د. فاروق شرف يكتب: مصر حيث تنبض الحجارة بالحياة (14) جاردن سيتي
فجاردن سيتي تمتد بين شارع القصر العيني من الشرق وكورنيش النيل من الغرب، في موقع بالغ التميز بقلب القاهرة، بالقرب من ميدان التحرير ووسط المدينة.

حي جاردن سيتي قديما
جاردن سيتي: حين اختار التاريخ أن يسكن على ضفاف النيل.
حين كان النيل يروي الحكاية قبل أن تُكتب
تخيلوا معي القاهرة منذ أكثر من قرن، نيل يجري في هدوء، وأشجار تتمايل مع نسمة المساء
وبساتين تمتد على صفحة الماء، وفرسان وعربات تمر في طرق هادئة.
لم تكن هناك عمارات شاهقة، ولا سفارات، ولا فنادق فاخرة، ولا هذا العدد الكبير من المؤسسات.
لكن شيئًا واحدًا كان موجودًا منذ البداية
روح المكان.
فالأرض التي نمشي فوقها اليوم في جاردن سيتي لم تكن أرضًا بلا ذاكرة؛ بل كانت تحمل في طبقاتها حكايات البساتين والقصور والأمراء، قبل أن تولد جاردن سيتي بصورتها الحديثة بسنوات طويلة.
من بساتين الخشاب إلى أرض الأمراء
من الطبقات القديمة في تاريخ المنطقة ارتباطها بما عُرف بـ بساتين الخشاب، وهي منطقة امتدت بمحاذاة النيل، وارتبطت في العصر المملوكي بالبساتين والطرق ومظاهر الفروسية.
وتذكر المصادر أن السلطان الناصر محمد بن قلاوون أنشأ في هذه المنطقة ميدانًا وبساتين، وكانت تقام بها عروض وسباقات للخيل.
وهنا تبدأ أولى مفاجآت الحكاية: جاردن سيتي لم تولد في القرن العشرين، لقد كانت الأرض تعرف البساتين قبل العمارات،والقصور قبل السفارات،والأمراء قبل «الهوانم»

وكأن التاريخ كان يهيئ المكان منذ زمن بعيد ليصبح واحدًا من أكثر أحياء القاهرة تميزًا
ثم جاءت أسرة محمد علي، ومع القرن التاسع عشر تغير وجه المنطقة دخلت أجزاء منها في نطاق الأملاك الخديوية، وظهرت القصور التي ارتبطت بأسرة محمد علي.
ومن أهمها القصر العالي المرتبط بإبراهيم باشا، ابن محمد علي باشا، والذي اكتمل بناؤه نحو عام 1820، وعُرف كذلك باسم قصر المشورة، لارتباطه بانعقاد مجلس للمشورة فيه سنة 1829.
وهنا يصبح المشهد أكثر إثارة:
الأرض التي ستصبح يومًا حيًا للسفراء والفنانين والعمارات الراقية، كانت في وقت من، الأوقات أرضًا للقصور ومجالس الأمراء، وهذه واحدة من أجمل حلقات القاهرة:
من قصر الأمير، إلى بيت الهانم، إلى مقر السفير، إلى العمارة الحديثة، كل زمن ترك بصمته، ولم يمحُ الزمن الذي سبقه تمامًا.
– كيف ولدت جاردن سيتي؟ ثم نصل إلى بداية القرن العشرين.
وهنا تغيرت الحكاية مرة أخرى.
بدأت المنطقة تدخل مرحلة جديدة من التخطيط العمراني، متأثرة بفكرة مدينة الحدائق التي كانت رائجة في أوروبا.
وكانت الفكرة مختلفة عن القاهرة التقليدية، لم تكن الشوارع مستقيمة متقاطعة في شبكة جامدة، وإنما ظهرت، شوارع منحنية، حدائق، أشجار، وعمائر تحيط بها مساحات مفتوحة.
وهنا يجب أن نكون دقيقين: نشأة الحي لم تكن قرارًا منفردًا لشخص واحد في يوم واحد، وإنما عملية عمرانية مرت بمراحل، وهذه الدقة هي التي تحفظ للتاريخ أمانته.
شوارع جاردن سيتي… شوارع تمشي على مهل
وهنا تبدأ متعة التجول، إذا دخلت جاردن سيتي، فلا تتوقع أن تسير في شارع مستقيم طويل كمعظم شوارع القاهرة.
ستجد الشارع يلتف، ثم يختفي خلف الأشجار، ثم يظهر من جديد.
وتجد عمارة قديمة بجوار فيلا، وقصرًا خلف سور، وشرفة تطل من بين أغصان الأشجار.
ومن الشوارع التي تحمل أسماء وذاكرة المكان:
شارع أحمد باشا، شارع حسن مراد، شارع النباتات، شارع البرجاس، شارع الخشاب، شارع الديوان، شارع الحديقة،ىشارع حوض اللبن، شارع جمال الدين أبو المحاسن،وشارع عائشة التيمورية.
ولكل اسم تقريبًا حكاية تستحق أن تُروى، فحتى اسم الشارع هنا ليس مجرد لوحة معلقة، بل قطعة صغيرة من تاريخ المكان.

والنيل… الجار الذي لا يغيب
ثم يأتي النيل، ذلك الجار الذي لا يتغير، فجاردن سيتي تمتد بين شارع القصر العيني من الشرق وكورنيش النيل من الغرب، في موقع بالغ التميز بقلب القاهرة، بالقرب من ميدان التحرير ووسط المدينة.
ولهذا فإن الحي يمتلك ميزة لا تستطيع العمارة وحدها أن تمنحها: الماء، تفتح نافذتك، فتجد النيل.
تخرج إلى الشارع، فتجد الأشجار، تعود إلى بيتك، فتجد هدوءًا نادرًا في قلب مدينة لا تهدأ.
القصر العيني… الجار الذي يحمل تاريخ الطب
وعلى الجانب الآخر من الحي يقف شارع القصر العيني، وهو شارع ليس من الممكن أن نمر عليه مرور الكرام.
فاسمه يعود إلى قصر العيني، المرتبط بأحمد العيني باشا، والذي تحول لاحقًا إلى مستشفى، وأصبح أحد أهم الرموز في تاريخ الطب والتعليم الطبي في مصر.
وهنا تبدو جاردن سيتي وكأنها واقفة بين عالمين: من ناحية قصور وأشجار ونيل، ومن الناحية الأخرى، طب وعلم ومستشفيات ومؤسسات.
وهذه إحدى روائع القاهرة: أن تجد التاريخ الأرستقراطي والتاريخ العلمي والسياسي متجاورين في أمتار قليلة.

العمارة هنا… حكاية أخرى
إذا كان قصر البارون هو نجم مصر الجديدة، فإن جاردن سيتي ليست بحاجة إلى نجم واحد.
كل شارع فيها تقريبًا معرض معماري مفتوح.
هنا طراز فرنسي، وهناك تأثير إيطالي، وفي مبنى آخر تظهر الروح الإسلامية، وهنا شرفة كلاسيكية، وهناك قوس وزخرفة.
ثم تأتي الأشجار لتقوم بالدور الأخير، فتخفي جزءًا من الواجهة وتترك للعين بقية الحكاية.
إنها عمارة لا تصرخ في وجهك، بل تهمس، وهذا سر جمالها.
عمارات وقصور تحمل أسماء أصحابها
ومن المباني التي تستحق التوقف أمامها عمارات سيف الدين، المرتبطة بالأمير سيف الدين، ثم الأميرة شويكار.
ومع مرور الزمن لم تعد جاردن سيتي حكرًا على الأمراء وحدهم، وإنما أصبحت مقصدًا لعائلات كبيرة وشخصيات عامة وفنانين ومثقفين.
وهنا تبدأ حكاية أخرى، حكاية الهوانم، «هوانم جاردن سيتي» عندما عاد الزمن إلى الشاشة
ولعل أشهر صورة شعبية رسخت في وجدان المصريين عن الحي جاءت من خلال المسلسل الشهير:
«هوانم جاردن سيتي»
فقد أعاد المسلسل المشاهد إلى أجواء القاهرة القديمة، وإلى عالم القصور والبيوت الراقية والعائلات الكبيرة، وجعل اسم جاردن سيتي في الذاكرة الشعبية مرتبطًا بصورة «الهوانم» والزمن الجميل.
وهنا لا يمكن أن نفصل الفن عن المكان، فالفن أحيانًا يفعل ما لا تستطيع كتب التاريخ أن تفعله، يعيد إلينا رائحة الزمن، يعيد لنا شكل البيت، الصالون، الشارع، الملابس، السيارات، طريقة الكلام، وعلاقات الناس ببعضهم.
ولهذا أصبح اسم «هوانم جاردن سيتي» أكبر من مجرد اسم مسلسل بالنسبة لكثير من المصريين.
فقد تحول إلى نافذة فنية تطل على صورة متخيلة وراسخة للقاهرة الأرستقراطية في القرن العشرين.
وهكذا دخلت جاردن سيتي من كتب التاريخ إلى ذاكرة الدراما المصرية
ومن الهوانم إلى نجوم الفن، ولم تكن علاقة الحي بالفن من صنع الدراما وحدها.
فقد عاش في جاردن سيتي عدد من الفنانين والشخصيات العامة، ومن الأسماء المرتبطة بالحي الفنانة ليلى مراد.
وهنا يصبح المشهد أكثر إنسانية:
فالفنانة التي كانت تملأ الشاشة والصالات بصوتها وحضورها، كانت لها حياة يومية داخل أحد أحياء القاهرة الهادئة.
ربما خرجت ذات صباح من بيتها، ربما مرت بسيارتها في أحد هذه الشوارع المنحنية، وربما كان النيل نفسه شاهدًا على لحظة من لحظات حياتها.
هكذا يتحول المكان من عنوان إلى ذاكرة.
ثم دخلت جاردن سيتي مرحلة جديدة، فموقعها الهادئ، وقربها من وسط القاهرة، وإطلالتها على النيل، جعلها مكانًا مناسبًا للبعثات الدبلوماسية.
فاستقرت في المنطقة سفارات وبعثات دبلوماسية مهمة.
وبذلك حدث تحول مثير، قصر كان لأمير، أصبح مقرًا لسفير، وبيت لعائلة كبيرة، أصبح مؤسسة دبلوماسية.
مبنى كان جزءًا من الحياة الخاصة، دخل عالم السياسة الدولية، لكن الحجر بقي هو الحجر، والشرفة بقيت في مكانها، والشجرة ربما ما زالت واقفة أمامها.






