علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
إبداع
أحمد عبد الجواد
أحمد عبد الجواد

إعلامي وكاتب وشاعر

د. أحمد عبد الجواد يكتب: بلاغة الفقد واسترداد الوجود قراءة في المجموعة القصصيّة بعد موتي لأحمد موسى

تبلغ المجموعة ذروة توتّرها الإنسانيّ في نصوص الفقد المباشر؛ ففي قصّة من يأتيني بأبي، يتحوّل الإفطار الرمضانيّ الوديع إلى مجزرةٍ مباغتة تمحو البيت بمن فيه

مشاركة:
حجم الخط:

تفتتح المجموعة القصصيّة بعد موتي للكاتب الفلسطينيّ أحمد موسى أفقًا مغايرًا في أدب المقاومة والشهادة الإنسانيّة، إذ تعمل على تحويل الفاجعة إلى مختبرٍ جماليّ وفلسفيّ يستنطق شظايا الذات وأشلاء المكان.

من عتبة الغلاف، يستحضر الكاتب مقولة غسّان كنفاني الخالدة:

“لا تمت قبل أن تكون نِدًّا”، لتغدو نصوص المجموعة بمثابة منازلةٍ رمزيّة ضدّ الفناء، ومحاولةٍ لاجتراح الخلود عبر الكلمة حين تعجز الجغرافيا وتتهاوى الجدران”

 تتجاوز هذه المجموعة التوصيف الكلاسيكيّ للقصّة القصيرة، لتنسج عبر عشرين نصًّا شبكةً علائقيّة بين التخييل الذاتيّ، والواقعيّة الصادمة، والترميز الميتاسرديّ، جاعلةً من الموت نقطة ابتداء لا محطّة ارتحال، ومن الكتابة جسرًا لترميم ملامح سُكبت على الإسفلت.

ميتاسرد التمرّد: عندما تثور الشخوص على صانعها

يفتتح القاصّ مجموعته بنصوصٍ تنتمي إلى ما بعد الحداثة السرديّة، حيث تتصدّع الحدود بين المؤلّف والشخصيّة.

في قصّة إجرام كاتب، يدخل السارد في صراعٍ وجوديّ مع شخوصه الورقيّة أثناء قراءته لرواية الجريمة والعقاب.

 فيقرّر تصفية إحدى شخصيّاته دراميًّا لأنّها تجرّأت على التمرّد على سلطته، ليفاجأ في الختام بأنّ الفتاة الجالسة قبالته هي التي تمسك بزمام القلم، وتنقضّ عليه خنقًا معلنةً أنّه هو الكائن الورقيّ الذي حان موعد محوه.

يتكرّر هذا التفكيك الحاذق في قصّة ولاء المسكينة، فحين تعاتبه حبيبته على الغياب، يواجهها ببرود الكاتب الذي لا يسعه أن يحبس روحه في شخصيّةٍ واحدة، مبرّرًا إنهاء اللقاء بأنّه مضطرّ لإنهاء القصّة الآن، وواعدًا إيّاها بلقاءٍ أو زواجٍ في روايةٍ قادمة.

هذا التوظيف الميتاسرديّ تعبيرٌ رمزيّ عن فقدان الإنسان الواقعيّ السيطرة على مصيره تحت وطأة القهر، فلا يجد ملاذًا لممارسة سلطته أو اختبار عجزه إلا داخل الفضاء النصّيّ.

نسبيّة الزمن وجغرافيّا الحصار الكافكاويّ:

تقدّم قصّة خارج الزمن واحدةً من أعمق الرؤى المعرفيّة في المجموعة، في داخل سيّارة أُجرة، يختلف الركّاب حول الساعة الراهنة:

أحدهم يراها فجرًا، وآخر ظهيرةً حارقة، وثالثٌ منتصف ليل، مما يجعلك تسأل نفسك هل هناك حالة من الهذيان أصابت الركَّاب.

لكن الأمر ليس كذلك الأمر في لعبة الزمن، وتمزقه داخل قطاع غزّة؛ حيث يتحوّل الحصار إلى شللٍ يلغي حركة التاريخ ويجعل الزمن دائريًّا يتغذّى على ذاته كقطّةٍ تلاحق ذيلها.

يكتمل هذا البعد الكابوسيّ في نصّ معبر رفح، حيث يتجلّى الإرث الكافكاويّ بامتياز

فنرى البطل يستعدّ للسفر، فيقتلع رأسه ويودعها أمانةً لتعود لبيته، يتقيّأ ذكرياته الدامية ليتخلّص من ثقل الذاكرة، ويلقي كفنه من الحقيبة متأهّبًا للحياة.

غير أنّ عبارة “مرفوض أمنيًّا” تعيده قسرًا إلى نقطة الصفر، ليعود إلى مقعده مطرودًا، مستردًّا كفنه ليدسّه في عمق الحقيبة، بانتظار محاولةٍ ثامنة لن تجي.

إنّها بيروقراطيّة الإفناء التي تحوّل التنقّل الطبيعيّ للإنسان إلى ضربٍ من المستحيل.

شعرية الفجيعة والجسد بوصفه وثيقة

تبلغ المجموعة ذروة توتّرها الإنسانيّ في نصوص الفقد المباشر؛ ففي قصّة من يأتيني بأبي، يتحوّل الإفطار الرمضانيّ الوديع إلى مجزرةٍ مباغتة تمحو البيت بمن فيه.

لا يلجأ الكاتب إلى الخطاب الإنشائيّ العالي، بقدر ما يرصد المشهد بعدسةٍ ميكروسكوبيّة بالغة القسوة:

طفلٌ مبتور الساق يزحف على ركامه، يمسك بيده ساقه المقطوعة وبرأس أمّه المبتور بعدما طمر الإسمنت جسدها، متشبّثًا بأملٍ وحيد هو نجاة والده الغائب، قبل أن يصدمه المشفى بنبأ استشهاد الأب في اللحظة ذاتها.

هنا يغدو الجسد الفلسطينيّ وثيقة إدانةٍ تاريخيّة، فالأطراف المبتورة، والرؤوس المشوّهة بالبارود، ودماء الأمهات التي تخضب التراب في ظل الشجرة كينوناتٍ حيّة تسلب القاتل مشروعيّته الأخلاقيّة حتّى بعد سقوطها.

تداخل الجراح الإنسانيّة والتسامي الفلسفيّ

من علامات النضج الفكريّ في هذه المجموعة انفتاحها على آلام الإنسان دون تقوقعٍ هويّاتيّ ضيّق.

يتجلّى ذلك في نصّ من حلب إلى غزة،حيث يلتقي شتات اللجوء السوريّ بعوز المخيّم الفلسطينيّ.

الفتاة الحلبيّة التي تبيع علب الكبريت على رصيف غزّة لا تجد دفئًا إلا في كتابٍ قديم نبشته أمّها من النفايات، في إشارةٍ رمزيّة دالّة:

الثقافة والمعرفة هما الملاذ الأخير لكرامة المنكوبين حين تضيق بهم الجغرافيا وتستحيل الديار ركامًا.

أمّا في قصّة الحب أعظم ديانة، فيرتقي الكاتب بالعاطفة الإنسانيّة إلى مرتبة التطهّر الصوفيّ.

حبٌّ عابرٌ للحواجز يجمع بين شابٍّ مريضٍ بالسرطان من غزّة وفتاةٍ مسيحيّة من الضفّة الغربيّة.

تقف كنيسة المهد بمحاذاة مسجد عمر شاهدةً على محاصرة البنادق لنبض القلوب، ليعلن النصّ بجرأةٍ أنّ المحبّة هي جوهر الألوهة والوجود، وأنّ التمزّق الجغرافيّ والمذهبيّ يسقط أمام صلاة العشّاق المصفّدين بالقيود.

في نصّ بعد موتي، يختزل الكاتب هويّته الفكريّة في مشهدٍ سرياليّ غريب:

كاتبٌ يسير في الشارع حاملًا دماغه بين يديه بعدما تصارع في وعيه المتنبّي وابن زيدون مع كافكا وكامو وأفلاطون وغسّان كنفاني، وحين يلحّ عليه سائلٌ يطلب لقاءه، يجيبه باقتضاب:

“بعد موتي”

خاتمة: القيامة المؤجّلة في حضرة الكلمة

مجموعة بعد موتي هي مانيفستو سرديّ للنجاة بالمعنى الوجوديّ.

فقد استطاع أحمد موسى ببراعةٍ متماسكة ولغةٍ أدبيّة رشيقة ومكثّفة أن يحوّل الألم المحلّيّ إلى مساءلةٍ فلسفيّة كونيّة حول العدالة، والزمن، والحرّيّة.

إنّها شهادةٌ تؤكّد أنّ الكلمات لا تموت مع أصحابها، وأن الحرية تنهض من بين الركام لتعيد ترتيب العالم بعد رحيلهم، جاعلةً من كلّ حكايةٍ نِدًّا حقيقيًّا للعدم.

شارك المقال:

شاركنا برأيك