تقنيات
د. محمد فؤاد
د. محمد فؤاد

خبير إعلامي

استراتيجية الأرض المحروقة في لبنان ونذر الحرب الشاملة

شهدت الجبهة اللبنانية الإسرائيلية في الساعات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً هو الأقسى والأعنف منذ بدء موجة التصعيد الأخيرة.

مشاركة:
حجم الخط:

شهدت الجبهة اللبنانية الإسرائيلية في الساعات الأخيرة تحولاً دراماتيكياً هو الأقسى والأعنف منذ بدء موجة التصعيد الأخيرة.

حيث انتقل جيش الاحتلال الإسرائيلي من مرحلة الضربات الموضعية المتبادلة إلى نمط جديد كلياً من العمليات العسكرية المفتوحة.

وأجمعت التحليلات الصحفية والتقارير الاستخباراتية الواردة مساء اليوم على أن تل أبيب بدأت بالفعل في تطبيق استراتيجية عسكرية مستحدثة تقوم على مبدأ العقاب الجماعي والتدمير الممنهج.

بهدف كسر إرادة بيئة المقاومة وتدفيع الدولة اللبنانية ثامناً باهظاً لكل هجوم ينطلق من أراضيها.

عامر عبد المنعم يكتب: تصريحات خيالية لترامب

انفجارات بندر عباس تسبق الاتفاق

أولاً: فلسفة التصعيد “10 مبانٍ سكنية مقابل كل مسيّرة”

في عمق التطورات الميدانية الجارية، تركز كبريات الصحف العالمية ووكالات الأنباء على رصد النمط القتالي الجديد الذي يتبعه سلاح الجو الإسرائيلي ضد الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات الجنوب والبقاع.

وتتمحور هذه السياسة حول فرض معادلة ردع هجومية بديلة تُعرف بـ “معادلة ال10 مبانٍ مقابل المسيّرة الواحد”

ووفقاً للتحليلات الصادرة مساء اليوم، فإن هذه الاستراتيجية تقوم على المحددات التالية:

 الرد غير المتكافئ:

بموجب هذه المعادلة، يقابل الجيش الإسرائيلي كل طائرة مسيّرة أو قذيفة صاروخية يطلقها حزب الله باتجاه المستوطنات أو المواقع العسكرية، بشن غارات تدميرية مكثفة تستهدف قصف وهدم ما لا يقل عن 10 مبانٍ سكنية ومنشآت مدنية كاملة في العمق اللبناني.

 إفراغ القوة النارية:

تهدف إسرائيل من خلال هذا الإفراط في استخدام القوة إلى جعل كلفة إطلاق المسيّرات الاستطلاعية أو الانقضاضية كلفة غير قابلة للاحتمال على المستويين الشعبي والسياسي داخل لبنان.

مربعات التدمير:

لم تعد الغارات تستهدف شققاً محددة أو مراكز يُعتقد أنها عسكرية، بل أصبحت الطائرات الحربية تسقط مربعات سكنية كاملة وتسويها بالأرض تحت ذريعة وجود البنية التحتية للحزب أسفلها.

ويشير خبراء عسكريون إلى أن هذه المعادلة تمثل امتداداً مطوراً لـ “عقيدة الضاحية” الشهيرة، لكن بنسخة أكثر دموية وسرعة في التنفيذ، حيث تسعى القيادة العسكرية الإسرائيلية إلى إحداث صدمة ميدانية متلاحقة لا تترك مجالاً لالتقاط الأنفاس أو إعادة تنظيم الصفوف.

ثانياً: كارثة إنسانية.. موجات نزوح جماعي وازدحام الملاجئ

لم تتأخر الارتدادات المباشرة لهذه العقيدة التدميرية في الظهور على أرض الواقع، حيث تسببت الغارات العنيفة والمتواصلة في إحداث هلع غير مسبوق في صفوف المدنيين، مما فجر موجات نزوح جماعي واسعة النطاق تعد الأكبر منذ أشهر طويلة.

وتشهد الضاحية الجنوبية لبيروت، والتي تشكل الهدف الرئيسي لهذه الغارات المركزة، حركة هروب جماعية لآلاف العائلات التي باتت تبحث عن ملاذات آمنة في مناطق الجبل، والشوف، والعاصمة بيروت، والشمال اللبناني.

