبد الناصر.
وزير الثقافة المصري ثروت عكاشة برفقة الرئيس جمال عبد الناصر.

شارك المقال:

شاركنا برأيك