هل ينجح ترمب في تفكيك مثلث الضرورة الصيني الإيراني؟
حيث يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاستغلال حاجة بكين الماسة للاستقرار الاقتصادي لانتزاع "رأس" التحالف الاستراتيجي بين الصين وإيران، في صفقة قد تعيد رسم توازنات القوى للقرن الحادي والعشرين

صورة تعبيرية للتقرير
قمة الأرض
تقرير يكتبه د. محمد فؤاد
بينما تشق طائرة “إير فورس وان” عباب الأجواء متجهة إلى العاصمة الصينية، عشية الـ 13 من مايو 2026، يخيم صمت ثقيل على أروقة “تشونغ نان هاي” (مقر القيادة الصينية)
فهذه الزيارة لا تشبه سابقاتها، إذ تأتي وسط شلل شبه تام في ممرات الطاقة العالمية وتصاعد نبرة التهديدات العسكرية في الخليج.
المحللون في “مجلس العلاقات الخارجية” (CFR) يصفون هذه القمة بأنها “مباراة شطرنج” مصيرية.
حيث يسعى الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لاستغلال حاجة بكين الماسة للاستقرار الاقتصادي لانتزاع “رأس” التحالف الاستراتيجي بين الصين وإيران، في صفقة قد تعيد رسم توازنات القوى للقرن الحادي والعشرين.
وسط إجراءات أمنية هي الأشد صرامة في تاريخ العاصمة الصينية، وفي توقيت يرتعد فيه الاقتصاد العالمي من تداعيات انسداد شرايين الطاقة في الشرق الأوسط.
يحل الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في بكين حاملاً في جعبته “صفقة حسم” قد تغير وجه النظام الدولي.
القمة التي تُعقد عشية وصوله ، هي ليست مجرد لقاء بروتوكولي، بل هي جولة تفاوضية فوق رمال متحركة، حيث يسعى “رجل الصفقات” لانتزاع رأس النفوذ الإيراني مقابل تنازلات تكنولوجية وجمركية كانت حتى الأمس القريب “محرمات” في قاموس واشنطن السياسي.
كواليس “عرض الحسم”: الرقائق مقابل السلام
تؤكد التقارير الواردة من دوائر صنع القرار في واشنطن وبكين أن ترمب لا يكتفي بممارسة الضغوط، بل يحمل عرضاً “برغماتياً” يهدف لزحزحة الموقف الصيني المتحجر تجاه طهران:
الانفراجة التكنولوجية السيادية:
تشير المصادر إلى استعداد الإدارة الأمريكية لتغيير سياستها تجاه تصدير أشباه الموصلات المتقدمة للصين، والتحول من “الحظر الشامل” إلى نظام “المراجعة الفردية”، مقابل تعاون صيني حاسم لإرغام طهران على قبول وقف إطلاق النار.
خفايا “عرض الحسم”: الرقائق المتقدمة كـ “عملة مساومة” استراتيجية
تؤكد مصادر مطلعة في واشنطن أن ترمب، الذي يُعرف ببراعته في تحويل الأزمات السياسية إلى صفقات تجارية، يحمل عرضاً “زلزالياً” يتجاوز مجرد التهديد بالعقوبات. السر يكمن في “تكنولوجيا الرقائق”
حيث تشير التقارير إلى أن الإدارة الأمريكية مستعدة لرفع الحظر عن معدات إنتاج الرقائق من فئة (7 نانومتر) و (14 نانومتر) المخصصة للأغراض المدنية، وهي الرئة التي تتنفس من خلالها طموحات الصين في الذكاء الاصطناعي.
هذا التنازل الأمريكي، الذي كان يُعتبر خطاً أحمر في السابق، معروض اليوم مقابل ثمن باهظ: وهو “الفك الفوري والنهائي” للارتباط النفطي والمالي مع طهران.
ترمب يريد من شي جين بينغ أن يمارس دوره كـ “خناق” اقتصادي وحيد قادر على إجبار إيران على قبول “اتفاق الاستسلام الملاحي” في مضيق هرمز.
مما ينهي أزمة الطاقة العالمية ويمنح ترمب انتصاراً تاريخياً يهدئ به أسواق الداخل الأمريكي المضطربة قبل الانتخابات القادمة.
ضمانات الطاقة البديلة:
يطرح ترمب حزمة ضمانات لتأمين احتياجات الصين النفطية من مصادر بديلة ومستقرة، لتعويض النقص الناتج عن الوقف الفوري لشراء الخام الإيراني.
تلاشي فرص الاتفاق بين واشنطن وطهران بعد رفض إيران المقترح الأمريكي
دبلوماسية “الهاوية” في المدينة المحرمة
كيف تناور بكين بين واشنطن وطهران؟
في المقابل، تدرك بكين أن قبول العرض الأمريكي دون ضمانات قوية يعني التضحية بحليف استراتيجي (إيران) يوفر لها مدخلاً حيوياً لمنطقة الشرق الأوسط بعيداً عن الهيمنة الأمريكية.
المصادر الصينية تشير إلى أن شي جين بينغ سيواجه ترمب بورقة “أمن الطاقة المستدام”؛ فالصين ليست مستعدة لوقف شراء النفط الإيراني (الذي يتدفق عبر “الأسطول الشبح” ومصافي الشتات الصينية) إلا إذا ضمنت واشنطن تدفقاً موازياً من النفط الأمريكي والسعودي بأسعار تفضيلية ثابتة لسنوات.
علاوة على ذلك، يبرز ملف “العناصر الأرضية النادرة” كأداة ضغط صينية صامتة في الدهاليز.
حيث لوحت بكين بقدرتها على “إبطاء” توريد هذه المعادن الضرورية للصناعات العسكرية الأمريكية إذا استمر ترمب في سياسة “العقوبات الثانوية” على البنوك الصينية التي تتعامل مع طهران.
إنها عملية “عصر أصابع” متبادلة، حيث يسعى كل طرف لاختبار مدى قدرة الآخر على تحمل الألم الاقتصادي.
هدنة “العشرة بالمئة”
لتهيئة المناخ، نجح الجانبان في التوصل لاتفاق مبدئي بخفض الرسوم الجمركية الإجمالية إلى 10%، كبادرة حسن نية تسبق المفاوضات الكبرى حول الفائض الصناعي الصيني.
الأجندة السرية: “الغموض المدروس” في تايوان وسلاح “الصويا وبوينغ”
من أكثر الأسرار إثارة في هذه القمة هو ما يسمى بـ “سيناريو تبادل الجبهات”
يهمس دبلوماسيون في العواصم الأوروبية بأن ترمب قد يعرض “تخفيض مستوى الاستفزاز” في ملف تايوان، بما في ذلك تأجيل تسليم شحنات أسلحة هجومية معينة، مقابل قيام الصين بـ “رفع الغطاء الدبلوماسي” عن إيران في مجلس الأمن وتسهيل مرور ناقلات النفط الدولية تحت حماية صينية-أمريكية مشتركة.
هذا السيناريو، رغم خطورته، يمثل “الواقعية السياسية” التي يفضلها ترمب، فهو يرى أن تأمين مضيق هرمز وإعادة أسعار الغاز لمستوياتها الطبيعية أهم بكثير من الانغماس في تفاصيل النزاع في مضيق تايوان في الوقت الراهن.
بكين من جهتها تراقب هذا العرض بحذر، وتتساءل: هل يمكن الوثوق بوعود ترمب “المتقلبة” بعد تنفيذ بكين لالتزاماتها تجاه إيران؟
في حين تظل تايوان “الخط الأحمر” لبكين، يتبع ترمب نهجاً يعتمد على المقايضة السياسية وليس فقط التهديد العسكري:
تعليق صفقات الأسلحة:
يلوح ترمب بتأجيل تنفيذ أكبر صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 11 مليار دولار، كجزرة دبلوماسية مقابل ليونة صينية في ملف مضيق هرمز.
مليارات المشتريات:
يتم التحضير للإعلان عن التزامات تجارية صينية “انفجارية” لشراء أساطيل من طائرات “بوينغ” وكميات ضخمة من الصويا، لضمان استقرار الأسواق الأمريكية قبيل انتخابات التجديد النصفي.
بكين تلعب بورقة “الوسيط الموثوق”
لم تكن بكين لتنتظر وصول ترمب لتحدد أوراقها؛ حيث تؤكد المصادر الصينية أن استقبال وزير الخارجية “وانغ يي” لنظيره الإيراني الأسبوع الماضي كان رسالة واضحة لواشنطن بأن بكين هي “المفتاح الوحيد” لغرفة العمليات في طهران.
مستوى التوافق الميداني:
رغم العقوبات الأمريكية الأخيرة على شركات صينية تتهمها واشنطن بتقديم دعم استخباري لإيران، إلا أن الطرفين وصلا لتوافق بضرورة “إدارة المخاطر” ومنع خروج الصراع عن السيطرة، وهو ما يفسر خفض نبرة التهديدات المتبادلة في الساعات الـ24 الأخيرة.
السيناريوهات المتوقعة: قمة النجاح القلق
تتوقع مراكز الأبحاث الدولية مثل “معهد العلاقات الخارجية” (CFR) أن تخرج القمة ببيان “هدنة استراتيجية”.
النجاح الحقيقي لترمب لن يقاس بالصور التذكارية في “معبد السماء”، بل بمدى اقتناع “شي جين بينغ” بأن تكلفة التمسك بالحليف الإيراني أصبحت أعلى من مكاسب “صفقة القرن” التكنولوجية التي يعرضها “رجل الصفقات” الأمريكي.






