سامح حسنين يكتب: جزيرة إبستين والخطيئة المقدسة
ما جرى في إبستين جزء من طقوس، ما جرى إيمان واعتقاد ليس فقط بإباحة الخطيئة بل بضرورتها، إنها طقوس الخطيئة المقدسة.

صورة أرشيفية وثائق إبستين
إباحة الخطئية إيمان وعقيدة في إبستين
الخطيئة في جزيرة إبستين لم تكن مجرد إنحراف جنسي وأخلاقي وسلوكي، أو نتاج حالة فراغ وفقد شغف وفقط، بل الأمر أبعد من ذلك بكثير.
ما جرى في إبستين جزء من طقوس، ما جرى إيمان واعتقاد ليس فقط بإباحة الخطيئة بل بضرورتها، إنها طقوس الخطيئة المقدسة.
فالإنسان لديهم هو أبن الخطيئة ولولا إقدام أدم على المعصية ما وصل للأرض وما كان هناك شعب الله المختار وما كان هناك رسل، ولولا الخطيئة ما كانت المعرفة، فالمعرفة لديهم مرتبطة بالخطيئة، الخطيئة في تصورهم هي طريق المعرفة وسبيل الوصول للقوة المادية، إنها ضرورة لتمهيد الأرض للماشيح المخلص الذي سيخلص البشرية من خطاياها.
ما جرى في إبستين ليس مجرد حفلات ماجنة، وما ظهر على السطح ليس سوى جزء يسير مما يُطبخ في الكواليس ويُعد في الغرف المغلقة وخلفه قادة وأموال ومعتقدين، يهندسون المشهد وما هو مسموح بظهوره على السطح والشاشات،وما يجب أن يبقى في أقبية الظلام.
الخطيئة والماشيح – المسيا في الروايات التوراتية
الماشيح المخلص أو المسيا هو ذلك الشخص المرسل من قبل إيل أو الرب لشعبه المختار ليخفف عنهم الآلام، هو من سيخرج لهم في نهاية الزمان ليقيم مملكة إسرائيل الأبدية التي ستخر لها الممالك ساجدة،وتعلن الشعوب لها الولاء ويصبح أبناء إسرائيل ملوك الدنيا وسادتها.
هو من سيأتي ليخلصهم من الخطايا والذنوب ويطهرهم ويملأ دنياهم عدلًا وبهجة وسعادة وسيادة وثراءً.
ولأن الماشيح لديهم طال انتظاره فلابد لديهم في التفسيرات والشروح الغنوصية للتوراة في الكابالا من قصد الخطيئة والدفع في اتجاهها والإقدام عليها، والمساهمة في انتشارها!
انتشار الخطيئة هو ما سيساهم في التعجيل بظهور الماشيح،
الخطيئة هي جزء من خطة للتدخل في الشأن الإلهي للإسراع بظهور الماشيح المخلص.
والماشيح لديهم ليس ماشيحًا واحدًا يل ماشيحان، أحدهم الماشيح ابن يوسف والأخر هو الماشيح بن داوود.
الماشيح بن يوسف سيكون دوره تمهيد الأرض وتهيئتها لظهور الماشيح النهائي بن داوود، أي دوره أن يكون الممهد والمعد والمهندس لمجئ المخلص النهائي الذي سيقيم مملكة الخلاص النهائي ويقيم لليهود جنة على الأرض يكونون هم سادتها وملوكها وبقية الشعوب عبيدًا لديهم، ويطهر البشرية من ذنوبها وخطاياها.
الكابالا – القبالاه
ليست مجرد كتابات بل هي تفسيرات غنوصية وروحية لنصوص العهد القديم، شروحات وفلسفة غامضة وإشارات ورموز تسعى لتفسير العلاقة بين الإله اللامتناهي والسرمدي والكون الفاني المتهالك والمحدود.
نشأت الكابالا في القرن الثاني عشر في أسبانيا وجنوب فرنسا، وتطورت في القرن السادس عشر على يد اليهود في الدولة العثمانية، وصولا لتجديدها في القرن العشرين وانتشارها في أوساط غير يهودية تؤمن بالخلاص النهائي وبقيامة الماشيح المخلص أو المسيا.
شبتاي زئيفي .. الشبتائيون
ولد شبتاي زئيفي في القرن السابع عشر في أزمير بالأناضول ودرس التوراة وصار حبرًا، لكنه غاص في الأفكار الغنوصية للكابالا، واستهوته فكرة الماشيح المخلص، خصوصًا مع تزايد المعتقدين في الأوساط اليهودية بقرب ظهور المسيا.
