مقال بوك
عبده فايد
عبده فايد

كاتب ومحلل

عبده فايد يكتب: دولة الصين قصة مذهلة

من دولة جيشها من الفلاحين الفقراء ضعيفي الكفاءة عام 1949، لإمبراطورية تحتكم على ثالث أكبر جيوش الأرض بعدد رؤوس نووية يتجاوز 600، و 3 حاملات طائرات ومليوني جندي

مشاركة:
حجم الخط:

من دولة كانت محتلّة من سبع قوى كبرى لمدة مائة عام عُرفت باسم قرن الذلّ، لأمة قومية موحّدة.

من أمّة كان حجم ناتجها الإجمالي عام 1978 قرابة 100مليار $، لدولة يتجاوز ناتجها القومي في 2026 حاجز ال 21 ألف مليار دولار.

من دولة جيشها من الفلاحين الفقراء ضعيفي الكفاءة عام 1949، لإمبراطورية تحتكم على ثالث أكبر جيوش الأرض بعدد رؤوس نووية يتجاوز 600، و 3 حاملات طائرات ومليوني جندي.

من شقيق صغير متمرد يعيش على معونات الاتحاد السوفياتي، حيث كانت الصين من الفقر لدرجة تسديد الديون لستالين بالبرتقال والبطاطس، لشقيق أكبر لروسيا، بيدها مفاتيح مدّ موسكو بالمحاربين من كوريا الشمالية، وباليد الأخرى رقبة موسكو النفطية، حيث تستحوذ بكين بمفردها عى 18 % من صادرات موسكو.

ومن دولة كانت أميركا ترفض وجودها في الأمم المتحدة حتى عام 1971، لأخرى يذهب إليها ترامب رفقة تريليون $ هي حجم رؤوس أموال كبريات الشركات الأميركية، ويتصرف على غير عادته القبيحة في التكبر اللفظي، ويقف مراعيًا كل حرف وهمهمة.

الصين الجديدة عكس الولايات المتحدّة

لا بل أولًا عكس الصين نفسها..صين ماو تسي تونج أمة القفزات السريعة والتحولات البنيوية الضخمة.

ثورة ثقافية ومجاعة مُدارة في سبيل الوهم وحروب فوق الطاقة القصوى في كوريا الشمالية وفيتنام.

إلى صين دينج شياو بينج شيوعية الحكم ورأسمالية الدولة.

منافسة الغرب بأدواته الاقتصادية والاحتفاظ بنمط شديد المركزية والقمع في حكم سُدس سكان العالم.

والحذر الشديد في التقدم خطوة للأمام.

لم تكسب الصين مترًا واحدًا بالبندقية.

وإنما بالاقتصاد وأخطاء الآخرين.

تترك الولايات المتحدة تحفر بيدها قبر إمبراطوريتها الوارفة.

من كابول لبغداد لأوكرانيا وانتهاءً بطهران

دين حكومي قياسي وهروب للتصنيع من شيكاغو لشينزن وظلال إمبراطورية عسكرية تفرط في الأدوات الخشنة لفقدان قدرتها على التأثير بنعومة نموذجها الحضاري، والصين تراقب، بحذر، وتنتظر فرصة تلو الأخرى للتمدّد حيث تفقد أميركا سطوتها.

من خطوط القطار العملاقة التي تربط بكين بمدريد ودويسبورج، لصعود متلكيء في أميركا اللاتينية، وصولًا لشراكة استراتيجية مع الجار الأميركي في كندا، وقبل كل ذلك هيمنة استثمارية قياسية في إفريقيا وآسيا.

ينتظر كثيرون أن تضرب الصين الأرض بسنابك الخيول ودانات المدافع لتحمي فنزويلا المتساقطة أو تدعم إيران الصامدة.

لا، ولن تفعل الصين أيًا من هذا.

الحد الأدنى من التدخل هو سياسة الصين منذ مؤتمر الحزب الشيوعي الأربعين عام 1978.

تدعم طهران بتقنيات برامج الملاحة في المسيرات، في تسهيل استخدام الأقمار الصناعية لتحديد الأهداف الأميركية في الخليج، وربما في منظومات للدفاع الجوي المحمولة كتفًا، لكنها لن تخسر سوقًا عملاقًا يربطها مع دول الخليج بقيمة 300 مليار $، ولن تتدخّل للحد الذي يُوصل المنطقة لمرحلة هدوء بانتصار قوة على حساب أخرى.

