بين حافة الاشتباك وبنية السيطرة: من يملك مضيق هرمز فعلا؟
إصابة فرقاطة أمريكية واستهداف ناقلة نفط إماراتية، سواء ثبتت دقته أو بقي في دائرة الحرب النفسية، يعكس حقيقة أعمق من الحدث ذاته، وهي أن الاشتباك في الخليج لم يعد احتمالا، بل أصبح بيئة قائمة بذاتها

صوة تعبيرية للمقال
لا يمكن قراءة التوتر المتصاعد في محيط مضيق هرمز بوصفه سلسلة حوادث بحرية متفرقة، ولا حتى باعتباره تصعيدا ظرفيا قابلا للاحتواء السريع. ما يجري هو إعادة تشكيل صامتة لقواعد السيطرة على أحد أهم شرايين الطاقة في العالم، حيث تتقاطع ثلاث قوى كبرى، الولايات المتحدة، إيران، والصين، لكن داخل منطق صراع مختلف، يتجاوز ثنائية الحرب والسلام إلى مساحة رمادية أكثر تعقيدا، هي مساحة فرض القواعد دون إعلانها.
الخبر المتداول عن إصابة فرقاطة أمريكية واستهداف ناقلة نفط إماراتية، سواء ثبتت دقته أو بقي في دائرة الحرب النفسية، يعكس حقيقة أعمق من الحدث ذاته، وهي أن الاشتباك في الخليج لم يعد احتمالا، بل أصبح بيئة قائمة بذاتها. هنا لا تدور المعركة حول إغلاق المضيق أو إبقائه مفتوحا، بل حول من يملك حق تعريف “المرور الآمن”، ومن يفرض شروطه على هذا المرور.
الولايات المتحدة، عبر تموضعها العسكري في الأسطول الخامس الأمريكي، لا تدافع فقط عن حرية الملاحة كعنوان قانوني، بل عن بنية الهيمنة البحرية التي تشكل أحد أعمدة النظام الدولي الذي تقوده. أي تراجع في قدرتها على ضمان المرور غير المشروط عبر المضيق، لا يُقرأ كخسارة تكتيكية، بل كاختلال في معادلة الردع العالمية، ينعكس من شرق آسيا إلى أوروبا.
في المقابل، لا تتحرك إيران بدافع إغلاق المضيق، لأن الإغلاق الكامل يلغي قيمة الورقة نفسها. ما تسعى إليه طهران عبر الحرس الثوري الإيراني هو تحويل المضيق إلى مساحة سيادية مشروطة، تمر فيها السفن، لكن وفق قواعد اشتباك غير معلنة، تُفرض بالقوة عند الحاجة، وتُسحب عند الضرورة. هذا النموذج، الذي يمكن تسميته “السيطرة دون إعلان”، يمنح إيران قدرة استنزاف مستمرة دون الانزلاق إلى حرب شاملة.
أما الصين، فتدخلها في هذا المشهد لا يُفهم من زاوية عسكرية مباشرة، بل من زاوية حماية التدفق الاقتصادي الذي يغذي صعودها العالمي. عندما تعلن بكين رفضها للعقوبات الأحادية، وتؤكد حق سفنها في نقل النفط، فهي لا تتحدى الولايات المتحدة عسكريا بقدر ما تعيد تعريف الشرعية الدولية خارج الإطار الأمريكي. هذا التموضع يرتبط عضويا بمشروع مبادرة الحزام والطريق، حيث يتحول النفط إلى عنصر في شبكة نفوذ، لا مجرد سلعة.
لكن نقطة التماس الحقيقية لا تكمن في التصريحات، بل في البحر نفسه. إذا كانت إيران قد انتقلت، ولو جزئيا، إلى استهداف مباشر لأصول أمريكية أو سفن مرتبطة بحلفاء واشنطن، فنحن أمام تحوّل نوعي في قواعد الاشتباك. هذا التحول لا يعني بالضرورة اندلاع حرب شاملة، بل يعني أن سقف الردع قد تم اختباره فعليا، وأن ما كان يُدار عبر حلفاء أو رسائل غير مباشرة، بدأ يقترب من المواجهة المباشرة.
المعضلة الأمريكية هنا مركبة. الرد العسكري الواسع يعيد تثبيت الردع، لكنه يفتح الباب أمام حرب إقليمية ممتدة، في بيئة جغرافية صممتها إيران لتكون مكلفة لأي قوة تقليدية. في المقابل، الاكتفاء برد محدود أو رمزي قد يُفسر كإقرار ضمني بقدرة إيران على فرض قواعدها، وهو ما ينعكس سلبا على صورة القوة الأمريكية عالميا.
في هذا السياق، يصبح الحديث عن “فتح المضيق بالقوة” أقرب إلى شعار سياسي منه إلى خطة قابلة للتنفيذ دون كلفة استراتيجية باهظة. فالمشكلة لا تكمن في القدرة على إدخال السفن، بل في القدرة على ضمان خروجها دون استنزاف مستمر. هنا تتحول أدوات إيران غير المتكافئة، من زوارق سريعة إلى صواريخ ساحلية ومسيرات، إلى عنصر توازن فعلي، لا يهزم الخصم، لكنه يمنعه من تحقيق نصر نظيف.
على الضفة الأخرى، لا تبدو الصين مستعدة للذهاب إلى مواجهة عسكرية مباشرة في الخليج. لكنها في الوقت نفسه لن تقبل بانقطاع تدفق الطاقة أو إخضاع شركاتها لمنظومة العقوبات الأمريكية. هذا يضعها في موقع “الغطاء الاستراتيجي” لإيران، دون أن تتحول إلى شريك عسكري كامل، وهو توازن دقيق يعكس طبيعة الصعود الصيني نفسه، صعود يتجنب الصدام المباشر، لكنه يغير قواعد اللعبة تدريجيا.
ما يتشكل إذن ليس حربا تقليدية، بل نظام اشتباك مفتوح، حيث تتكرر الحوادث، تتصاعد التوترات، لكن دون الوصول إلى لحظة الانفجار الشامل. غير أن خطورة هذا النموذج تكمن في أنه لا يحتاج إلى قرار بالحرب كي ينزلق إليها. يكفي خطأ في التقدير، أو ضربة تتجاوز السقف المتوقع، حتى يتحول الاشتباك المحدود إلى مواجهة واسعة.
في هذا المشهد، لا يُطرح السؤال عن من سيغلق المضيق، بل عن من يملك تعريف السيادة عليه. الولايات المتحدة تريد ممرا مفتوحا بلا شروط، إيران تفرض ممرا مشروطا بقواعدها، والصين تدعم بقاءه مفتوحا خارج الهيمنة الأمريكية. وبين هذه القوى، يتحول المضيق إلى ساحة اختبار لإعادة تشكيل النظام الدولي نفسه، حيث لم يعد الصراع على الجغرافيا فقط، بل على معنى السيطرة في زمن لم تعد فيه القوة وحدها كافية لفرضها.






