د. محمد فؤاد يكتب: أنا ومارك والنجوم وهواك
ليعلم مارك وحواريوه، ومن لف لفيفهم من حراس الظلام الرقمي، أننا باقون على العهد والمبدأ. لن تُسكتنا شاشاتهم، ولن ترهبنا "العقوبات" الافتراضية التي يفرضونها على حساباتنا
مارك يحاصر الكتابة عن مجازر الاحتلال في فلسطين
يقال إن لكل مخرج بطلاً، ولكل نجم معجباً، أما أنا، فيبدو أنني حظيتُ بعلاقة فريدة من نوعها مع “مارك زوكربيرج” شخصياً!
علاقة تتجاوز حدود إدمان السوشيال ميديا وتصل إلى مستوى “الغيرة الفنية”
فالرجل، وبكل تواضع، لا ينام الليل إلا وهو يفكر في كتاباتي، لدرجة أنه قرر أن يفرض عليّ إقامة جبرية رقمية، ويضع حسابي تحت «شادو بان» (Shadow Ban) فاخر.
وكأنني أُدير من صفحتي ترسانة صواريخ عابرة للقارات، لا مجرد كلمات تفيض وجعاً وحقاً ونبضاً من أجل غزة وفلسطين.
اكتشفت أن هناك من يراقب كلماتي باهتمام يفوق اهتمام زوجتي و القرّاء أنفسهم.
كنت أظن أن الكاتب الحقيقي هو ذلك الشخص الذي يجلس أمام ورقة أو شاشة، يحاول أن يقول شيئاً عن العالم من حوله، فإذا بي أكتشف أنني لست مجرد كاتب.
أصبحت مشروع أزمة داخل إمبراطورية رقمية تمتد من كاليفورنيا إلى آخر هاتف محمول على وجه الأرض.
نعم يا سادة، الأخ مارك – الذي يبدو أنه رضع ولاءه للصهيونية من أقذر مجاري الانحياز الإعلامي – أصابه الرعب من بضع أسطر أكتبها عن أطفال غزة ونسائها، فقرر أن يمارس معي هوايته المفضلة:
“حجب النور وإطفاء الشموع”يحسب أن خوارزمياته «المضروبة» قادرة على تكميم حرف أو إسكات نبض! وكأن الحقيقة ترتعد خيفة من زر “إخفاء المنشور” أو تقليل “الوصول” (Reach).
أنا ومارك وانجوم وهواك
أنا: مجرد كاتبٌ يكتب بحبر القلب والوجدان، لا يملك سوى فكرته ومبدأه.
النجوم: التي تبدو في سماء الفيسبوك فضية ومزيفة، تتراقص على طبلة “التريندات” الفارغلة والخورازميات الموجهة.
هواك: وهنا بيت القصيد.. هواك يا فلسطين، يا من تستوطنين الحشا والروح، يا بوصلة الأحرار التي لا تضلّ ولا تخيب، مهما تقاطعت خوارزميات مارك وتآمرت.
أما مارك: فهو ذلك الحارس العجوز على أبواب معبد “المتعة الافتراضية” يظن أنه بإغلاق صنبور المشاهدات، سيجف نبع القضية في صدورنا.
مسكين مارك! يظن أن حجم التفاعل يُقاس بأرقام “الإحصائيات” التي يصنعها مهندسوه في سيليكون فالي، وهو جاهل تماماً بأن الكلمة الصادقة كالنخلة المتاصلة، أصلها ثابت وفرعها في السماء، لا تهزها عواصف خوارزمياته ولا ريح حماقاته.
مارك.. لا يعرفني شخصيا لكنه يعرف زر الإخفاء فجأة أصبحت منشوراتي تشبه ذلك الرجل الذي يقف أمام باب حفلة ضخمة يحمل دعوة رسمية، لكن الحارس ينظر إليه ويقول بكل هدوء: “آسف… اسمك ليس في القائمة.”
كنت أظنه مشغولاً عني ببناء إمبراطورية التكنولوجيا، وتطوير الذكاء الاصطناعي، وإدارة مليارات الحسابات حول العالم.
بعد تجربة “الوصول المختفي” بدأت أشعر أن هناك ملفاً خاصاً بي في أحد أقبية ميتا
هكذا تتحول بضعة أسطر كتبها إنسان إلى معركة غير متكافئة بين أصابع كاتب غلبان وخوادم عملاقة لا تنام.
المفارقة العجيبة أن المنصات الرقمية أعطتنا في البداية حلماً جميلاً: الجميع يستطيع أن يتحدث، والجميع يستطيع أن يصل إلى العالم .. لكننا اكتشفنا لاحقاً أن الباب مفتوح فعلاً… بشرط أن تعجب الخوارزمية بما تقوله.
الخوارزمية لا تصرخ في وجهك، ولا تمنعك مباشرة، ولا تضع لافتة تقول:
“ممنوع الدخول”.. تتركك تكتب.. تتركك تنشر.. ثم تأخذ كلامك بهدوء وتضعه في زاوية بعيدة من الإنترنت، مثل كتاب ثمين وُضع في مكتبة مهجورة لا يزورها أحد.
خوارزميات راضعة من نفس المجاري!
من المفرح المبكي حقاً، أن ترى إمبراطورية تقنية ضخمة، تُنفق عليها مليارات الدولارات وتستخدم أحدث تقنيات الذكاء الاصطناعي، تتقزم وتصاب بالذعر لمجرد أن كاتباً عربياً يكتب عن طفل دمره القصف، أو أم عانقت رفات حبيبها في غزة.
لقد تحولت “الخوارزميات” العظيمة تحت إشراف “مارك وحوارييه” إلى لجان تتفاني في خدمة تزييف الوعي، ترضع من نفس مجاري النفاق الدولي المعهود.
يمنعون عنا الجمهور؟ يا لها من نكتة سمجة!
أيبكي من يمتلك الحقيقة على جمهورٍ مزيف تفرضه خوارزمية؟
إن الجمهور الحقيقي ليسوا أولئك الذين يمرون عرضاً على شاشات هواتفهم بـ “سواقة إبهام” آلية، بل هم الأحرار الذين يحملون القضية في أرواحهم.
وإن حجبوا عنا ملايين “اللايكات” المزيّفة، فإننا نكسب في المقابل طهارة الموقف ونقاء الضمير.
باقون على المبدأ.. ورغم أنف مارك!
ليعلم مارك وحواريوه، ومن لف لفيفهم من حراس الظلام الرقمي، أننا باقون على العهد والمبدأ. لن تُسكتنا شاشاتهم، ولن ترهبنا “العقوبات” الافتراضية التي يفرضونها على حساباتنا.
فليغلقوا ما شاء لهم أن يغلقوا، وليحجبوا ما شاء لهم أن يحجبوا، فالحكاية أعمق من صفحة، والجرح أطول عمرًا من خوارزمياتهم كلها.
فيا مارك، ضع “شادو بان” كما تشاء، واختبئ خلف شاشاتك الذكية، واجمع أرباحك الملطخة بالتواطؤ.
أما نحن، فسنبقى نكتب.. نكتب لغزة، لفلسطين، للكرامة التي تُداس، وللحقيقة التي ستنتصر يوماً.. رغم أنف الخوارزميات ومن كتبها!
شاركنا برأيك