تقارير

تقرير: إسرائيل تتخلص من أوسلو لاحتلال الضفة الغربية

يرى محللون وسياسيون فلسطينيون أن "إسرائيل" تخلت فعليًا منذ سنوات عن التزاماتها الواردة في الاتفاق، عبر التوسع الاستيطاني، وتقويض صلاحيات السلطة الفلسطينية

مشاركة:
حجم الخط:

إعادة صياغة واقع الضفة

تتسارع الدعوات السياسية والحزبية داخل الاحتلال الإسرائيلي لإلغاء اتفاق أوسلو وملحقاته، في خطوة يرى مراقبون أنها لا تعكس تحولًا مفاجئًا بقدر ما تمثل إعلانًا رسميًا عن مسار قائم منذ سنوات.

فالحكومة الإسرائيلية، ولا سيما أحزاب اليمين المتطرف، باتت تتعامل مع الاتفاق بوصفه عبئًا سياسيًا لم يعد يخدم المشروع الإسرائيلي القائم على تكريس السيطرة الكاملة على الأراضي الفلسطينية، وتوسيع الاستيطان، ومنع قيام دولة فلسطينية مستقلة.

ويرى محللون وسياسيون فلسطينيون أن “إسرائيل” تخلت فعليًا منذ سنوات عن التزاماتها الواردة في الاتفاق، عبر التوسع الاستيطاني، وتقويض صلاحيات السلطة الفلسطينية، وفرض وقائع ميدانية أفرغت “حل الدولتين” من مضمونه.

كما يعتبرون أن تصاعد الحديث الإسرائيلي عن إلغاء أوسلو يمثل محاولة لإعادة صياغة المشهد السياسي والأمني في الضفة الغربية بما ينسجم مع مشروع الضم والهيمنة الكاملة.

وقال الأمين العام لحركة المبادرة الوطنية الفلسطينية، مصطفى البرغوثي:

إنّ إعلان الحكومة الإسرائيلية نيتها مناقشة إلغاء اتفاق أوسلو وملحقاته يكشف بصورة واضحة ما وصفه بـ”الوجه الحقيقي لإسرائيل”، مؤكدًا أن المشروع الإسرائيلي لم يتغير منذ توقيع الاتفاق، بل استند منذ البداية إلى توظيف العملية السياسية لخدمة أهداف التوسع والسيطرة على الأرض الفلسطينية.

وأوضح البرغوثي، خلال لقاء خاص مع وكالة  “قدس برس”

أن اتفاق أوسلو، الذي وُقّع في تسعينيات القرن الماضي، تضمن ثغرات جوهرية وخطيرة، أبرزها عدم اشتراط الوقف الكامل للاستيطان الإسرائيلي، الأمر الذي سمح لحكومات الاحتلال بمواصلة التوسع الاستيطاني بوتيرة متسارعة خلال سنوات التفاوض.

وأضاف أن قوى وطنية فلسطينية حذّرت منذ البداية من أن “إسرائيل” والحركة الصهيونية تتعاملان مع الاتفاقيات بوصفها أدوات مرحلية لإعادة تشكيل ميزان القوى على الأرض، وليس باعتبارها مدخلًا حقيقيًا لإنهاء الاحتلال أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

الهدف المركزي للاحتلال ضم أراضي فلسطينية 

وأشار البرغوثي إلى أن السياسات الإسرائيلية المتعاقبة أثبتت عمليًا أن الهدف المركزي للاحتلال كان، ولا يزال، يتمثل في ضم الأراضي الفلسطينية المحتلة وفرض الوقائع الاستيطانية وتهويدها، بما يمنع أي إمكانية حقيقية لقيام دولة فلسطينية ذات سيادة.

واعتبر أن الحكومة الإسرائيلية الحالية لم تأتِ بسياسة جديدة، بل عبّرت بصورة أكثر وضوحًا وصراحة عن توجهات راسخة داخل المؤسسة السياسية الإسرائيلية.