وأفادت فرق الإغاثة الميدانية والصليب الأحمر اللبناني بما يلي:

 تكدس الطرقات:

شهدت المنافذ الرئيسية المؤدية من الضاحية والجنوب نحو بيروت وجبل لبنان اختناقات مرورية حادة امتدت لعدة كيلومترات، وسط أجواء من الرعب جراء سماع دوي الانفجارات وتحليق الطيران منخفضاً.

 عجز مراكز الإيواء:

أعلنت مراكز الإيواء الرسمية والمدارس في العاصمة ومحيطها عن نفاذ قدرتها الاستيعابية بالكامل بعد تدفق آلاف النازحين في غضون ساعات قليلة، وسط شح شديد في المستلزمات الطبية والغذائية واللوجستية الأساسية.

 أزمة النزوح الداخلي:

يهدد هذا التدفق المفاجئ والضخم للمهجرين بانهيار منظومة الاستجابة الإنسانية المحلية، في ظل أزمة اقتصادية خانقة يعاني منها لبنان أساساً منذ سنوات.

ثالثاً: حرب البنية التحتية.. التلميح بقطع شريان الكهرباء الحيوية

لم يقتصر التهديد الإسرائيلي على الآلة العسكرية المباشرة وهدم المنازل، بل امتد ليتخذ طابعاً أكثر خطورة يتعلق بحياة ملايين اللبنانيين اليومية.

فقد رصدت التقارير الدبلوماسية مساء اليوم تلميحات إسرائيلية متزايدة وجدية باحتمالية استهداف وقطع خطوط الكهرباء الحيوية ومحطات التحويل الرئيسية في لبنان.

وتأتي هذه التهديدات في سياق سياسة الضغط الأقصى وشل أركان الدولة؛ إذ يعني استهداف قطاع الطاقة الحيوية ما يلي:

 إغراق البلاد في الظلام:

توقف ما تبقى من معامل إنتاج الطاقة الشحيحة أساساً، مما يدخل المدن والبلدات اللبنانية في ظلام دامس شامل.

 خنق القطاع الصحي:

توجيه ضربة قاضية للمستشفيات والمراكز الطبية التي تعتمد بشكل حيوي على التيار الكهربائي لتشغيل غرف العمليات والعناية المركزة، والاعتماد بالكامل على المولدات الخاصة المهددة بالنفاذ نتيجة أزمة الوقود المتوقعة.

 تعطيل شبكات المياه والاتصالات:

ستتأثر مضخات المياه الرئيسية وشبكات الاتصالات والإنترنت بشكل مباشر، مما يؤدي إلى عزل المناطق اللبنانية عن بعضها البعض وعن العالم الخارجي، ويزيد من تعقيد جهود الإنقاذ والإخلاء.

ويجمع المحللون السياسيون على أن التلميح بضرب البنية التحتية يمثل ورقة ضغط سياسية قوية تسعى تل أبيب من خلالها إلى تأليب الرأي العام اللبناني والضغط على الحكومة اللبنانية للقبول بالشروط الإسرائيلية الرامية إلى فرض منطقة عازلة في الجنوب ونزع سلاح الفصائل المسلحة.

الجبهة على حافة الانفجار الشامل

أمام هذا الواقع الميداني المتفجر، يرى مراقبون للشأن الإقليمي أن الجبهة اللبنانية الإسرائيلية تجاوزت مرحلة “الاشتباك المحدود” ودخلت رسمياً في أتون حرب استنزاف بالغة الخطورة والتدمير. فالمعادلة الإسرائيلية الجديدة “10 مبانٍ مقابل مسيّرة” لم تعد مجرد تهديد نظري، بل تحولت إلى واقع يومي يعيشه سكان الضاحية والجنوب بالحديد والنار.

ومع تصاعد أعمدة الدخان من أحياء بيروت الجنوبية وتزايد أعداد النازحين والشهداء والجرحى، يبقى السؤال

المطروح في الدوائر الدبلوماسية:

هل تنجح الضغوط الدولية والاتصالات الجارية خلف الكواليس في لجم هذا التغول العسكري والعودة إلى مسارات التفاوض؟

أم أن معادلة “كسر العظام” الجارية ستدفع بالمنطقة بأكملها نحو حرب إقليمية شاملة لا يمكن التنبؤ بنهايتها أو السيطرة على تداعياتها المدمرة؟

الساعات القادمة ستكون حاسمة في تحديد المسار الحقيقي لهذا الصراع الدامي.

شارك المقال: