د. محمد الغمري يكتب: أحمس أم خالد؟
فمصر ليست هوية قصيرة العمر تُختزل في رمز واحد أو سردية واحدة، بل تجربة حضارية طويلة امتلكت قدرة استثنائية على امتصاص التحولات وإعادة تركيبها داخل شخصية تاريخية ممتدة.

صورة تعبيرية للمقال
المأزق ليس في الهوية . . بل في السؤال
سأل منشورٌ متداول: «هل بطلك كمصري هو أحمس ورمسيس، أم خالد بن الوليد وعمرو بن العاص؟»
يبدو السؤال، ظاهريًا، نقاشًا مشروعًا حول الهوية والانتماء. لكن المشكلة الحقيقية لا تكمن في الجواب، بل في بنية السؤال نفسه.
فهو لا يسأل: كيف تتشكل الهوية المصرية؟ ولا كيف تدير الحضارات الطويلة طبقات انتمائها المختلفة؟ بل يسأل، ضمنيًا: أيُّ جزء من الذاكرة ينبغي التضحية به كي يثبت الإنسان صدق انتمائه؟
وهنا يبدأ الخلل.
لأن السؤال يعيد تشكيل الهوية داخل ثنائية قسرية: إمّا أحمس أو خالد، إمّا التاريخ أو العقيدة، إمّا الأرض أو المرجعية.
وهكذا يتحول النقاش من محاولة لفهم الهوية إلى صناعةٍ للاستقطاب.
وهذه ليست مشكلة منشورٍ عابر، بل واحدة من أكثر آليات الجدل شيوعًا: اختزال الظواهر المركبة في ثنائيات سهلة التداول، لأن الاستفزاز أسرع انتشارًا من الشرح.
لكن الهوية البشرية أعقد من ذلك.
فالهوية ليست بطاقة تعريف جامدة، ولا امتحان ولاءٍ يطلب من الإنسان أن يختار بين أجزاء ذاته. إنها البنية التي تعيد ترتيب عناصر الأرض واللغة والذاكرة والعقيدة والخبرة التاريخية داخل معنى يمنح الجماعة قدرتها على الاستمرار.
والمجتمعات الحية لا تحفظ نفسها بحذف طبقاتها المختلفة، بل بقدرتها على ترتيبها دون أن تفقد مركزها الناظم.
ومن هنا تبدو خصوصية الحالة المصرية.
فمصر ليست هوية قصيرة العمر تُختزل في رمز واحد أو سردية واحدة، بل تجربة حضارية طويلة امتلكت قدرة استثنائية على امتصاص التحولات وإعادة تركيبها داخل شخصية تاريخية ممتدة.
ولهذا فإن سؤال «أحمس أم خالد؟»
يكشف أزمة من يتصور أن الانتماء لا يعمل إلا بمنطق البتر.
حين يعتز المصري بأحمس أو غيره من رموز مصر القديمة، فهو لا يعلن تبدلًا في إيمانه أو مرجعيته الدينية، بل يقرأ جزءًا من تاريخ أرضه بوصفه جزءًا من قصته التاريخية.
فأحمس، في الوعي التاريخي، رمز لاستعادة الدولة وطرد الهيمنة وإعادة بناء المجال السياسي؛ وهذا ينتمي إلى ذاكرة التاريخ السياسي، لا إلى دائرة الإيمان والعبادة.
وبذلك يبدو تحويل أحمس إلى خصمٍ لخالد بن الوليد خلطًا بين حقول مختلفة أصلًا.
فتقدير الإنجاز التاريخي لا يعني اعتناق البنية الدينية التي نشأ داخلها، والاعتزاز بالسيرة الحضارية لمصر لا يساوي تبني «أيديولوجيا فرعونية» معاصرة.
وفي المقابل، يتحرك خالد بن الوليد وعمرو بن العاص داخل دائرة مختلفة من التكوين الحضاري.
هنا نتحدث عن الإيمان والمرجعية الرمزية التي تشكلت داخلها أجزاء معتبرة من الشخصية الثقافية المصرية عبر قرون.
وهذا فرق جوهري؛ لأن السؤال المتداول يتعامل مع الرموز المختلفة وكأنها تتصارع على المقعد نفسه، بينما الواقع أن الحديث يدور عن دوائر انتماء متمايزة لا متناقضة.
وعند هذه النقطة يدخل الاعتراض المعتاد: «لكن الفراعنة كانوا وثنيين»
وهو اعتراض يقوم على خلط بين مستويات مختلفة من النظر.
فمن جهة فلسفة التاريخ، لا توجد أمة حية تمارس علاقتها بماضيها بمنطق الإلغاء الشامل.
ومن جهة النظر الإسلامية نفسها، أعاد الإسلام ترتيب مركز المعنى الديني والأخلاقي، وقطع مع البنى العقدية المخالفة، لكنه لم يجعل الدخول في الدين مشروطًا بإعدام الذاكرة التاريخية للشعوب أو التنكر لكل خبرتها الحضارية السابقة.
وليس المقصود هنا تسويةً دينية بين الموروثات المختلفة؛ فتقييم المعتقدات دينيًا شيء، وإدارة علاقة الأمم بذاكرتها التاريخية شيء آخر.
رفض الوثنية لا يساوي محو كل ما أنتجته المجتمعات السابقة من خبرة عمرانية أو ذاكرة حضارية أو رموز تاريخية.
وقد يُقال: المشكلة ليست في الاعتزاز بمصر القديمة، بل في استخدامه أحيانًا لتأسيس قطيعة مع العمق العربي والإسلامي أو لتحويل الهوية المصرية إلى مشروع مضاد للدين.
وهذا اعتراض يستحق النقاش.
لكن الخلط بين سوء استخدام فكرةٍ ما وبين بطلان أصلها يظل خطأً تحليليًا.
فإمكان توظيف التاريخ المصري القديم داخل مشروع أيديولوجي معادٍ للإسلام لا يجعل كل اعتزاز بالسيرة الحضارية لمصر عداءً للمرجعية الدينية.
تمامًا كما أن إساءة استخدام الخطاب الديني لا تجعل الدين مسؤولًا عن كل استعمالاته المشوهة.
خذ المصري العادي مثلًا: يصلي الجمعة، ويقرأ القرآن، ثم يزور المتحف المصري مع أبنائه فيقف مبهورًا أمام آثار أسلاف المجال الحضاري المصري.
هل يعيش هذا الإنسان أزمة هوية؟ غالبًا لا.
الانقسام هنا لا يسكن حياته، إنه يسكن السؤال المفروض عليه.
ولهذا فالمشكلة ليست في الهوية المصرية، بل في نموذج التفكير الذي لا يستطيع فهم الهوية إلا بوصفها عملية اقتلاع متبادل. فبدل أن يُسأل:
كيف استطاعت مصر أن تعيد ترتيب طبقات انتمائها المختلفة دون أن تفقد مركزها؟
يُختزل النقاش كله في سؤال: من تختار؟
وهذا، في جوهره، ليس تحليلًا للهوية، بل إعادة إنتاج للاستقطاب الرمزي.
فالمصري لا يحتاج إلى هدم أحمس كي يحب خالدًا، ولا إلى الطعن في الصحابة كي يعتز بتاريخ بلاده.
لأن الحضارات الكبرى لا تُبنى بالاختيار بين الجذور والمرجعيات، بل بقدرتها على جمع طبقات ذاكرتها داخل معنى واحد.
فالهوية لا تُبنى بالبتر، بل بقدرتها على ترتيب طبقاتها المختلفة داخل معنى لا يخاف من التاريخ،ولا يحتاج إلى تحويل الإيمان إلى خصمٍ للذاكرة.






