علاء عوض يكتب:عندما تتحول الحرب إلى ورقة في لعبة البقاء السياسي
درك ترامب اليوم أنه يقف في وضع بالغ الصعوبة فالحرب التي تصور أنها ستكون خاطفة تحولت إلى حرب استنزاف، وأدت إلى اضطرابات اقتصادية عالمية وموجات تضخم حادة.

الرئيس الأمريكي دونالد ترامب (وكالات)
بينما تزداد نيران الحرب اشتعالًا على الجبهة الإيرانية، كانت جبهة واشنطن الداخلية تشتعل هي الأخرى.
فخلال جلسة الاستماع التي عقدتها لجنة الاعتمادات بمجلس الشيوخ أمس، انفجر اشتباك سياسي عنيف بين وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث والسيناتور جاك ريد، كاشفًا حجم الانقسام داخل المؤسسة الأمريكية بشأن الحرب المستمرة مع إيران، وتكاليفها السياسية والعسكرية والاقتصادية.
دخل هيغسيث الجلسة طالبًا من الكونغرس اعتماد ميزانية دفاعية تبلغ 1.5 تريليون دولار حتى تتمكن إدارة ترامب من مواصلة حربها على إيران، لكنه وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع جاك ريد عندما حاول تبرير استمرار الحرب بصنع قصة كاذبة زعم فيها أن قوارب أمريكية استسلمت لسفن إيرانية خلال إدارة بايدن.
وهي رواية سارع ريد إلى نسفها، واصفًا الوزير بالكاذب، مؤكدًا أن تلك الواقعة لم تحدث أصلًا في عهد بايدن.
ثم جاءت الضربة السياسية الأقسى عندما قال له ريد:
“نحن نتحدث الآن عن الحرب التي بدأتموها أنتم وترامب في عهد بايدن كان النفط يتدفق بحرية، ولم تكن هناك هذه النزاعات، ولذلك فإن العودة المستمرة للحديث عن إدارة بايدن ليست سوى محاولة مكشوفة جدًا جدًا لخداع الرأي العام والتغطية على فشلكم في الحرب الإيرانية التي نفقد فيها جنودنا كل يوم”
هذه الكلمات لم تكن مجرد سجال داخل قاعة مجلس الشيوخ، بل كانت تعبيرًا عن انقسام عميق داخل الدولة الأمريكية نفسها.
ففي الوقت الذي يسير فيه ترامب نحو توسيع رقعة الحرب، تعصف الرياح بالبيت الأبيض من الداخل
بينما يحاول الكونغرس إقامة الحواجز أمام استمرار تمويل هذه الجولة العسكرية حتى إن وزير دفاع ترامب أعلن صراحة أن عدم حصول الوزارة على 87 مليار دولار بصورة عاجلة سيجعلها عاجزة عن دفع رواتب الجنود.
لكن الأخطر أن أهداف هذه الحرب لم تعد كما بدأت.
لم يعد الهدف الحقيقي هو توجيه الضربة القاضية للنظام الإيراني أو إنهاء برنامجه النووي، فهذه الشعارات أصبحت جزءًا من الخطاب الإعلامي أكثر منها أهدافًا ميدانية.
بعد تعثر الجولة الأولى من حرب نظام إبستين، فقد تبدلت الآن الحسابات الجيوسياسية داخل البيت الأبيض.
الهدف الآن كما يبدو لي من سياق الأحداث والقراءة العميقة لها أصبح فتح مضيق هرمز والحصول على جزء من عوائد رسوم المرور التي تعتزم إيران فرضها، في محاولة لإعادة تشكيل معادلات الطاقة والتجارة الدولية بما يخدم المصالح الترامبية .
لكن خلف هذا الهدف يقف هدف أخطر بكثير.
إدارة ترامب، في تقديري، أصبحت تنظر إلى انتخابات التجديد النصفي المقبلة باعتبارها معركة وجود سياسي، ولذلك تسعى إلى تهيئة المسرح الداخلي للعبث بها.
وليس من قبيل المصادفة أن يهاجم ترامب الأسبوع الماضي النظام الانتخابي الأمريكي، مدعيًا أن الصين تسيطر عليه.
المفارقة أنه تجاهل حقيقة أنه فاز مرتين في ظل الإدارة الديمقراطية، بينما الانتخابات الوحيدة التي يصفها بالتزوير هي انتخابات عام 2020، وكان وقتها هو نفسه رئيس الولايات المتحدة والمسؤول الأول عن مؤسساتها.