شبتاي زئيفي لم يكن مجرد حبرًا عاديًا بل شخصية لها القدرة على التأثير في الآخرين ويمتاز بقدرات بلاغية وخطابية وله حظ ليس بالقليل من الكاريزما.
سافر إلى أوروبا وجمع حوله الأنصار وادعي أنه الماشيح المخلص، قوبلت حركته بدرجة من الرفض في بعض الأوساط اليهودية لكن دعوته تلقاها المنتظرون لقيام المسيا.

الترويج لفكرة الخطيئة المقدسة
تبنّى شبتاى زئيفي الدعوة لفكرة الخطيئة المقدسة، وعاد للشرق وتزوج من امرأة اسمها سارة زعمت أن الرب أسقط عنها الشريعة والتكاليف فانخرطت في الزنا والمحرمات، وأن رؤيا دعتها لتتبع أثر شبتاي والزواج منه لأنه المخلص لها من الخطايا!
حين كثر أتباع شبتاي وأثارت حركته قلاقل في الإمبراطورية العثمانية، اضطر السلطان العثماني وتحت ضغط من الأحبار اليهود لاعتقاله، لكنه أشهر إسلامه وسمى نفسه محمد أفندي عزيز، وأقنع عدد كبير من أنصاره بضرورة اعتناق الإسلام لتجنب الاضطهاد، مع الحفاظ على معتقداتهم وهم من أُطلق عليهم يهود الدونمة.
حافظ واتباعه على اسلامهم الظاهري ولكنهم ظلوا على عقيدتهم
حافظ أتباع شبتاي ممن أشهروا إسلامهم على مظهر إسلامي خارجي، لكنهم في الوقت ذاته حافظوا على معتقداتهم وأفكارهم،
وفسروا ارتداد شبتاي زئيفي كخطوة نحو تحقيق نبوءته، وقالوا أن هذه المظاهر الخارجية لا قيمة لها ما دام المرء يهوديًا في قرارة نفسه.
تبنّوا نظرية “الخطيئة المقدسة” وأكدوا أن التوراة – الشريعة لا يمكن تحقيقها إلا بإلغائها ظاهريًا، بينما رأى آخرون أن بإمكانهم البقاء شبتائيين مخلصين دون الحاجة إلى الارتداد.
بعد وفاة شبتاي تسفي عام 1676، استمرت الطائفة في الازدهار، وبلغت النزعات العدمية للشبتائية ذروتها في القرن الثامن عشر مع ظهور ماشيح مخلص آخر هو يعقوب فرانك ، الذي ادعى أنه تجسيد لشبتاي زئيفي، والذي سعى أتباعه إلى الخلاص من خلال طقوس ماجنة في مهرجانات وحفلات.
جاكوب فرانك .. الفرانكيون
جاكوب فرانك من مواليد 1726، في غاليسيا بأوكرانيا، نشأ في بيئة يهودية تعتقد في أفكار الكابالا والزوهار، وسرعان ما صار أحد أشد المؤمنين بالماشيح والمبشرين بقدومه.
كان فرانك كثير الترحال في البلقان، وهناك التقى بأتباع شبتاي، وبصفته صاحب رؤى غير متعلم، فقد لاقى استحسان الكثيرون ممن كانوا ينتظرون قيامة شبتاي زئيفي وعودته ليقيم مملكة اليهود.
جاكوب الماشيح المنتظر
في العام 1751 أعلن جاكوب فرانك نفسه الماشيح المنتظر وأن روح شبتاي زئيفي قد حلت فيه وصار مكلفًا بدوره تمهيدا لقيامته، التف حوله المنتظرون من اليهود لقيامة شبتاي زئيفي.
أسس في بولندا طائفةً تزعم أن بعض الأشخاص المختارين جرى اعفاءهم من الشريعة الأخلاقية وتخلت هذه الطائفة عن الشريعة التوراتية لصالح توراة أعلى تستند إلى كتاب الزُوهار أحد اهم أهم أعمال وشروحات الكابالا، ولذا أطلق أتباعه على أنفسهم اسم الزوهاريين.
