د. أيمن منصور ندا يكتب: علاج السيطرة بمزيد من السيطرة
يعرف التقرير أنَّ الأزمة ليست تقنية في جوهرها، بل سياسية ومهنية ومؤسسية، ومع ذلك، حين ينتقل من الاعتراف بالأزمة إلى وصف العلاج، لا يغادر منطقها!

قراءة في تقرير لجنة تطوير الإعلام المصري (4- 12)
عن تقرير يريد تحرير الإعلام بالخيوط نفسها التي قيدته
“وداوني بالتي كانت هي الداء”؛ لا تبدو شطرة “أبو نواس”
هنا مجرد استعارة بلاغية، بل مفتاحاً دقيقاً لقراءة أحد أخطر تناقضات تقرير اللجنة الرئيسية لتطوير الإعلام المصري.
فالتقرير يبدأ من تشخيص شجاع نسبياً
يعترف فيه بأنَّ الإعلام المصري تضرَّر من “سياسات السيطرة والاحتكار وهيمنة الصوت الواحد”
أنَّ هذه السياسات أفقدت الرسالة الإعلامية عناصر قوتها الأساسية:
“التوازن، والمصداقية، والفاعلية”.
كما يقر بأنَّ الإعلام يعاني “انخفاضاً حاداً في سقف الحريات”
وأنَّ هذا التقييد لم يضر المهنية والمصداقية فقط، بل أضر الدولة نفسها؛ لأنها لم تستطع عبر إعلامها أن تنقل سرديتها إلى الجمهور.
هذا تشخيص مهم
بل ربما هو أهم ما في التقرير كله.
فالتقرير، هنا، لا يناور كثيراً حول أصل المرض
فهو يعرف أنَّ الجمهور لم يهجر الإعلام المصري لأنَّه لا يجد منصة حديثة، أو تطبيقاً جذاباً، أو مشغل فيديو وطنياً، بل لأنَّه فقد الثقة في الرسالة، وفي مصدرها
وفي الحدود المرسومة لما يجوز قوله وما لا يجوز.
يعرف التقرير أنَّ الأزمة ليست تقنية في جوهرها، بل سياسية ومهنية ومؤسسية، ومع ذلك، حين ينتقل من الاعتراف بالأزمة إلى وصف العلاج، لا يغادر منطقها!
بدلاً من أن يبدأ التقرير من السؤال الجوهري:
كيف نحرر المجال الإعلامي؟
كيف نضمن استقلال المؤسسات؟
كيف نحمي الصحفي من السلطة والمالك والممول؟
كيف نعيد التعدد إلى الشاشة وصفحة الرأي وغرفة الأخبار؟
ينتقل سريعاً إلى قاموس آخر:
“سياسات وطنية موحدة ومنسقة ومركزية”
“بنية سحابية موحدة”،
“مشغل فيديو موحد”
“نظام إدارة محتوى مركزي”
“منصة قياس مركزية”
“وحدات وطنية منسقة لمكافحة التزييف والتضليل”
و”مظلة إعلامية رقمية” للمؤثرين وصناع المحتوى!
هنا تكمن المفارقة:
التقرير يعرف الداء، لكنَّه يصف دواءً من العائلة نفسها!
يعرف أنَّ الصوت الواحد مشكلة
ثم يقترح منظومات موحدة،
ويعرف أنَّ الاحتكار أضر الإعلام، ثم يقترح بوابات وطنية مركزية،
ويعرف أنَّ الثقة تآكلت بفعل السيطرة، ثم يعالجها بأدوات قابلة لأن تصبح أكثر إحكاماً للسيطرة!
كأنَّ المشكلة لم تكن في أنَّ الإعلام يتم التحكم به وإدارته من أعلى، بل في أنَّ هذا التحكم لم يكن منظماً بما يكفي، ولا رقمياً بما يكفي، ولا مزوداً بالذكاء الاصطناعي الكافي!
وليست المشكلة في هذه الأدوات المقترحة
فهي أدوات قد تكون نافعة في بيئة حرة، شفافة، متعددة الفاعلين، واضحة الضمانات.
لكن في بيئة يشخصها التقرير نفسه باعتبارها بيئة “سيطرة واحتكار وهيمنة صوت واحد”
تصبح هذه الأدوات قابلة لأن تتحول من وسائل تطوير إلى مراكز قوة جديدة:
السحابة الوطنية قد تصبح خزاناً مركزياً للبيانات والصلاحيات
ومشغل الفيديو الوطني قد يصبح بوابة توزيع لا يمر منها إلا المسموح به
ومنصة الإعلانات الوطنية قد تتحول من علاج لاحتكار جوجل وفيسبوك إلى احتكار محلي بديل، ووحدات مكافحة التضليل قد تنزلق بسهولة من كشف الأكاذيب إلى تأديب الروايات غير المرغوب فيها.
خذ مثلاً فكرة مكافحة الاحتكار
يتحدث التقرير عن منع الممارسات الاحتكارية، وعن حماية المنافسة، وعن مواجهة سيطرة المنصات العالمية على سوق الإعلان.
وهذا كلام صحيح تماماً؛ فاحتكار جوجل وفيسبوك للإعلانات الرقمية مشكلة حقيقية تواجه الإعلام في العالم كله.
لكنَّ الرد على احتكار خارجي لا يكون بتأسيس احتكار محلي داخلي
خاصة إذا كان هذا الاحتكار واقعاً تحت إشراف جهات تنظيمية قريبة من الدولة أو خاضعة لمنطقها. الاحتكار لا يصبح صحياً لأنَّه وطني، ولا تصبح البوابة الواحدة تعددية لأنَّ اسمها “منصة وطنية”
ومن وجهة نظري، فإنَّ الاحتكار المحلي يكون أحياناً أخطر من الاحتكار الخارجي؛ لأنَّه لا يملك أدوات السوق فقط، بل يملك معها أدوات التنظيم، والمنع، والضغط، والحرمان.
والتقرير لا يمنحنا ضمانات كافية ضد هذا الانزلاق
فهو يتحدث عن “إنشاء وحدات وطنية منسقة لمكافحة التزييف والتضليل المعلوماتي” تتبع الهيئات الإعلامية الثلاث
وتتولى إصدار تقارير دورية حول المعلومات المضللة والشائعات وتصحيحها من قبل مؤسسات الدولة.
لكنَّ السؤال الجوهري غائب:
من يعرّف التضليل؟
ومن يفرق بين الخبر الكاذب والرأي المخالف؟
ومن يضمن ألا تتحول “مكافحة التضليل” إلى مكافحة الإزعاج السياسي؟
ومن يحاسب هذه الوحدات إذا أخطأت أو انحازت أو استخدمت سلطتها لتأديب خصوم لا لتصحيح معلومات؟
في المجتمعات الحرة،
مكافحة التضليل تقوم غالباً على تعدد مراكز التحقق، واستقلالها، وعلنية منهجها، وقابليتها للنقد والمراجعة.
أما حين تُسند إلى وحدات وأجهزة قريبة من الدولة، داخل مجال يعاني أصلاً من ضعف الاستقلال، فإنَّها قد تتحول إلى رقابة ناعمة.
لا تقول: سنمنع الرأي، بل تقول: سنحمي المجتمع من الشائعة،
ولا تقول: سنصادر النقد، بل تقول: سنصون الأمن القومي،
ولا تقول: سنوحد الرسالة، بل تقول: سنبني الوعي، وهكذا تلبس السيطرة ثياب الفضيلة! ويصبح الاحتكار “عملية إنقاذ وطن”!
والأمر نفسه يظهر في توصية “تأسيس منظومة وطنية لقياس فاعلية الإعلام”
بما يشمل “مؤشرات قياس مركزي” و”وحدة لقياس (التريند) لحظياً باستخدام الذكاء الاصطناعي”.
في الظاهر، هذا تحديث مهم
فلا إصلاح بلا قياس، لكنَّ القياس، في بيئة مركزية، قد لا يكون وسيلة لفهم الجمهور بقدر ما يصبح وسيلة لرصد ما ينبغي دفعه أو إطفاؤه! قياس (التريند) يمكن أن يخدم التحرير إذا كان مستقلاً ومعلن المنهج.
يمكن أن يخدم السيطرة والتحكم إذا تحول إلى “رادار” سياسي للمزاج العام، والفارق هنا لا تصنعه التقنية، بل تصنعه الحوكمة والحرية والضمانات.
الأخطر أنَّ التقرير يخلط أحياناً بين إعلام الخدمة العامة وإعلام التعبئة العامة.
هو يتحدث عن الانتقال من “الخطاب الرسمي” إلى “الخدمة الإخبارية”
وعن تخصيص “مساحات متساوية ومتوازنة لوجهات النظر المختلفة”،
وعن تمثيل المعارضة بشكل متوازن، وهذه عبارات جيدة ومهمة،
لكنه في مواضع أخرى يربط المحتوى بـ”دعم السياسات العامة للدولة”، و”بناء الوعي”، و”دعم شرعية مؤسسات الدولة واستقرارها”!
هنا يصبح السؤال ضرورياً:
هل الإعلام مطلوب منه أن يخدم الجمهور أم يخدم الرسالة الرسمية؟
هل وظيفته أن يفتح المجال للنقاش أم أن يحسن تغليف السياسات؟
هل “الخدمة العامة” تعني حق الناس في المعرفة والمساءلة، أم تعني توصيل ما تريده السلطة التنفيذية بصورة أكثر إقناعاً؟!
الفرق بين الاثنين جوهري
إعلام الخدمة العامة يبدأ من المواطن:
حقه في المعلومة، وحقه في التعدد، وحقه في النقد، وحقه في أن يرى مشكلاته وليس أن يسمع تعليمات من أعلى.
أما إعلام التعبئة العامة فيبدأ من الرسالة:
كيف نوصلها؟
كيف نكررها؟
كيف نضمن قبولها؟
لذلك، قد يستخدم الاثنان الكلمات نفسها: وطن، ووعي، ومصلحة عامة، ومسؤولية، لكنَّ أحدهما يحمي المجتمع من السلطة حين تخطئ، والآخر يحمي السلطة من المجتمع حين يسأل!
وأحياناً يكون أكثر الإعلام وطنية هو أكثره إزعاجاً للحكومة؛ لأنَّه يمنع الخطأ قبل أن يكبر، ويكشف الخلل قبل أن يتحول إلى كارثة، ويحمي الدولة من غرور أجهزتها.
حتى مقترحات الصحافة الاستقصائية تكشف التناقض نفسه
يدعو التقرير إلى تأسيس فرق للتحقيقات الاستقصائية داخل المؤسسات
وهي توصية صحيحة من حيث المبدأ
لكنه لا يضع الشروط التي تجعل الاستقصاء ممكناً:
حق فعلي في تداول المعلومات، حماية قانونية للصحفي، استقلال تحريري، إدارة تقبل نشر ما يحرج المسؤولين، وقضاء يحمي النشر الجاد.
دون هذه الشروط، ستصبح الصحافة الاستقصائية عنواناً فاخراً لممارسة محدودة:
تحقيق عن موظف صغير، أو بائع مخالف، أو خصم آمن، بينما تبقى الملفات الثقيلة خارج السؤال.
وفي التمويل أيضاً يظهر المنطق نفسه
إذ تقترح اللجنة إسقاط الضرائب، وجدولة الديون، ودفع أصل التأمينات دون الفوائد، وإنشاء صناديق دعم وتمويل.
وقد تكون بعض هذه الإجراءات ضرورية لإنقاذ مؤسسات منهكة
لكنَّ الإنقاذ المالي، إذا لم يرتبط بإعادة هيكلة حقيقية ومحاسبة الإدارات الفاشلة وضمان استقلال التحرير، يتحول إلى تمويل للفشل، وتشجيع للمقصرين!
والرأي عندي أنَّه لا ينبغي للمال العام أن يدخل الإعلام كمنقذ صامت، بل بعقد واضح: دعم مقابل شفافية، تمويل مقابل استقلال، إعفاء مقابل محاسبة، وإنقاذ مقابل تغيير أسباب الخسارة.
“إن من يدفع للزمار أجرته يحدد له اللحن”
ومن ثَّم فإن السؤال ليس فقط:
من يدفع؟
بل ماذا يريد في المقابل؟
ومن يراقب؟
ومن يقرر استمرار الدعم أو وقفه؟
وهل تستطيع المؤسسة التي تتلقى التمويل أن تنتقد الجهة التي تمولها؟ ومن يضمن ألا يتحول التمويل إلى أداة طاعة؟
إن من يمول الإعلام يحدد له، بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، حدود المسموح والممنوع، لذلك لا يصبح دعم الإعلام إصلاحاً إلا إذا ارتبط بضمانات استقلال معلنة، وبقواعد تمويل شفافة، وبمساءلة عامة، وبحماية واضحة للتحرير من الممول، سواء كان هذا الممول دولة أو سوقاً أو جهة إعلان.
أما التحول الرقمي، فلا يبدأ من شراء منصة أو بناء سحابة
بل من تغيير علاقة المؤسسة بالجمهور؛ كيف تعرفه؟
كيف تسمعه؟
كيف تكسب ثقته؟
كيف تسمح له بأن يختار ويقارن ويسأل؟
إذا بقيت العلاقة القديمة كما هي
فنحن لا نكون أمام تحول رقمي حقيقي، بل أمام ميكنة للبيروقراطية:
الرسالة نفسها، والخوف نفسه، والمركز نفسه، لكن بواجهة أجمل.
ولا قيمة لتطبيق جديد يحمل خطاباً قديماً، ولا لمنصة حديثة تنقل صوتاً واحداً، ولا لذكاء اصطناعي يستخدم في إدارة محتوى لا يثق فيه الجمهور أصلاً.
لذلك، ليست أزمة التقرير أنَّه يقترح أدوات رقمية أو تنظيمية
بل أنَّه لا ينتبه بما يكفي إلى أنَّ الأدوات نفسها قد تعيد إنتاج المرض.
فالسحابة ليست حرية، والمنصة ليست تعددية، ووحدة مكافحة التضليل ليست ثقة، والذكاء الاصطناعي لا يعوض غياب الاستقلال.
والتطبيق الجديد لا يعيد جمهوراً هجر الرسالة القديمة! الجمهور لا يبحث فقط عن طريقة أسهل لمشاهدة الإعلام المصري؛ بل يبحث، قبل ذلك، عن سبب يجعله يصدقه.
ولا يمكن فصل كل ما سبق عن فلسفة الدولة في التعامل مع الإعلام خلال السنوات الأخيرة
فالمشكلة الأساسية ليست أنَّ الإعلام غير منظم، بل في أنَّه منظم أكثر مما ينبغي في بعض المواضع
ومهمل تماماً في مواضع أخرى!
هو منظم في الرسالة، ومهمل في المهنية،
ومنظم في التوجه، ومهمل في الجودة
ومنظم في المنع، ومهمل في الإبداع
ومنظم في اختيار من يظهر، ومهمل في سؤال:
هل يصدقه الناس؟!
ولذلك جاءت النتيجة إعلاماً يستطيع أن يكرر، ولا يستطيع أن يقنع؛ يستطيع أن يصل إلى الشاشة، ولا يستطيع أن يصل إلى الجمهور.
يقول البعض إن الدولة لا تستطيع أن تترك الإعلام بلا تنظيم، وهذا صحيح تماماً
ولا أحد يدعو إلى فوضى إعلامية، ولا إلى سوق بلا قواعد، ولا إلى تضليل بلا مساءلة.
لكنَّ الفرق كبير بين التنظيم والوصاية
وبين الحوكمة والسيطرة، وبين حماية المجتمع من التضليل وحماية السلطة من النقد.
وبين دعم الإعلام الوطني وتحويله إلى جهاز تعبئة.
التنظيم الحقيقي يضع قواعد عامة، شفافة، عادلة، قابلة للطعن، تطبق على الجميع، أما السيطرة فتضع قواعد مرنة، غامضة، انتقائية، تطبق على من لا يملك الحماية.
الإصلاح الحقيقي يبدأ من الحرية ثم يبني عليها التنظيم
يبدأ من الاستقلال ثم يبني عليه التمويل
يبدأ من التعدد ثم يبني عليه القياس
يبدأ من حق الجمهور في المعرفة، وليس من حق الدولة في إدارة صورتها الذهنية فقط.
أما أن نبدأ بالمنصة والسحابة والصندوق والمدونة والوحدة المركزية، ثم نؤجل سؤال الحرية، فهذه ليست خريطة إصلاح؛ إنها تحديث تقني لبنية السيطرة.
يُقال إنَّ الناس رأوا “جحا” يبحث في أرض لا شيء فيها، فسألوه: عمَّ تبحث؟
قال: خاتم سقط مني. قالوا: وهل سقط هنا؟
قال: لا، بل في الزقاق المظلم هناك.
قالوا: وما بالك لا تبحث عنه هناك؟
قال: وأي جدوى من البحث في الظلام؟!
وهكذا يفعل التقرير:
يعرف أن مفاتيح أزمة الإعلام ضاعت في عتمة السيطرة والاحتكار وتقييد الحرية.
لكنه يفتش عنها تحت أضواء المنصات والسحابة والوحدات المركزية؛
ليس لأنَّها موضع الحل، بل لأنَّها المكان الأسهل والأقل إحراجاً!
وهذه ليست خريطة طريق، بل بحث منظم في المكان الخطأ!






