قصص من غزة: حياء أم أموات؟ سماح تبحث عن أطفالها تحت الركام
سماح ليست وحدها. في أنحاء غزة، تعيش آلاف العائلات السؤال نفسه: أين انتهت رحلة أبنائها؟ تحت أنقاض منزل، أم في مقبرة مجهولة، أم خلف قضبان السجون؟
البحث ع الاطفال في غزة
عائلات في غزة تبحث عن أبنائها بين الركام والسجون
في ألمانيا، تعيش سماح مسعود، 36 عامًا، بعيدًا عن أطفالها الستة، لكنها لا تعرف أين اثنان منهم.
منذ أكثر من عام، تبحث سماح عن ابنيها عوض وحسن، اللذين فقدت أثرهما في غزة خلال الحرب، تتواصل مع المؤسسات، وتسأل عن الأسرى المفرج عنهم، وتبحث عن أي شهادة يمكن أن تخبرها بما حدث لهما.
لم تكن سماح تتخيل أن رحلتها إلى أوروبا ستقودها إلى البحث عن أبنائها بدل أن تجمعهم بها.
غادرت قطاع غزة في يناير 2023، بحثًا عن مستقبل أفضل لأطفالها. كانت تخطط للعمل، ثم ترتيب لمّ شملهم والعيش معًا في مكان أكثر أمنًا واستقرارًا.
لكن الحرب بدأت بينما كانت في طريقها إلى أوروبا.
تقول سماح:
“سافرت إلى أوروبا لكي أوفر لي حياة أفضل ولأبنائي. كنت أخطط أن أحصل على عمل ثم لم الشمل، لكن قبل أن أصل إلى أوروبا بدأت الحرب على غزة.”
بقي أطفالها في غزة، وظلت على تواصل معهم عبر الإنترنت والهاتف.
كان ابنها الأكبر حسن يساعد إخوته في غيابها، ويشارك في إعداد الطعام وجلب الماء، بحسب والدته.
أما عوض، الذي كان يبلغ 13 عامًا، فقد غادر شمال غزة باتجاه الجنوب في يوليو 2024، رغم طلب والدته ألا يذهب.
قالت له إن الطريق خطر، خصوصًا عبور حاجز نتساريم، لكنه أصر. وبعد ساعات، أُبلغت بأنه وصل إلى الجنوب.
ثم جاء الخبر الآخر: عوض لم يصل.
قال أحد الشبان الذين كانوا معه، بحسب سماح، إن القوات الإسرائيلية احتجزت مجموعة من الأطفال، وكان عوض بينهم.
من ألمانيا، بدأت الأم البحث.
تواصلت مع الصليب الأحمر ومنظمات أخرى، لكن الرد الذي وصلها، بحسب روايتها، كان أنه ليس محتجزًا لدى إسرائيل.
لاحقًا، قال أحد الأسرى الذين أُفرج عنهم إنه رأى عوض في سجن سديه تيمان، ثم نُقل إلى مجدو، لكن شهادات أخرى لم تؤكد ذلك.
وبقي السؤال نفسه:
إذا لم يكن معتقلًا، فأين عوض؟ وإذا كان قد مات، فأين جثمانه؟
لكن بينما كانت سماح تبحث عن عوض، فقدت أثر ابنها الآخر، حسن.
تقول إن حسن أخبرها أنه ذاهب إلى الشاطئ، لكنه ذهب مع مجموعة من الأطفال، معظمهم من أقاربه، إلى منطقة شرق جباليا.
كان الأطفال، بحسب روايتها، يذهبون إلى المناطق التي ينسحب منها الجيش بحثًا عن الطعام الذي يتركه خلفه.
كان شقيقه مصطفى معهم.
يقول مصطفى إنه كان مع حسن وعدد من الأطفال داخل مبنى عندما بدأت طائرة مسيرة بإطلاق النار عليهم.
أصيب مصطفى في قدمه، وبقي محاصرًا في المكان.
وبحسب روايته، كان حسن وعدد من الأطفال تحت الركام، وكان حسن على قيد الحياة.
يقول مصطفى إنه أعطاه الماء وأخبره بأنه سيذهب للبحث عن شخص يساعدهم، لكنه لم يتمكن من العودة.
تقول سماح إن العائلة أبلغت الصليب الأحمر بوجود أطفال على قيد الحياة تحت الركام، وإنها طلبت المساعدة لإنقاذهم، لكنها تقول إن عملية الإنقاذ لم تتم.
لاحقًا، ظهرت معلومات تفيد بأن أحد الأطفال الذين كانوا مع حسن ربما أصبح في الأسر، ما دفع العائلة إلى الاعتقاد بأن حسن قد يكون محتجزًا أيضًا.
وتقول سماح إن أسرى أُفرج عنهم أكدوا رؤيته في سجن عوفر.
لكن مصيره لا يزال غير معروف.
اليوم، تبحث سماح عن ابنين مفقودين.
تقول إنها خسرت عملها في ألمانيا بسبب تنقلها المستمر بين المؤسسات بحثًا عن معلومات عنهما.
وتتذكر أحلامها القديمة.
كان حسن متفوقًا في دراسته ويحلم بأن يصبح طبيبًا.
وعوض كان، رغم صغر سنه، يساعد الأسرة ويبيع المثلجات في الإجازة ليكسب بعض المال.
“كنت أبحث لهم عن تعليم جيد وبلد آمن ومستقر ليعيشوا فيه ويبْنوا مستقبلًا أفضل من الحياة في غزة”، تقول سماح.
“لكنني اليوم أبحث عنهم ولا أجدهم.”
سماح ليست وحدها.
في أنحاء غزة، تعيش آلاف العائلات السؤال نفسه: أين انتهت رحلة أبنائها؟ تحت أنقاض منزل، أم في مقبرة مجهولة، أم خلف قضبان السجون؟
طفل خرج ليلعب ولم يعد
كل ليلة، يعود السؤال نفسه إلى والد الطفل جلال البرش: أين ابني؟
منذ أن خرج جلال، البالغ من العمر تسعة أعوام، للعب بالقرب من خيمة عائلته شرق مدينة غزة، لم يعد إلى المنزل.
لا يعرف والده أحمد البرش إن كان ابنه ما زال حيًا، أو تائهًا في مكان ما، أو محتجزًا، أو أن الحرب أنهت حياته.
جلال طفل يعاني من طيف التوحد ويحتاج إلى رعاية خاصة. وبحسب والده، قال أشخاص إنهم شاهدوا طفلًا يشبه جلال بالقرب من “الخط الأصفر”، لكن هذه الإفادات لم تقُد العائلة إلى مكانه.
يقول أحمد:
“هل هو خائف؟ هل هو جائع؟ هل يجد الطعام والماء؟ هل ينادي علينا، على أبويه؟”
ثم يسأل نفسه الأسئلة التي لا يستطيع التخلص منها:
“هل سقط جسده فريسة للكلاب الضالة؟ هل صرخ؟ هل نادى على أحد منا ليحميه؟ أم أن رصاصة مزقت جسده؟”
منذ اختفائه، يقول أحمد إنه ناشد المؤسسات الدولية والجهات المعنية لمعرفة مصير ابنه، لكنه لم يحصل على معلومات مؤكدة.
“لم أذق طعم النوم منذ فقدت ابني. كل ما أريده أن أعرف إن كان حيًا أم ميتًا حتى أرتاح.”
خرج بحثًا عن الطعام ولم يعد
في جنوب قطاع غزة، تعيش سوسن الرقب، 40 عامًا، مع أبنائها الستة.
بعد انفصالها عن زوجها، أصبحت تتحمل مسؤولية الأسرة وحدها. ومع الحرب والنزوح وانقطاع الرواتب، أصبحت الحياة أكثر صعوبة، خصوصًا خلال أشهر المجاعة.
كان ابنها الأكبر، أحمد أبو عواد، يساعدها في تحمل مسؤولية البيت رغم صغر سنه.
خلال فترة اشتداد الجوع، بدأ أحمد يذهب إلى مناطق المساعدات في موراج، حيث كان يعود أحيانًا ببعض المعكرونة والأرز والمعلبات التي يجدها ملقاة على الأرض.

تقول والدته إنه كان حذرًا بطبيعته ولا يحب المخاطرة.
في صباح 11 أغسطس 2025، خرج أحمد مرة أخرى.
تقول سوسن إنه كان يضحك وهو يغادر، وسألها إن كانت تريد شيئًا.
أجابته: “بدي سلامتك.”
قال لها إنه سيعود سريعًا.
لكنه لم يعد.
انتظرته حتى المساء، ثم ذهب شقيقاه للبحث عنه. وفي اليوم التالي، بدأت الأسرة تسأل الموجودين في منطقة المساعدات، فقيل لهم إن دورية وصلت في ذلك اليوم وأخذت مجموعة من الشبان.
بدأت سوسن رحلة البحث بين المستشفيات وثلاجات الموتى، وأبلغت الصليب الأحمر والدفاع المدني والشرطة ومنظمات أخرى.
لكن لا جثمان، ولا معلومة مؤكدة.
منذ ذلك اليوم، تذهب سوسن للسؤال عن ابنها كلما أُفرج عن أسرى.
“إذا متوفى، ربنا يرحمه ويتقبل عنده، وإذا أسير، ربنا يفك أسره.”
لكنها ما زالت تتمسك باحتمال أن يكون حيًا.
