محمد الروبي يكتب: عندما يتحول السؤال من هل سرقت؟ إلى هل كتبت ؟
لا ينبغي أن نتعامل مع "كاتب الظل" باعتباره مجرد تفصيل عابر فرضته قضية راهنة، بل باعتباره سؤالًا يمس جوهر الثقافة نفسها.

وزيرة الثقافة المصرية (وسائل التواصل)
في قضية كتاب الوزيرة لابد من وقفة
في البدء لابد من التأكيد على أنني لست هنا بصدد مناقشة حكم قضائي، ولا التعقيب على حيثياته، ولا الدفاع عن أحد أو إدانة أحد.
فالأحكام عنوان للحقيقة القانونية، ولها ساحتها التي يجب احترامها.
لكن ما دفعني إلى الكتابة ليس الحكم نفسه، وإنما ذلك “الترند” الذي طفا على السطح عقب صدوره.
فجأة، لم يعد الحديث يدور فقط حول الانتحال أو حقوق الملكية الفكرية، بل ظهرت عبارة جديدة تتكرر على ألسنة كثيرين: “كاتب الظل”.
وكأن هناك من أراد أن ينقل مركز السؤال من الشخص الذي يحمل اسمه غلاف الكتاب إلى شخص آخر لا يعرفه أحد، ليصبح اللوم – أو جزء منه – معلقًا على ذلك الكاتب الخفي.
هنا توقفت طويلًا
ليس لأنني أعرف إن كان هناك كاتب ظل في هذه القضية أم لا، فذلك أمر لا أملك دليلاً عليه، وإنما لأن مجرد شيوع هذا التفسير يكشف عن ظاهرة ثقافية تستحق أن نتأملها:
من هو كاتب الظل؟
وأين تنتهي المساعدة المشروعة في الكتابة، وأين يبدأ انتحال المؤلف نفسه؟
محمد الروبي يكتب: جملة حق يراد بها باطل (لا تُقحموا السياسة في الفن و الرياضة)
محمد الروبي يكتب: لماذا يحب الناس محمد صلاح؟
نعم، كاتب الظل ليس مهنة غير مشروعة.
ففي العالم كله يستعين رؤساء الدول، والفنانون، والرياضيون، وغيرهم، بكتّاب محترفين لصياغة مذكراتهم أو تنظيم أفكارهم.
لكن الفارق كبير بين أن تستعين بمن يساعدك في التعبير عن أفكارك، وبين أن ينسب إليك كتاب لم تكتبه، أو أن يتحول اسمك إلى مجرد علامة تجارية توضع على غلاف، بينما يختفي المؤلف الحقيقي في الظل.
وإذا كان هذا التقليد معروفًا عالميًا، فإن أشهر قضاياه تعود إلى الأدب الفرنسي، حيث ارتبط اسم الروائي الكبير ألكسندر دوما بالكاتب أوجست ماكيه، الذي ساهم في إعداد عدد من أشهر رواياته، وظل طويلًا يطالب بالاعتراف بدوره.
لقد بقي دوما في الواجهة، بينما ظل ماكيه، على حد تعبير المهنة، “كاتبًا في الظل”
غير أن الأخطر من وجود كاتب الظل هو أن يتحول إلى وسيلة للتنصل من المسؤولية.

فإذا اكتُشف انتحال أو سرقة أدبية، قيل إن الخطأ خطأ الكاتب الخفي.
والحقيقة أن من يضع اسمه على غلاف كتاب، يعلن أمام القارئ أنه مسؤول عن كل كلمة فيه، فلا يجوز أن يتحول كاتب الظل إلى شماعة تُعلَّق عليها الأخطاء.
ولعل أبلغ ما قيل في هذه الظاهرة ما نُسب إلى الكاتب الصحفي الكبير كامل زهيري، حين سخر من أحد أشهر الصحفيين الذين كانوا يستعينون بكتّاب ظل حتى في كتابة عموده اليومي، فقال:
“أول مرة أشوف صحفي… كُتّابه أكثر من قرائه” كانت جملة ساخرة، لكنها كانت أيضًا وصفًا مبكرًا لظاهرة اتسعت حتى تجاوزت المقالات إلى الكتب، والأبحاث، والخطب، والرسائل الجامعية.
واللافت أن المسرح المصري سبق إلى طرح هذه القضية منذ عقود. ففي مسرحية “جلفدان هانم” رسم علي أحمد باكثير شخصية الأديب الفقير عاطف الأشموني، الذي يبيع روايته لتصدر باسم شخص آخر.
وحين رأى الجميع يحتفون بالمؤلف المزيف، بينما يقف هو منسيًا، لم يستطع احتمال المشهد، فصرخ:
“أنا عاطف الأشموني… مؤلف الجنة البائسة”
وظل يرددها بإحساس مقهور يقف على حافة الجنون.
لم تكن تلك مجرد جملة كوميدية أطلقها محمد عوض، بل كانت صرخة كاتب حقيقي يطالب بحقه في عمل سرقه منه صاحب بريق الاسم والنفوذ.
وربما لهذا السبب لا ينبغي أن نتعامل مع “كاتب الظل” باعتباره مجرد تفصيل عابر فرضته قضية راهنة، بل باعتباره سؤالًا يمس جوهر الثقافة نفسها.

فالثقافة لا تقوم على الأسماء، بل على الأمانة الفكرية.
ولا يعيب أي مؤلف أن يعترف بأنه استعان بمحرر أو باحث أو مدقق، لكن العيب أن ينسب إلى نفسه ما لم يكتبه، أو أن يترك غيره يكتب، ثم يكتفي هو بالتصفيق الذي يأتي مع اسمه.
لقد اعتدنا أن نتحدث عن أشباح الرقابة، وأشباح المنع، وأشباح المصادرة… لكن ربما آن الأوان أن نعترف بأن أخطر أشباح الثقافة هو شبح المؤلف.
مرة أخرى وأخيرة، ما سبق ليس حكماً، ولا تفنيد لحكم نهائي وبات ، لكنه محاولة للتصدي لمحاولة قلب الحقائق والانحراف بالقضية الأساسية إلى رافد غير بريء، بل وملوث.