إسرائيل ألقت أوسلو في القمامة 

وأضاف أن “إسرائيل” ألقت اتفاق أوسلو في “سلة المهملات” منذ سنوات طويلة، من خلال ممارساتها اليومية على الأرض، سواء عبر توسيع الاستيطان أو تكريس نظام السيطرة العسكرية والاقتحامات والحصار، مشيرًا إلى أن الحديث اليوم عن إلغاء الاتفاق رسميًا ليس سوى اعتراف متأخر بواقع فرضته إسرائيل عمليًا منذ زمن.

إسرائيل تسقط عملية السلام 

وأكد البرغوثي أن المواقف الإسرائيلية الأخيرة تُسقط، وفق تعبيره، كل الادعاءات المتعلقة بالالتزام بما يسمى “عملية السلام” أو “حل الدولتين”، بعدما باتت الحكومة الإسرائيلية تعلن بشكل مباشر رفضها قيام دولة فلسطينية مستقلة.

وشدد على أنه لم يعد مقبولًا أن يواصل المجتمع الدولي التمسك بخطاب المفاوضات دون اتخاذ خطوات عملية، معتبرًا أن استمرار الإفلات الإسرائيلي من المحاسبة شجّع الاحتلال على المضي في سياساته.

ودعا البرغوثي إلى فرض عقوبات دولية ومقاطعة شاملة على إسرائيل، على غرار ما جرى مع أنظمة الفصل العنصري في العالم،

مؤكدًا أن ما ترتكبه إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني من حرب وتدمير وقتل جماعي يستوجب مواقف دولية أكثر صرامة، بدلًا من الاكتفاء ببيانات الإدانة أو الدعوات السياسية التقليدية التي لم تعد، بحسب رأيه، قادرة على وقف الانتهاكات أو تغيير سلوك الاحتلال.

تقنين واقع قائم

بدوره، قال الكاتب والمحلل السياسي سامر عنبتاوي إنّ الطروحات الإسرائيلية الأخيرة المتعلقة بإعلان انتهاء اتفاق أوسلو لا تعكس تحولًا جديدًا في الموقف الإسرائيلي، بقدر ما تمثل محاولة لإضفاء طابع رسمي على واقع قائم منذ سنوات.

وأوضح في حديثه الخاص لـ”قدس برس”

أن الاحتلال الإسرائيلي تعامل عمليًا مع اتفاق أوسلو باعتباره اتفاقًا منتهيًا، مستفيدًا فقط من البنود التي تخدم مصالحه الأمنية والسياسية، في حين تجاهل الالتزامات الأخرى المرتبطة بالحقوق الفلسطينية والاستحقاقات السياسية.

وأضاف عنبتاوي أن النقاش الدائر داخل الأحزاب الإسرائيلية لم يعد يتمحور حول ما إذا كان اتفاق أوسلو قد انتهى أم لا، لأن هذا الأمر – بحسب تقديره – حُسم فعليًا على الأرض، وإنما يدور حول التوقيت والطريقة المناسبة لإعلان “شهادة الوفاة” الرسمية للاتفاق.

وأشار إلى وجود تباين داخل التيارات الإسرائيلية بشأن شكل المرحلة المقبلة

حيث يدفع تيار اليمين المتطرف، الذي يمثله وزراء وشخصيات مثل إيتمار بن غفير وبتسلئيل سموتريتش، نحو إنهاء السلطة الفلسطينية بشكل كامل وإعادة فرض الاحتلال المباشر على الأراضي الفلسطينية.

وبحسب عنبتاوي، فإن تيارًا آخر داخل المؤسسة الإسرائيلية يرى أن من الأفضل تأجيل الإعلان الرسمي عن إنهاء الاتفاق إلى حين استكمال الاستفادة من حالة الضعف والانهيار التي تعاني منها البنية السياسية والاقتصادية الفلسطينية، بما يضمن لإسرائيل تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب قبل الانتقال إلى أي مرحلة جديدة.

وأكد عنبتاوي أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق فقط بالموقف الإسرائيلي، بل أيضًا بحالة الجمود السياسي الفلسطيني، معتبرًا أن القيادة الفلسطينية ما زالت متمسكة بخيار أوسلو رغم الانهيار التدريجي الذي أصاب الاتفاق على أرض الواقع.

وأضاف: “الفلسطينيون أحرقوا السفن وبقوا أسرى لهذا المسار السياسي، في وقت باتت فيه إسرائيل نفسها تتعامل مع الاتفاق باعتباره بلا قيمة فعلية، الأمر الذي يفرض ضرورة إعادة تقييم شاملة للخيارات والاستراتيجيات الفلسطينية في المرحلة المقبلة”.

خطأ تاريخي

من جهته، رأى الكاتب والمتخصص في الإعلام الإسرائيلي محمد أبو علان أن مشروع قانون إلغاء الاتفاقيات الموقعة مع السلطة الفلسطينية، وعلى رأسها اتفاق أوسلو واتفاقا الخليل وواي ريفر الموقع عام 1998، لا يُعد خطوة جديدة، بل يندرج ضمن النهج السياسي الذي تتبناه حكومة بنيامين نتنياهو وتحالف اليمين المتطرف منذ تشكيلها.

وأوضح، في حديثه لـ”قدس برس”

أن أطرافًا في الحكومة اعتبرت منذ البداية أن اتفاقيات أوسلو تمثل “خطأً تاريخيًا” يجب التخلص منه، إلى جانب السعي لإضعاف السلطة الفلسطينية وتقويض دورها.

ولفت أبو علان إلى أن الخطاب الداعي إلى حل السلطة الفلسطينية وإلغاء الاتفاقيات لم يتوقف خلال السنوات الأخيرة، بل تصاعد بشكل ملحوظ، مترافقًا مع دعوات لحل الأجهزة الأمنية الفلسطينية أيضًا.

وأشار إلى أن جهات إسرائيلية تروج لرواية مفادها أن السلطة الفلسطينية قد تشكل تهديدًا أمنيًا مستقبليًا، مستندة إلى مزاعم تتعلق بحجم الأجهزة الأمنية الفلسطينية وتسليحها، وادعاءات بأنها تتجاوز المهام الشرطية المنصوص عليها في الاتفاقيات.

وبيّن أبو علان أن مقدمي مشروع القانون يحاولون الربط بين الاتفاقيات السياسية الموقعة والواقع الأمني الحالي، عبر الادعاء بأن اتفاقيات أوسلو كانت سببًا في تدهور الوضع الأمني، وأنها مهّدت – بحسب روايتهم – للأحداث التي شهدتها المنطقة في السابع من تشرين الأول/أكتوبر 2023.

وفي السياق ذاته، قال أبو علان إن مسؤولين في مجلس المستوطنات صعّدوا من لهجتهم تجاه السلطة الفلسطينية، إذ دعا بعضهم إلى إعادة السيطرة الإسرائيلية الكاملة على مناطق (أ) و(ب)، مع توجيه اتهامات مباشرة للأجهزة الأمنية الفلسطينية واعتبارها ذات طابع عسكري لا شرطي.

ويرى أبو علان أن إعادة طرح هذا الملف في هذا التوقيت ترتبط أيضًا بالحسابات السياسية الداخلية في إسرائيل، خصوصًا مع اقتراب الانتخابات، حيث تسعى أحزاب اليمين المتطرف إلى استقطاب مزيد من الأصوات عبر تبني خطاب متشدد تجاه السلطة الفلسطينية واتفاقيات التسوية.

وأكد أن خطورة هذا الطرح لا تكمن فقط في الجانب السياسي، بل في تداعياته العملية على الأرض، موضحًا أن إلغاء اتفاق أوسلو يعني عمليًا إنهاء الاعتراف الرسمي بالسلطة الفلسطينية، وما يترتب على ذلك من تداعيات قانونية وإدارية تمس تقسيمات مناطق الضفة الغربية (أ، ب، ج)، باعتبار أن هذه التصنيفات تستند أساسًا إلى الاتفاقيات التي يجري الحديث عن إلغائها.

وختم بالقول: “أي خطوة من هذا النوع ستنعكس بصورة مباشرة على مختلف القطاعات السياسية والأمنية والإدارية في الأراضي الفلسطينية”

 

شارك المقال: