تقارير

وقف إطلاق النار في غزة.. كم خطوة تفصل الاتفاق عن الانهيار؟

يواجه وقف إطلاق النار في غزة خمسة اختبارات رئيسية: الخروقات الميدانية، نزع سلاح حماس، الانسحاب الإسرائيلي، آلية تنفيذ الاتفاق، واستمرار الأزمة الإنسانية.

مشاركة:
حجم الخط:

لم يعد وقف إطلاق النار في قطاع غزة مجرد اتفاق لوقف القتال، بل أصبح اختبارًا يوميًا لقدرة الأطراف والوسطاء على منع عودة الحرب. فبعد أشهر من سريان الهدنة، ما زالت الضربات الإسرائيلية تسقط قتلى فلسطينيين، بينما تتعثر المفاوضات بشأن المرحلة التالية، خصوصًا حول نزع سلاح حماس والانسحاب الإسرائيلي وترتيبات إدارة القطاع.

وفي أحدث التطورات، قتل أربعة فلسطينيين، بينهم طفلان، في ضربات وإطلاق نار إسرائيلي في 24 أغسطس، بحسب مسعفين فلسطينيين نقلت عنهم رويترز. وتقول إسرائيل إن عملياتها تستهدف تهديدات مرتبطة بحماس، بينما تتهمها الحركة بانتهاك وقف إطلاق النار.

هكذا تبدو الهدنة قائمة رسميًا، لكنها تواجه سلسلة من الاختبارات التي قد تدفعها نحو الانهيار.

الخروقات الميدانية.. الخطر الأسرع

تظل العمليات العسكرية المتكررة نقطة التوتر الأخطر.

ففي 18 و19 أغسطس، أدت ضربات إسرائيلية في غزة إلى مقتل ما لا يقل عن 17 فلسطينيًا، وفق أسوشيتد برس، في وقت كانت فيه واشنطن تضغط على إسرائيل لخفض العمليات العسكرية ودفع خطة السلام إلى الأمام.

وبعد أيام، استمرت الضربات، ما دفع مصر وقطر وتركيا إلى إدانة التصعيد والتحذير من تأثيره على جهود إنهاء الحرب.

المشكلة هنا أن كل حادث ميداني يمكن أن يخلق سلسلة جديدة:

ضربة → رد → تصعيد → سقوط ضحايا → اتهامات متبادلة → تعثر المفاوضات.

وهذه السلسلة هي أقصر طريق إلى انهيار الهدنة.

مبادرة أمريكية لنزع سلاح حماس ضمن خطة غزة

العقدة الأكبر: نزع سلاح حماس

لكن الخلاف الحقيقي يتجاوز العمليات اليومية.

فالخطة الأمريكية للمرحلة المقبلة تقوم على نزع سلاح حماس والفصائل المسلحة، ثم تنفيذ انسحاب إسرائيلي تدريجي وترتيبات أمنية وإدارية جديدة في غزة.

وتتمسك إسرائيل، وفق رويترز، بعدم الانسحاب قبل التأكد من نزع سلاح حماس بالكامل.

في المقابل، ترى حماس أن الانسحاب الإسرائيلي والالتزام بوقف إطلاق النار يجب أن يسبقا تنفيذ ترتيبات نزع السلاح.

وهنا تظهر العقدة الأساسية:

إسرائيل تريد السلاح أولًا.

حماس تريد الانسحاب والتهدئة أولًا.

وبين الموقفين تقف المرحلة الثانية من الاتفاق.

الانسحاب الإسرائيلي.. الحلقة المقابلة

لا يمكن فصل ملف نزع السلاح عن الوجود العسكري الإسرائيلي.

فالانسحاب يمثل بالنسبة للفلسطينيين عنصرًا أساسيًا في تثبيت وقف إطلاق النار، بينما تربطه إسرائيل بالترتيبات الأمنية ونزع سلاح حماس.

ولهذا، فإن أي تقدم في ملف السلاح يحتاج إلى تفاهم موازٍ حول المناطق التي ستنسحب منها القوات الإسرائيلية وآلية مراقبة التنفيذ.

وإذا بقي الملفان منفصلين، فمن الصعب الوصول إلى اتفاق نهائي.

الوسطاء أمام اختبار صعب

تحاول مصر وقطر وتركيا، بالتنسيق مع الولايات المتحدة، إبقاء المسار السياسي مفتوحًا.

وفي 20 أغسطس، أدانت الدول الثلاث الضربات الإسرائيلية الأخيرة، وطالبت إسرائيل بالالتزام بوقف إطلاق النار وتجنب خطوات يمكن أن تقوض جهود إنهاء الحرب.

لكن الوسطاء يواجهون مشكلة أساسية: الوساطة تستطيع تقريب المواقف، لكنها تحتاج إلى آلية تنفيذ تستطيع منع الأطراف من العودة إلى التصعيد.

وهذا تحديدًا ما يجعل الأيام المقبلة حساسة.

فلسطين تُمحى.. 102 دبلوماسي يوجهون إنذارًا إلى بريطانيا وفرنسا

الوضع الإنساني يزيد هشاشة الهدنة

حتى مع انخفاض مستوى القتال مقارنة بالحرب المفتوحة، لم تنتهِ الأزمة الإنسانية.

وأفاد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية بأن معظم سكان غزة ما زالوا نازحين ويعيشون في ظروف قاسية، مع استمرار العمليات العسكرية والقيود على المساعدات والخدمات الأساسية.

كما أفاد المكتب بأن أكثر من 1,250 فلسطينيًا قتلوا منذ إعلان وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، وفق أرقام وزارة الصحة في غزة التي أوردتها الأمم المتحدة في تقريرها الصادر في 14 أغسطس.

وتشير بيانات الأمم المتحدة أيضًا إلى أن 67% من سكان غزة كانوا يواجهون مستويات مرتفعة من انعدام الأمن الغذائي الحاد، مع توقع تدهور الوضع خلال النصف الثاني من عام 2026.

لذلك، فإن أي عودة للتصعيد لا تعني مجرد تجدد الاشتباكات، بل تعني أيضًا مزيدًا من النزوح والضغط على الغذاء والمياه والصحة.

خطة السلام الأمريكية.. أموال موجودة وخلافات قائمة

تحاول إدارة الرئيس دونالد ترامب دفع المرحلة التالية من خطتها.

وفي هذا السياق، خصصت الولايات المتحدة أكثر من 206 ملايين دولار لدعم قوة دولية مقترحة لتحقيق الاستقرار في غزة، تشمل التمويل والتجهيزات والبنية التحتية والتدريب.

لكن التمويل لا يحل العقدة السياسية.

فما زال الخلاف قائمًا حول ترتيب الخطوات: متى ينزع سلاح حماس؟ ومتى تنسحب إسرائيل؟ ومن يضمن التنفيذ؟ ومن يدير الأمن في القطاع؟

ولهذا تبدو عملية إعادة الإعمار مرتبطة مباشرة بنجاح المرحلة الأمنية والسياسية.

خمس نقاط قد تدفع الاتفاق نحو الانهيار

يمكن تحديد أبرز نقاط الخطر في خمسة ملفات:

  1. التصعيد الميداني

    استمرار الضربات قد يحول الهدنة إلى مواجهة مفتوحة.

  2. نزع السلاح

    الملف الأكثر تعقيدًا بين إسرائيل وحماس.

  3. الانسحاب الإسرائيلي

    الخلاف مستمر حول توقيته وشروطه.

  4. آلية تنفيذ الاتفاق

    نجاح الوساطة يحتاج إلى آلية رقابة وضمانات فعالة.

  5. الأزمة الإنسانية

    استمرار الجوع والنزوح وانهيار الخدمات يزيد الضغط على الاتفاق.

هل اقترب وقف إطلاق النار من الانهيار؟

ليس بالضرورة.

فلا تزال الولايات المتحدة والوسطاء يدفعون باتجاه تنفيذ خطة السلام، كما أن وجود مسار تفاوضي يفتح نافذة لمنع العودة إلى حرب شاملة.

لكن استمرار العمليات العسكرية يجعل هذه النافذة ضيقة.

والخطر الحقيقي ليس بالضرورة إعلان أحد الطرفين إنهاء الاتفاق، وإنما تآكله تدريجيًا.

قد تبدأ العملية بحادث أمني محدود، ثم رد عسكري، ثم رد مضاد. وبعد ذلك تتوقف الاتصالات، ويتعطل تنفيذ المرحلة الثانية، وتصبح العودة إلى القتال أوسع احتمالًا.

الخلاصة: الهدنة قائمة.. لكن اختبارها الأصعب لم ينتهِ

يقف وقف إطلاق النار في غزة أمام معادلة شديدة الحساسية:

وقف الخروقات → تثبيت الهدنة → الاتفاق على نزع السلاح → الانسحاب الإسرائيلي → ترتيبات إدارة غزة → إعادة الإعمار.

أي خلل في هذه السلسلة يمكن أن يعطل ما بعدها.

لذلك، فإن السؤال لم يعد فقط: هل يستمر وقف إطلاق النار؟

بل أصبح:

هل تستطيع الأطراف الانتقال من هدنة هشة إلى اتفاق قابل للحياة؟

حتى الآن، لا تزال الإجابة مفتوحة.

شارك المقال: