مقالات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

قمة بكين:هل تبيع الصين طهران مقابل صفقة القرن التجارية؟

لم تعد القمة مجرد لقاء دبلوماسي، بل تحولت إلى "غرفة عمليات" اقتصادية يسعى فيها الطرفان لخفض "علاوة المخاطر" التي أثقلت كاهل الأسهم الصينية والأسواق الإقليمية طوال الأشهر الماضية

مشاركة:
حجم الخط:

قمة بكين 2026: ترامب وشي فوق صفيح إيراني ساخن

تتجه أنظار العالم يومي 14 و15 مايو 2026 نحو “المدينة المحرمة” في بكين، حيث يحل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب ضيفاً على نظيره الصيني شي جين بينغ.

تأتي هذه الزيارة في وقت حساس للغاية؛ فبينما تترقب الأسواق العالمية انحسار التوترات الجيوسياسية، تبرز الحرب الإيرانية كعنصر ضغط رئيسي يهدد بإعادة رسم خريطة التحالفات الدولية.

ولم تعد القمة مجرد لقاء دبلوماسي، بل تحولت إلى “غرفة عمليات” اقتصادية يسعى فيها الطرفان لخفض “علاوة المخاطر” التي أثقلت كاهل الأسهم الصينية والأسواق الإقليمية طوال الأشهر الماضية.

محمد فؤاد يكتب: وداعا أمير الشجن النبيل

د. محمد فؤاد يكتب: ميلانيا ترامب في دائرة الضوء

أجندة “الفرصة الأخيرة”: محاولة تفكيك إرث من الصدام التاريخي

لا يمكن قراءة أجندة هذه الزيارة بمعزل عن تاريخ طويل من “كسر العظم” بدأه ترامب في ولايته الأولى عام 2018، حين أطلق شرارة أكبر حرب تجارية في العصر الحديث.

فمنذ فرض الرسوم الجمركية على سلع بقيمة 360 مليار دولار، مروراً بأزمة “هواوي” و”تيك توك”، وصولاً إلى التوترات العسكرية في مضيق تايوان، ظلت العلاقة بين واشنطن وبكين رهينة لسياسة “الضغوط القصوى”.

تؤكد التقارير الواردة من “مجلس العلاقات الخارجية” (CFR) ومصادر في “تشونغ نان هاي” (مقر القيادة الصينية) أن المحادثات ستتجاوز البروتوكول لتقتحم ملفات شديدة التعقيد:

 معضلة الرسوم الجمركية واليقين التجاري:

يبلغ متوسط الرسوم الجمركية الأمريكية الحالية على البضائع الصينية نحو 22% وفقاً لتقديرات “جيه بي مورغان تشيس”.

ويعد السيناريو الأفضل للأسواق هو بقاء هذه النسب كما هي دون تصعيد إضافي، وهو ما سيؤدي – في حال حدوثه – إلى تحسين الرؤية للمصدرين الصينيين وتقليل مخاطر سلاسل الإمداد.

 أمن الطاقة والمعادن النادرة:

الصين “الرقم الصعب” في معادلة الطاقة والتكنولوجيا العالمية؛ فهي تستحوذ على أكثر من 70% من الإمدادات العالمية للعناصر الأرضية النادرة.

ويسعى ترمب لتأمين شحنات هذه المعادن، بينما يربط شي جين بينغ تدفقها بتأجيل القيود الأمريكية على وصول الصين إلى التكنولوجيا المتقدمة.

 المشتريات الكبرى:

تتضمن الأجندة مناقشة صفقات ضخمة تشمل فول الصويا، والطاقة، وطائرات “بوينغ”، لتقليص العجز التجاري الأمريكي، وهي الورقة التي يستخدمها ترمب دائماً للضغط في ملفات سياسية أخرى.

سيناريوهات “الحرب على إيران” على طاولة المفاوضات

تعد الصين أكبر شريك تجاري لإيران والمشتري الرئيسي لنفطها، وهو ما يضعها في مواجهة مباشرة مع العقوبات الأمريكية المشددة على المصافي الآسيوية.

ويرى المحللون بقيادة كبير اقتصاديي الصين في “جيه بي مورغان”، فنغ تشو، أن هناك مصلحة مشتركة قوية في الوصول لتسوية سريعة للصراع في الشرق الأوسط وإعادة فتح مضيق هرمز.

 السيناريو الأول: “المقايضة الاستراتيجية” (فرص النجاح 45%):

يصل ترامب وبحوزته ملف “عملية الغضب الاقتصادي” (Operation Economic Fury)؛ وهي خطة تهدف لتجفيف منابع التمويل الإيراني بالكامل.

يطالب ترامب بكين بوقف فوري وشامل لاستيراد النفط من طهران، والذي يمر عبر “الأسطول الشبح”.

في المقابل، ترفض الصين هذا الإملاء، وتعتبر حماية مصافيها “المستقلة” التي تؤمن احتياجاتها الطاقية خطاً أحمر سيادياً، مقايضةً ذلك بخفض ملموس في التعرفات الجمركية التي أثقلت كاهل الصادرات الصينية وأن يوافق شي جين بينغ على ممارسة ضغوط قصوى على طهران لتهدئة الجبهة العسكرية مقابل إعفاء شركات التكنولوجيا الحيوية الصينية (مثل ووشي بيولوجيكس) من ضغوط “قانون الأمن الحيوي” الأمريكي، وتخفيف الرسوم على السيارات الكهربائية.

 السيناريو الثاني: “انفراجة تكنولوجية هشة” (فرص النجاح 30%):

مقترح “مجلس التجارة” (Board of Trade): صفقة كبرى أم هدنة مؤقتة؟
يسعى ترامب لاستبدال نظام الرسوم العشوائية بـ “ميثاق تجاري مؤسسي”

يتضمن العرض الأمريكي شرطاً يقضي بشراء الصين لـ 500 طائرة بوينج وتنشيط صادرات الصويا من الولايات الوسطى الأمريكية، مقابل سماح واشنطن لشركات السيارات الكهربائية الصينية العملاقة مثل (BYD) و(Xiaomi) بدخول السوق الأمريكي بشروط تفضيلية، وهو ما يمثل تحولاً جذرياً في سياسة “الحماية التجارية” الأمريكية.

ويقترح محللو “جيفيريز فاينانشال غروب” إمكانية سماح واشنطن بتصدير أدوات إنتاج رقائق 14 نانومتراً و7 نانومترات المتقدمة للصين، أو منح إعفاءات لشركات مثل “هوا هونغ سيميكونداكتور” مقابل تعاون صيني استخباري أو لوجستي لتطويق النفوذ الإيراني.

 السيناريو الثالث: “الصدام الهيكلي” (فرص النجاح 25%):

يمثل ملف التكنولوجيا العقدة الأكثر تشابكاً؛ حيث تضغط واشنطن لانتزاع “بروتوكول ملزم” بشأن حوكمة الذكاء الاصطناعي، يضمن عدم تسريب الخوارزميات الحساسة أو الرقائق المتطورة إلى إيران لاستخدامها في تطوير المسيرات أو الأنظمة الدفاعية.

بكين من جهتها، تنظر إلى هذه المطالب بوصفها “حصان طروادة” يهدف لتقييد صعودها التكنولوجي وحرمانها من قيادة الثورة الصناعية الرابعة.

إذا فشلت القمة في تحقيق يقين سياسي، فإن التقلبات ستعود لتضرب الأسهم المحلية الصينية، خاصة مع استمرار التنافس على الهيمنة في مجال الذكاء الاصطناعي ورفض بكين لمنع صفقات تقنية كبرى مثل استحواذ “ميتا” على شركة “مانوس”

توقعات الخبراء والأسواق

يشير كريستوفر هاميلتون من شركة “إنفيسكو” إلى أن نجاح القمة سيمثل دفعة إضافية للأسهم الصينية التي تخلفت عن نظيراتها في آسيا.

ومع تراجع الدولار وتزايد التفاؤل بشأن قوة اليوان، تظل العيون شاخصة نحو ما إذا كان الزعيمان سيتمكنان من نزع فتيل “نقاط الاختناق” في مضيق هرمز ومراكز إنتاج الرقائق.

بينما يرى البعض أن القمة مجرد محاولة لتهدئة التوترات التجارية، إلا أن الحقيقة تكمن في أن النفط الإيراني والمعادن الصينية النادرة أصبحا “عملة المقايضة” الجديدة.

تعليقاً على الزيارة، تقول “وي تينغ سونغ” الباحثة في الشؤون الآسيوية، إن ترامب يعول كثيراً على علاقته الشخصية مع “شي”، لكنها تحذر من أن “بكين لم تعد لديها أوهام بشأن وعود ترامب”

في الداخل الصيني، تضج منصات التواصل مثل “ويبو” بحالة من “البرود القومي”، حيث يرى المحللون الصينيون أن ترامب يستخدم “دبلوماسية التهديد” لانتزاع مكاسب اقتصادية.

نجاح الزيارة سيعتمد على مدى قدرة ترمب على تقديم “صفقة قرن” تجارية توازي في قيمتها الاستراتيجية تخلي الصين عن دعمها المطلق لطهران، في وقت لا يحتمل فيه الاقتصاد العالمي أي إغلاق جديد لممرات التجارة الدولية.

شارك المقال: