عين الكاميرا: سوق الكتاب المعتق في حلب
مرّ علينا حين من الدهر صار مجرد وجود هذا الكتاب أو ذاك يودي بصاحبه إلى التهلكة، مما دفع كُثر لأن يحرقوا كتبهم، على معزّتها عندهم وقساوة ذلك عليهم، يحرقوها بأيديهم، فضاع على الأجيال تراث كثير.
سوق الكتاب المستعمل في حلب
معرض الكتاب المستعمل الثاني في حلب
تظاهرة ثقافية إبداعية راقية في مدينة العراقة والفن والأدب والاقتصاد، عودة المعرض يشير إلى بدء تعافي المجتمع بعد سنوات عجاف.
سوق الكتاب المستعمل عنوان به تقليل كثير من قيمة الكتاب، تصغير، وإهانة. تسمية أشبه بسوق الثياب والأحذية المستعملة، أو سوق البالة.
أقترح “الكتاب المُعتّق” أو الكتاب العتيق، تسمية أقرب لمكنونات هذه المطبوعات الغنية التي تنتقل عطاياها من يد وحضن قارئ محب سالف إلى قارئ محب جديد.

عدا أن بعض هذه “المستعملة” دُرر ونوادر مجهولة غير معروفة في أيامنا.
حتى كثير من مؤلفيها ماعاد لهم ذكر، وقد تكون طبعات فنية بديعة فيها جماليات خط وزخارف ولوحات غلاف معبرة لكبار الفنانين وصور فوتوغرافية عتيقة.
فقديم هذه الكتب يحمل في طياته أحيانا إضافات ولمع تزيد من قيمة الكتاب وأهميته. تحمل توقيع المؤلف. إهداءه. إهداآت بعض مقتنيه.

كذلك، وهذا مهم جدا، قد تجد تعليقات أكثر من قارئ تُضيئ على مرحلة القراءة.
خطوط بقلم الرصاص تحت كلمات وجمل فيها إشارات كاشفة.
هوامش على المتن تناقش الكتاب، ترد عليه، تستنبط منه،تضيف له وقد ترقى لتكون كتاب آخر، لأناس مجهولين أو كتّاب مختصين معروفين.

وتترسخ قيمة قديم هذه الكتب ومعارضها اليوم، بعد أن احترقت وأُحرقت عمدا مكتبات كثيرة على امتداد الأرض السورية، خاصة وعامة.
وقد مرّ علينا حين من الدهر صار مجرد وجود هذا الكتاب أو ذاك يودي بصاحبه إلى التهلكة، مما دفع كُثر لأن يحرقوا كتبهم، على معزّتها عندهم وقساوة ذلك عليهم، يحرقوها بأيديهم، فضاع على الأجيال تراث كثير.
لو كنت في سورية لكان هذا المعرض محجا أكيدا لي.
فأنا أستمتع بقضاء الساعات في تقليب قديم المطبوعات، كتب ومجلات وصحف، والغوص في ثناياها.
استذكار حكاياتي مع عناوينها موضوعاتها والمؤلفين.
أجهد في اقتناء كثير منها لأضيفه إلى مكتبتي العامرة بمطبوعات بعضها يعود لنهايات القرن التاسع عشر، وللأعداد الأولى من المجلات العربية، وسلاسل شبه كاملة لإصدارات بعض تلك المجلات.

مكتبات الكتب القديمة دائما كانت مقصدي عندما كنت أزور أي محافظة سورية، خاصة في حلب. باعة البسطات لاغني لي عنهم أيضا.
في الرقة كنت صديقا لأبي سامي أحد أقدم بائعي الكتب القديمة والمجلات الذي انتقل من بسطة على رصيف حديقة الرشيد إلى دكان خاص قرب المجمع الحكومي. بعده تعرّفت على أبي بلال.

زيارتي لهما شبه يومية.
نلتقي فنتحدث بشؤون وشجون الكتاب والبلد والمحظورات. من عندهما رممت نقص كثير من مجموعاتي من المجلات والدوريات العربية.
أغلق ابو سامي وغادر إلى تركيا في السنوات الأولى للثورة.
بقي أبا بلال في الميدان
ظهيرة ذات يوم من صيف الفين وخمسة عشر، بعد قصف عنيف للمدينة من طائرات النظام، توج بالشهادة.
كان عندنا في مصر سوق الازبكية الذي أنشأ في بداية القرن العشرين بجوار مسرح الطليعة وكان سوق مهم للكتب والمجلات القديمة للباحثين