يدرك ترامب اليوم أنه يقف في وضع بالغ الصعوبة.
فالحرب التي تصور أنها ستكون خاطفة تحولت إلى حرب استنزاف، وأدت إلى اضطرابات اقتصادية عالمية وموجات تضخم حادة.
انعكس ذلك على شعبية الحزب الجمهوري الذي يواجه خطر خسارة قاسية في انتخابات التجديد النصفي.
ولهذا، فإن الهجوم المفاجئ على النظام الانتخابي الأمريكي في هذا التوقيت لا يبدو لي مجرد تصريح عابر، بل خطوة تمهيدية لإلقاء الشكوك على نتائج الانتخابات المقبلة قبل أن تبدأ.
أما جولة الحرب الحالية، فهي ليست سوى سحابة دخان كثيفة تُستخدم لحجب الرؤية، بينما تواصل شركات السلاح الأمريكية، الرابح الأكبر من هذه الحرب، جني الأرباح. ودعم خطة ترامب .
فترامب اليوم لا يزرع فقط ألغامًا في الشرق الأوسط، بل يزرع ألغامًا داخل الحياة السياسية الأمريكية نفسها، ويغامر بأسس النظام الدستوري الذي يدّعي الدفاع عنه.
بعد ان رسب في امتحان الرياضيات الجيوسياسية.
فالحرب التي كان يظن أنها لن تستغرق أكثر من أسبوع ويسقط النظام الإيراني دخلت الان شهرها الخامس، ومع كل شهر جديد تتبدل أهدافها، وتتآكل مبرراتها، ويتحول مسارها.
ولم يعد السؤال الأكبر هو: هل سيتم فتح مضيق هرمز؟
بل أصبح السؤال الأخطر: هل يجري استخدام هذه الحرب لتهيئة الداخل الأمريكي لمعركة الانتخابات المقبلة وتزويرها؟
نعم… عندما تفشل كل الخطط، يصبح جو بايدن هو المتهم الجاهز في كل خطاب.
لا ينحدر إلى هذا المستوى من السماجة السياسية إلا وزير حرب سكير يعمل لدى رئيس متهم بالتحرش بالأطفال والتورط في جرائم إبستين
حتى وهو يستعد غدا للوقوف بجوار ترامب لاستقبال جثث الجنود الأمريكيين الذين سقطوا في الأردن خلال أحدث موجات التصعيد الأخيرة مع إيران.
ولمن يظن أن الحديث عن احتمال العبث بالانتخابات مبالغ فيه، فلينظر إلى ما حدث قبل أيام في كأس العالم.
فترامب تدخّل بنفسه لدى رئيس الفيفا جياني إنفانتينو طالبًا مراجعة إيقاف المهاجم الأمريكي فلورين بالوغون بعد البطاقة الحمراء.
لتنتهي القضية بقرار استثنائي سمح للاعب بالمشاركة أمام بلجيكا، في واقعة أثارت احتجاج الاتحاد البلجيكي وعاصفة من الانتقادات العالمية .
المسألة هنا ليست كرة قدم، بل طريقة تفكير ترامب الذي يرى أن القواعد يمكن إعادة صياغتها إذا تعارضت مع مصلحته.
وإن الانتقال من محاولة تغيير نتيجة مباراة إلى التشكيك في نتائج انتخابات، أو السعي للتأثير في مسارها، لا يعود قفزة في المنطق، بل امتدادًا طبيعيًا للعقلية نفسها التي تسعي لتغيير قواعد اللعبة كلما لم تكن النتائج مرضية.
وفقا لهذا السياق يجب الا ننسي تصريح ترامب لأنصاره خلال حملته الانتخابية: “صوّتوا هذه المرة ولن تحتاجوا الي التصويت بعد ذلك
فالمسألة لم تعد حرب إيران و إعادة فتح مضيق هرمز او مباراة كرة قدم ، بل عقليّة ترامب التي ترى أن القواعد لم تُوضع لتُحترم،بل لتُغيَّر كلما لاحت الخسارة في الأفق.
فإذا كانت اهداف الحرب الإيرانية قد تغيّرت، وإذا كانت قوانين كرة القدم أمكن الالتفاف عليها.
فإن السؤال الذي يفرض نفسه: هل سيكون تزوير انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي هي الحلقة التالية ؟






