مقالات
محمد الروبي
محمد الروبي

كاتب صحفي

محمد الروبي يكتب: ثورة يوليو والسينما والمسرح

كيف يخرج المسرح من مركزه التقليدي، وتصبح السينما مرآة للتحولات الاجتماعية، ويغدو الكتاب والفن حقًا لا امتيازًا؟

مشاركة:
حجم الخط:

أوانٍ مستطرقة في مشروع بناء الإنسان

لم تنظر ثورة يوليو إلى المجتمع باعتباره قطاعات منفصلة: سياسة هنا، واقتصاد هناك، وتعليم في ناحية، وثقافة وفن في ناحية أخرى.

كانت ترى أن المجتمع كلٌّ واحد، وأن تغيير أحد أجزائه لا يستقيم من دون أن يتصل بغيره.

السياسة والاقتصاد والتعليم والصناعة والزراعة والثقافة والرياضة… أوانٍ مستطرقة، يصب كل منها في الآخر، وتصب جميعًا في مشروع واحد: إعادة بناء الإنسان والمجتمع.

من هنا لا يمكن قراءة تجربة السينما والمسرح في عهد جمال عبد الناصر باعتبارها تاريخًا فنيًا منفصلًا عن تاريخ مصر.

محمد الروبي يكتب: عندما يتحول السؤال من هل سرقت؟ إلى هل كتبت ؟

لم يكن الفن زينة للمشروع، ولا هامشًا ثقافيًا يضاف إلى إنجازاته، بل كان أحد أدواته الأساسية.

كان السؤال: كيف تصل الثقافة إلى أوسع قاعدة ممكنة من المصريين؟

كيف يخرج المسرح من مركزه التقليدي، وتصبح السينما مرآة للتحولات الاجتماعية، ويغدو الكتاب والفن حقًا لا امتيازًا؟

لذلك لم تنتظر الدولة أن يأتي الناس إلى الثقافة، ذهبت الثقافة إليهم.

عبر مشروع الثقافة الجماهيرية، والفرق المسرحية، ومسرح الدولة، والمسرح العمالي والجامعي، اتسعت خريطة الفرجة، وخرج المسرح من المبنى إلى المجتمع.

لم يعد الجمهور مجرد متلقٍ ينتظر ما يقدم إليه، بل صار المجتمع نفسه مجالًا لاكتشاف جمهور جديد، وربما لاكتشاف مسرح جديد.

وفي السينما، كانت الشاشة ترصد مجتمعًا يتغير.

الفلاح والعامل والموظف والمرأة والشاب، صراعات الطبقات، احتكاك القديم بالجديد، وأسئلة العدالة والتحول الاجتماعي.

لم تكن السينما مجرد وسيلة لتوصيل خطاب سياسي؛ كانت، حين تكون في أفضل حالاتها، تجعل المجتمع يرى نفسه.

فيلم ميرامار عن رواية لنجيب محفوظ
فيلم ميرامار عن رواية لنجيب محفوظ

هنا تكمن أهمية التجربة:

لم يكن المسرح والسينما مشروعين منفصلين، بل كانا إناءين من أوانٍ كثيرة تصب في إناء واحد. فالثورة التي أرادت بناء المصنع والطريق والسد، أرادت أيضًا بناء الإنسان الذي سيعيش في هذا المجتمع الجديد، ويفهمه، ويشارك فيه، ويسائل واقعه.

ولذلك فإن العلاقة بين الدولة والفن في تلك المرحلة لا تختزل في معادلة بسيطة: دولة تفرض، وفنان يقاوم.

كانت هناك رقابة، بالتأكيد، وكانت هناك حدود سياسية، لكن كانت هناك أيضًا لحظات تدخل فيها عبد الناصر لحماية مبدعين وأعمال فنية من تعنت الأجهزة.

وهي مفارقة تكشف تعقيد التجربة أكثر مما تقدم إجابة جاهزة عنها: دولة تراقب الفن، لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الفن لا يمكن أن يكون مجرد صدى رسمي.

شيء من الخوف فيلم أثار ضجة كبيرة
شيء من الخوف فيلم أثار ضجة كبيرة

فالفن الحقيقي، حتى حين يقترب من مشروع الدولة، يحتفظ بمساحته الخاصة؛ يضيف، ويكشف، ويسأل، وأحيانًا يتجاوز الحدود التي أراد المشروع أن يرسمها لنفسه.

لهذا لا تكفي قراءة تجربة يوليو في السينما والمسرح عبر عدد الأفلام المنتجة أو المسارح التي أنشئت.

الأهم هو التصور الذي كان وراءها: أن المجتمع لا يتغير بالسياسة وحدها، ولا بالاقتصاد وحده، ولا بالتعليم وحده. وأن بناء الإنسان يحتاج إلى أن تتصل كل هذه المجالات، وأن يتسرب أثر كل منها إلى الآخر.

وربما لهذا فإن السؤال الذي تطرحه تجربة يوليو علينا اليوم : هل ما زلنا نملك تصورًا للمجتمع يجعل الثقافة والفن جزءًا من مشروع بنائه، لا مجرد قطاع من قطاعات إدارته؟

شارك المقال: