د. أيمن خالد يكتب: القانون أم القوة؟
هنا تكمن الإشكالية في السلوك الأمريكي المعاصر: ليس في تجاوز القانون، بل في إعادة تشكيله وفق ميزان القوة.

صورة تعبيرية للمقال
معضلة العدالة الدولية في السلوك الأمريكي
ليس الخطر في خرق القانون الدولي فحسب، بل في إعادة تفسيره على نحو يُفرغه من مضمونه.
فالقاعدة حين تُنتهك تبقى قاعدة قابلة للاستعادة، أما حين يُعاد تأويلها لتُصبح أداة بيد الأقوى، فإنها تفقد معناها تدريجيًا.
وهنا تكمن الإشكالية في السلوك الأمريكي المعاصر: ليس في تجاوز القانون، بل في إعادة تشكيله وفق ميزان القوة.
منذ تأسيس النظام الدولي الحديث عقب الحرب العالمية الثانية، ارتكزت الشرعية على مبدأ مركزي هو حظر استخدام القوة كما ورد في ميثاق الأمم المتحدة.
مع استثناءين واضحين: تفويض مجلس الأمن، أو الدفاع الشرعي عن النفس في حال وقوع اعتداء مسلح.
هذه القاعدة لم تكن مجرد نص، بل كانت حجر الأساس لمنع عودة الفوضى الدولية.
د. أيمن خالد يكتب: إيقاف في إيران واشتعال لبنان
د. أيمن خالد يكتب: تركيا فن التوازن في زمن الاضطراب
د. ايمن خالد : كيف يُصاغ الكذب في ثوب الحقيقة؟
لكن ما حدث لاحقًا هو أن هذا المبدأ لم يُكسر دفعة واحدة، بل تآكل عبر التفسير.
في حرب العراق عام 2003، لم يُقدَّم التدخل بوصفه عدوانًا صريحًا، بل جرى تغليفه قانونيًا عبر سرديات “التهديد الوقائي” و“أسلحة الدمار الشامل”.
لم يكن هناك تفويض صريح من مجلس الأمن، ومع ذلك مضت الحرب.
هنا ظهر مفهوم جديد في الممارسة الدولية: إمكانية استخدام القوة استباقيًا بناءً على تقدير ذاتي للتهديد.
هذا التحول لم يكن حدثًا عابرًا، بل فتح بابًا واسعًا لتوسيع مفهوم الدفاع عن النفس، بحيث لم يعد مرتبطًا باعتداء قائم، بل بتهديد محتمل أو وشيك كما تُعرّفه الدولة نفسها.
وفي سياقات لاحقة، تكرر النمط ذاته في سوريا، نُفذت ضربات تحت عنوان “الرد المحدود” أو “حماية الأمن الدولي”، دون أن ترقى إلى إعلان حرب.
وفي المواجهات المرتبطة بإيران، يُعاد استخدام المفهوم ذاته: الدفاع الوقائي، وحماية المصالح، ومنع التهديد قبل وقوعه.
لكن الإشكالية لا تقف عند حدود الصراع مع إيران. فالمشهد في غزة يقدم مثالًا آخر على ازدواجية المعايير.
إذ تُطرح قواعد القانون الدولي الإنساني — حماية المدنيين، التناسب، التمييز — لكنها تُطبَّق بانتقائية، وتُفسَّر سياسيًا وفق التحالفات والمصالح.
وهنا لا يُضعف القانون بانتهاكه فقط، بل بفقدانه لصفة العمومية.
ما يجمع هذه الوقائع ليس مجرد استخدام القوة، بل إعادة تعريف القاعدة القانونية بما يسمح باستخدامها دون كلفة قانونية واضحة.

فالقانون لم يعد يُلغى، بل يُعاد تفسيره بما يجعله قابلًا للتكيّف مع القرار السياسي.
وهذا يقود إلى سؤال أعمق: هل ما نشهده هو خرق للنظام الدولي، أم إعادة تشكيل له؟
الواقع يشير إلى أن الولايات المتحدة لا تعمل خارج النظام الدولي، بل من داخله، لكنها تدفع باتجاه مرونة تفسيرية عالية تجعل القواعد أقل صلابة وأكثر قابلية للاستخدام السياسي.
هذا النوع من السلوك لا يُسقط القانون فورًا، لكنه يُضعفه تدريجيًا، لأن القاعدة التي تُفسَّر بشكل مختلف من كل طرف تفقد قدرتها على الضبط.
في النهاية، لا تنهار العدالة الدولية عندما تُخالف، بل عندما تُصبح نسبية.
وعندما يتحول التفسير إلى أداة قوة، يصبح القانون نفسه ساحة صراع.
خلاصة القول: القانون الدولي لم يُلغى، لكنه لم يعد كما كان.
والسؤال لم يعد: من يخرق القانون؟
بل: من يملك حق تفسيره؟