الخطيئة للتعجيل بقدوم المنتظر
بدعوة فرانك إلى التحرر من الشريعة الأخلاقية وضرورة الانغماس في الخطيئة والمحرمات بما في ذلك الطقوس الجنسية الماجنة، بدأوا في ممارسات وطقوس محرمة ومجرمة، لتزداد خطايا البشرية للتعجيل بعودة شبتاي زئيفي كماشيح مخلص ومطهر، أدت ممارساتهم وشيوعها إلى حظرهم من قبل المجتمع اليهودي باعتبارهم زنادقة في العام 1756.
بدأت السلطات الكاثوليكية الرومانية في التضييق وممارسة الضغوط عليهم، وأمام تزايد الضغوط لم يكن أمامهم من حيلة لاستمرارهم في المجتمع سوى الإعلان عن تخليهم كنوع من التقية عن اعتقادهم، وجرى تعميدهم كمسيحيين.
مسيحيون على عقيدتهم اليهودية (التواراتية)
للحفاظ على انصاره، ألزمهم فرانك علنًا بالمعمودية الجماعية، وجرى تعميده هو نفسه في وارسو، وكان أغسطس الثالث ، ملك بولندا عرابه، إلاّ أن الفرانكيين استمروا في ممارساتهم الطائفية، وممارسة الخطيئة والانغماس في كل المحرمات، ونتيجة لذلك، سجنت محاكم التفتيش فرانك في قلعة تشيستوشوفا في العام 1760.
سجن جاكوب وحرره الروس
لم تنته حركة الفرانكيين الشبتائيين بسجن فرانك، فعلى مدار سنوات سجنه استطاع أنصاره إيجاد الوسائل للتواصل معه، وتبادل الرسائل بينه وبينهم، والتي حضهم فيها على الحفاظ على معتقداتهم وضرورة امتلاك أسباب القوة بكافة الوسائل وبمزيد من الانخراط في الخطيئة المقدسة للتعجيل بظهور المسيا.
بعد ان حرره الروس عام 1773 استقر فرانك في أوفنباخ، ولقّب نفسه بالبارون، وقد دعمه أتباعه الكثيرون الذين تغلغلوا في المجتمع بالأموال ليعيش بما يليق بالنبلاء.
بعد وفاة فرانك، خلفته ابنته إيف، التي أنفقت في نهاية المطاف كل الأموال التي منحها إياها الفرانكيون، مما أدى إلى اعتقالها بتهمة الإفلاس حتى وفاتها عام 1816.
مرحلة السرية والسيطرة على المراكز العليا
بعدها دخلت تلك الطائفة مرحلة السرية وطورت من أدواتها، ووصل كثير من أعضائها إلى مراكز عليا في عدد من الدول، والذين بدورهم أتاحوا لحركتهم السرية المزيد من الإمكانيات، وأثروا على صناع القرار وأصحاب الأفكار.
نشأة المسيحية الصهيونية
وأثرت أفكارهم في نشأة تيار المسيحية الصهيونية، وأسهموا بشكل كبير في صناعة الحركة الصهيونية كحركة سياسية تقوم على تجميع يهود الشتات في أرض فلسطين.
لم تتوقف الحركة عند اغتصاب اليهود لفلسطين العربية ونشأة الصهيونية كحركة استعمار استيطاني توسعي، بل تسعى عبر نفوذها وتأثيرها في صناعة قرار عدد من الدول عبر أنصارها لجعل إسرائيل قوى كبرى تمارس القتل والتنكيل بأبناء الأرض العربية والإقليم تمهيدًا لظهور وقيامة الماشيح.
نشر المحرمات وصناعة البورنو والالحاد للسيطرة
وتمارس عبر ادواتها تمويل كل الممارسات المحرمة والمجرمة من صناعة البورنو إلى نشر الإلحاد وسيادة ثقافة الانحلال والشذوذ، وتمويل منظمات ومنصات تعمل على نشر الخطيئة المقدسة والسيطرة على قادة سياسيين ومفكرين ومؤثرين،
ودعم وتمويل أشخاص ليكونوا في خدمة إسرائيل.
إبستين لم تكن جزيرة الخطيئة الأولى ولن تكون الأخيرة، والقصة لم تنته بانتحار أو تهريب إبستبن، بل ستكون هناك جزر آخرى وإبستنيون أخرون يعملون على السيطرة على أصحاب القرار ونشر الخطيئة المقدسة خدمة لإسرائيل وللتعجيل بظهور المسيا.