ليس انتصار إيران أو هزيمة الخليج هدفًا صينيًا، بل الإبقاء على حالة التوازن بين الجميع، للدرجة التي تدفع لاستدامة الخطر والأهم ديمومة التورّط الأميركي.

بقعة غير مستقرة في غرب آسيا، هي في الوقت ذاته فرصة للتمدد الصيني في شرق وجنوب شرق آسيا.

حلم الصين التاريخي وركن استراتيجيتها الكُبرى للتحول إلى قوة مهيمنة.

تعلم الصين أنها مُحاصرة بقوة أميركية بحرية هائلة في الباسيفيك، ونقاط تمركز أميركية في تايوان واليابان وكوريا الجنوبية.

حصار مُطبق لا يؤدي لإغلاق مضائق أو إطلاق معارك، لكنه شرط مُعطّل للصعود الصيني.

لا مكان لأن تُصبح أي أمة قوة إمبراطورية دون بسط سيادتها على تخومها الضيقة.

والصين ما تزال بعيدة عن ذلك الهدف، ولا سبيل لبلوغه سوى بالإنهاك الأميركي وتفكّك الشراكات الاستراتيجية تدريجيًا.

وليس هناك على وجه الأرض من رئيس أميركي أغبى من ترامب، يُبدد القوة الأميركية في معارك خاسرة في إيران، ثم يخسر حلفاءه تدريجيًا من أوروبا إلى آسيا.

زمن اللايقين الأمريكي هو مكسب الصين الأكبر.

الصين أكبر مستثمر ناجح في الأزمات.

عندما انهارت روسيا يلتسين، ووقعت فريسة لاستغلال الغرب المتعجرف الذي رفض حتى ضم روسيا لمنظومته العسكرية والأمنية سوى بشروط استسلام وإفقار، تقدّمت الصين ببطء، وعالجت الخصام الشيوعي المديد مع موسكو إبان حقبة ماو-خورتشوف.

استعادت 4000 كم من حدودها وحصلت على مزيد من التقنية العسكرية الروسية لقاء 500 مليون $ فقط من المنح والقروض، ووضعت بذلك أساس الشراكة الاستراتيجية الأكبر في تاريخ البلدين.

عندما وقعت الأزمة المالية العالمية دخلت بقوة فوائضها من الاحتياطي الدولاري المُقدّر بأربعة تريليونات لتستحوذ على الموانيء الكبرى في بيريوس اليونانية وتقيم خطوط السكك الحديدية في المجر وصربيا، وتستحوذ على أصول في إسبانيا وألمانيا وفرنسا.

عندما عانت إيطاليا من أزمة الدين الحكومي في عام 2018 تسرّبت الأموال الصينية من الشقوق الأوروبية لتضم إيطاليا لمبادرة الحزام والطريق كأول اقتصاد من القوى السبعة الكبرى ينصاع للحلم الصيني في السيطرة على خطوط الشحن البحري والبري في العالم.

وحين تعرضت روسيا لعزلتها الأقسى بعد حرب أوكرانيا، فتحت بكين الطريق لموسكو لتجاوز الحصار.

نفط وسلع وزيارات وشراكات فوق شراكات.

تكسب الصين الكل الغرب ،والشرق، لا عداوات، فقط مصالح، والأهم أنها تتجاوز الحصار الأميركي في الشرق لحصار المصالح الأميركية في العالم بأسره.

أينما وضعت أميركا دولارًا تضخ الصين إثنين، وحيث تتراجع واشنطن خطوة تتقدم بكين شبرين، حتى وصلت إلى كندا، أخص الدوائر الأميركية تاريخيًا.

واليوم بالقليل الذي تقدمه لطهران، ستجني مكاسب في قطاع النفط بعد التسوية الإيرانية -الأميركية، والأهم في ديمومة خطوط التجارة البديلة من باكستان لطهران وصولًا لغرب آسيا، مقابل الحلم الأميركي-العبري- الإماراتي-الهندي بخط نيودلهي-أراضينا المحتلّة..

الصين فعلًا قصة مدهشة.

هذه الصورة في ذاتها دليل على تحول سحيق في موازين القوى الدولية خلال الربع قرن الأخير.

الصين التي كانت خاضعة في نهاية التسعينات لعقوبات أميركية – كدولة عالم ثالث – بسبب أحداث الميدان السماوي.

