معتز منصور يكتب: هندسة النجاة لا كسر الهيمنة
باكستان دولة على حافة ضغط نقدي متصاعد، احتياطيات محدودة، واستحقاقات دين عاجلة، أبرزها 3.5مليارات دولار لصالح الإمارات العربية المتحدة. في هذا المستوى، لا مجال للخطاب السياسي، بل نحن أمام معادلات قاسية

صورة من شوارع إسلام باد (وكالات)
ما يبدو في ظاهره حزمة دعم مالي عاجلة بقيمة خمسة مليارات دولار لصالح باكستان، يخفي خلفه مشهدا أكثر تعقيدا، لا يمكن اختزاله في معادلة “إنقاذ اقتصادي” ولا في سردية “صراع خليجي” خالص. نحن أمام لحظة تقاطع بين إدارة أزمة سيولة حادة، ومحاولات ضبط النفوذ داخل المجال الخليجي، واستثمار باكستاني ذكي في هوامش التناقض دون الانزلاق إلى كسر التوازن. الأزمة في أصلها واضحة، دولة على حافة ضغط نقدي متصاعد، احتياطيات محدودة، واستحقاقات دين عاجلة، أبرزها 3.5 مليارات دولار لصالح الإمارات العربية المتحدة. في هذا المستوى، لا مجال للخطاب السياسي، بل نحن أمام معادلات قاسية، إما تدفقات مالية سريعة، أو تآكل في الاحتياطي يفتح الباب أمام اهتزاز العملة وربما تعثر في السداد. لذلك، فإن أي قراءة تتجاهل هذا الأساس، وتقفز مباشرة إلى تفسير سياسي صرف، تقع في تبسيط مخل. لكن، في المقابل، لا يمكن التعامل مع طلب أبوظبي بالسداد الفوري بوصفه إجراء ماليا محايدا تماما. فالأدوات المالية في الإقليم لم تعد منفصلة عن حسابات النفوذ. القدرة على فرض إيقاع السداد، أو تأجيله، أو إعادة جدولته، باتت جزءا من “التحكم الائتماني” الذي يمنح الدولة الدائنة هامشا للتأثير في خيارات الدولة المدينة. هنا، يظهر البعد الذي التقطته القراءة الناقدة، وإن كانت قد بالغت في تعميمه.
التدخل المتزامن من السعودية وقطر، لا يمكن عزله عن هذا السياق. لكنه أيضا لا يصل إلى مستوى “كسر الهيمنة الإماراتية” كما قد يوحي التفسير المتسرع. ما يجري أقرب إلى إعادة توزيع للضغط، لا إزالته. فالدعم الخليجي، سواء عبر ودائع أو تسهيلات نفطية، لا يلغي التزامات باكستان، بل يمنحها وقتا لإدارتها دون الانهيار. هنا تحديدا تتشكل المفارقة، الإمارات العربية المتحدة تضبط الإيقاع من خلال طلب السداد، بينما السعودية وقطر توفران شبكة أمان تمنع الانفجار. ظاهريا، يبدو الأمر تناقضا، لكنه في العمق يعكس نمطا خليجيا جديدا، تنافس مضبوط بسقف الاستقرار. لا أحد يسعى فعليا إلى إسقاط باكستان، لكن كل طرف يسعى إلى تثبيت موقعه داخل معادلة التأثير عليها. ضمن هذه المعادلة، لا تقف إسلام آباد موقع المتلقي السلبي. على العكس، سلوك حكومة شهباز شريف يكشف عن إدارة واعية للأزمة، طلب توسيع الودائع، تمديد تسهيلات النفط، والانفتاح على قنوات متعددة قبل استحقاقات مالية دولية، كلها مؤشرات على محاولة تحويل التنافس، إن وجد، إلى رافعة تفاوضية. باكستان هنا لا تُدار، بل تفاوض، وإن من موقع هش.
غير أن هذا الهامش الباكستاني يظل محدودا بسقف بنيوي قاس، الاقتصاد ذاته. الاعتماد المزمن على الاستيراد، خصوصا الطاقة، والعجز المزمن في الحساب الجاري، يجعل أي دعم خارجي، مهما بلغ حجمه، مجرد أداة تأجيل. ولهذا، فإن الحضور غير المعلن لـ صندوق النقد الدولي في خلفية المشهد، يظل العامل الحاسم. فالدعم الخليجي، في جوهره، لا يستبدل الصندوق، بل يحسن شروط التفاوض معه، أو يؤجل لحظة الخضوع لشروطه.
الزاوية التي تستحق التوقف، ليست فقط في من يدفع، بل لماذا يدفع الآن. التوقيت يرتبط بتوترات إقليمية، وارتفاع كلفة الطاقة، وحساسية الموقع الباكستاني بين آسيا الوسطى والخليج. أي اهتزاز حاد في باكستان، لن يبقى محصورا داخل حدودها. من هنا، يصبح “الإنقاذ” ضرورة جماعية، حتى لو اختلفت دوافعه. لكن، وهنا بيت القصيد، هذا النمط من الإنقاذ يحمل في داخله بذرة أزمته. كلما تم تأجيل الانفجار عبر ضخ السيولة، تراجعت حوافز الإصلاح العميق. وكلما تعزز الاعتماد على الخارج، تقلصت القدرة على إنتاج استقرار ذاتي. باكستان لا تخرج من الأزمة، بل تديرها على إيقاع المانحين.
الخلاصة أن المشهد ليس صراعا خليجيا مباشرا، ولا دعما اقتصاديا بريئا، بل عملية معقدة من “هندسة النجاة”. الإمارات تضغط، السعودية وقطر توازن، وباكستان تناور. وفي المنتصف، اقتصاد يشتري الوقت، دون أن يشتري الخروج. السؤال الذي يبقى معلقا، إلى متى يمكن تحويل الوقت إلى بديل عن الحل؟