ولد أحمد في 3 سبتمبر 2009، وكان يبلغ 15 عامًا عندما اختفى.
حين يصبح الغياب سؤالًا بلا إجابة
تختلف طرق اختفاء هؤلاء الأبناء، لكن رحلة عائلاتهم بعد ذلك تبدو متشابهة.
بعض العائلات تبحث في المستشفيات، وبعضها في ثلاجات الموتى، وأخرى تنتظر أن يظهر اسم أحد أفرادها في قوائم الأسرى أو أن يأتي شخص أُفرج عنه بخبر عنه.
في الحرب، لا يعني فقدان الأثر أن العائلة تعرف ما حدث.
قد يكون الشخص تحت أنقاض مبنى لم تتمكن فرق الإنقاذ من الوصول إليه، أو جثمانًا لم يتم التعرف إليه، أو محتجزًا لم يُكشف عن مكانه، أو شخصًا انقطع الاتصال به ولم تصل أي معلومات عنه.
وهذا ما يجعل الانتظار مختلفًا عن الحزن.
فالعائلة لا تملك تأكيدًا يسمح لها بأن تبدأ الحداد، ولا خبرًا يمنحها الطمأنينة.
كم عدد المفقودين؟
لا توجد حتى الآن قائمة واحدة شاملة تحدد العدد الدقيق للمفقودين في قطاع غزة، بسبب حجم الدمار وصعوبة الوصول إلى مناطق كثيرة، إضافة إلى صعوبة التعرف على الجثامين وتوثيق حالات الاحتجاز.
كما تختلف التقديرات بين المؤسسات بسبب اختلاف تعريف “المفقود” والمنهج المستخدم في التوثيق.
فبعض الجهات تحصي الأشخاص الذين انقطع أثرهم ولم يُعرف مصيرهم، بينما تركز جهات أخرى على حالات الاختفاء القسري أو الأشخاص الذين يُعتقد أنهم ما زالوا تحت الأنقاض.
في يونيو 2026، قالت مؤسسة الضمير لحقوق الإنسان إن أكثر من 9,500 شخص ما زالوا مفقودين أو مجهولي المصير، بينهم نحو 4,700 امرأة وطفل. ووفق تقديرات المؤسسة، يُعتقد أن أكثر من 8,100 شخص قد يكونون تحت أنقاض المباني المدمرة.
وفي أغسطس 2026، نشر المركز الفلسطيني للمفقودين والمخفيين قسرًا دراسة استندت إلى 317 حالة موثقة أو مُبلغ عنها، وقدّر عدد الفلسطينيين الذين ربما تعرضوا للاختفاء القسري في غزة خلال الحرب بما بين 2,500 و3,000 شخص. وأكد المركز أن هذا الرقم لا يمثل جميع المفقودين.
أما في يوليو 2025، فقال خبراء أمميون إن نحو 4,000 فلسطيني، بينهم أطفال وكبار سن، ظلوا مفقودين منذ بداية الحرب، ودعوا إلى الكشف عن مصيرهم وأماكن وجودهم.
كما وثقت منظمة الدفاع عن الأطفال فلسطين في أغسطس 2025 اختفاء خمسة فتيان تتراوح أعمارهم بين 12 و16 عامًا أثناء بحثهم عن المساعدات في شمال غزة، وقالت إن عائلاتهم بحثت عنهم في المستشفيات وثلاجات الموتى دون العثور عليهم.
وتقول اللجنة الدولية للصليب الأحمر إن آلاف العائلات في غزة ما زالت تنتظر أخبارًا عن أحبائها المفقودين، بعضهم منذ بداية الحرب.
هذه الأرقام لا تصف ظاهرة واحدة تمامًا، ولا يمكن جمعها ببساطة للوصول إلى رقم إجمالي؛ لكنها تكشف حجم المجهول الذي تعيشه العائلات، وصعوبة معرفة أين انتهت حياة آلاف الأشخاص أو أين يوجدون.
انتظار لا ينتهي
بالنسبة إلى عائلات مثل عائلة سماح وأحمد وسوسن، لا ينتهي البحث عند فقدان الأثر.
إنه يبدأ من هناك.
فالموت، مهما كان قاسيًا، يحمل إجابة.
أما المجهول فيبقي العائلات معلقة بين احتمالين: أن يأملوا بعودة أحبائهم، وأن يخافوا في الوقت نفسه من أنهم رحلوا إلى الأبد.
في ألمانيا، ما زالت سماح تنتظر خبرًا عن عوض وحسن.
وفي غزة، ما زال أحمد يسأل عن جلال.
أما سوسن، فما زالت تنتظر أن تعرف ماذا حدث لأحمد.
أسئلة مختلفة، لكن انتظار واحد:
هل أبناؤهم أحياء أم أموات؟
شاركنا برأيك