ها هي اليوم تستقبل ترامب العاجز عن مواجهتها في حروبه التجارية الرثّة، فلم يجد بدًا سوى اتفاق لن يفعل شيئًا سوى توفير مساحة إضافية للصعود الصيني.

ولا يملك المرء سوى التساؤل المستمر لماذا لم يفعل العرب شيئًا؟

لماذا الصين ولماذا نحن؟

أقنع العرب أنفسهم لأمد طويل أن تخلفهم أمر مفروض عليهم، جزء من الأمر صحيح بسبب وضع شرط هيكلي لاستدامة التخلف العربي وهو الكيان اللقيط.

لكن الجزء الأكبر أن التخلف العربي قرار ذاتي محض وهو ماكشفته حرب إيران بجلاء.

اختار العرب التسليم الكامل للوجود الأميركي دون محاولة اختبار كلفة التمرد.

إيران القوة التي بالتأكيد تقل في إمكاناتها عن العرب مجتمعين كسرت تلك الصيغة.

صنعت برنامج نووي على عتبة القنبلة، طورت نظم صاروخية تستطيع النفاذ لما فوق غلاف 2000 كم، وناورت بورقة الجغرافيا في عرض أسطوري لمدة 3 أشهر أمام الإمبراطورية الأميركية العاجزة عن الحسم بالحرب في وجه دولة مُحاصرة منذ أربعين عاما.

في حين اختار العرب نموذج التنمية البلورية المبنية على الناطحات وال ‘‘غوازي‘‘ الراقصات أمام ترامب ومهرجانات الترفيه والصفقات المليارية مع العدو وإسباغ الألقاب الفخرية على ترامب المنبوذ حتى من حلفائه.

الهزيمة العربية الداخلية هي الشرط الأزلي للتخلف قبل حتى ورقة الكيان التي مهما توحّشت فقد تبدّى عجزها عن مواجهة ألفي محارب من القطاع ليلة السابع، والترسانة الصاروخية الإيرانية لدرجة الاستعانة بأميركا لأول مرة في التاريخ من أجل حسم حرب شرق أوسطية، وتفشل رغم ذلك..

ولا..ألف لا..

ليس العالم مكانًا ورديًا حيث تنتظر المخلص الصيني ليقلص من النفوذ الأميركي فتنفتح للعرب بوابات التقدم والسيادة.

حين تصعد الصين كقوة حاكمة، وسيأتي أوانها قبل نهاية القرن، سيكون هناك ثمة عربي ما..ينتظر بزوغ قوة جديدة تردع الطموح الصيني في أرضه..

نفس التكرار لعجلة التاريخ.

يستنجدون بالإنجليز للخلاص من الأتراك، وبالسوفييت لموازنة الأميركيين، وبالأميركيين لدرع الأفكار الحمراء، وبالأميركيين لمعاقبة إيران.

وبأي أحد ضد أي شخص.

وسوف يتكرر الأمر مع الصين.

لا شك..ليست هناك إمبرطوريات طيبة، تنثر الورود وتوزع الاستثمارات وتترك الشعوب لمصيرها.

حلم ينتمي لحدقات باربي الحالمة ووجوه الماتريوشكا الملوّنة.

ستنهشك الصين كما نهشتك أميركا

وستدفع ثمن الصعود الإمبراطوري من نفطك وجازك وممرات ملاحتك.

لأن العربي ينتظر ما لن يأتي أبدًا

يخون أشقائه ويتحالف مع أعدائه ويسلّم مقدراته.

يختار كل المسارات، أسوأها وأوضعها، إلا أن يكون مع العرب.

إلا أن يبني لنفسه موقعًا يتجاوز دورات الخيانة والقمع الداخلي الهائل لصالح استدامة شبكات نفعية من علاقات السلطة بالأوليجاركيات المحلية وقوى الاستعمار.

من حولهم القريب يصعد الكلّ، عبري وإيراني وتركي، ومن جوارهم البعيد يتصارع الكبار أميركيون وصينيون وروس، بينما هم على حالهم.

شراذم، مستعمرات أميركية ذاتية.

تنتظر دورة التاريخ لتبدّل العلم الذي تعبده والقائد الذي تطيعه..ثم يرقصون.

ينظمون القصائد ويكيلون المديح لسلاطينهم ويتغنون بانتصارات لم تراها سوى أعينهم..وبعدها يرقصون.

من جديد يرقصون.

وهل يُرجى خيرُ من قوم كهؤلاء؟

لن يكون !

شارك المقال: