مقالات
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (5)

حتى انتهت الرحلة إلى دنشواي نفسها؛ القرية التي عرفت أصواتهم قبل أن تعرف صرخاتهم، وسمعت مواويلهم قبل أن تسمع أحكام إعدامهم وسجنهم وتسمع وقع السوط على ظهورهم

مشاركة:
حجم الخط:

الحكم الذي تجاوز المتهمين ليصيب مصير الهلباوي

ينهي الهلباوي مرافعته، لتصدر المحكمة أحكامها:
أولًا: حسن علي محفوظ، ويوسف حسن سليم، والسيد عيسى سليم، ومحمد درويش زهران… بالإعدام شنقًا.
ثانيًا: محمد عبد النبي، مؤذن القرية، وأحمد عبد العال محفوظ… بالأشغال الشاقة المؤبدة.
ثالثًا: أحمد محمد السيسي… بالأشغال الشاقة خمس عشرة سنة.
رابعًا: محمد علي أبو سمك، وعبده البقلي، وعلي شعلان، ومحمد محفوظ، ورسلان السيد علي، والعيسوي محمد محفوظ… بالأشغال الشاقة سبع سنوات.
خامسًا: حسن إسماعيل السيسي، وإبراهيم حسنين السيسي، ومحمد الغباشي السيد علي… بالحبس مع الشغل سنة واحدة، وجلد كل واحد منهم خمسين جلدة، على أن يُنفذ الجلد في قرية دنشواي فورًا.
سادسًا: السيد العوفي، وعزب عمر محفوظ، والسيد سليمان خير الله، وعبد الهادي شاهين، ومحمد أحمد السيسي… بجلد كل واحد منهم خمسين جلدة بالقرية، مع تكليف مدير المنوفية بتنفيذ الحكم في الحال.
وهكذا بلغ عدد الأهالي الذين صدرت بحقهم الأحكام في حادثة دنشواي واحدًا وعشرين رجلًا. كان من بينهم ثلاثة من عائلة محفوظ، واثنان من عائلة سليم، أما النصيب الأكبر فكان لعائلة السيسي التي صدر بحق أربعة من أبنائها أحكام متفاوتة.

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول (3)

محمد فرحات يكتب: إبراهيم الهلباوي وسعد زغلول(2)

حين انتصر المحامي… وخسر الإنسان

لم يفرح الهلباوي، ولم يبتهج كما اعتاد كلما خرج من قاعة المحكمة منتصرًا.

في تلك اللحظة فقط، حين سمع أنين ذوي الفلاحين وبكائهم، أدرك أنه لم يصدر حكمًا على المتهمين وحدهم، بل أصدر حكمًا لا هوادة فيه على نفسه، وعلى ما تبقى من عمره، وعلى تاريخه كله.

في تلك اللحظة فقط تذكر أنه ربما كان من الأجدر به أن ينتظر القطار.

الإمبراطورية في مواجهة القرية

ها هي الإمبراطورية العظمى التي لا تغرب عنها الشمس تصوب كل بطشها نحو حفنة من الفلاحين الذين لم تعرف بطونهم شبعًا، ولا عرفت أقدامهم حذاءً.

ومن شبين الكوم، حيث جرت المحاكمة، سيق المحكوم عليهم بالأغلال وتحت وقع السياط، على مرأى ومسمع من آبائهم وأمهاتهم وزوجاتهم وأبنائهم الذين لم ينقطع عويلهم وصراخهم.

مروا بهم على قرى المنوفية قريةً بعد قرية، ليكونوا عبرة لكل من يفكر في مس جندي من جنود الاحتلال بسوء.

حتى انتهت الرحلة إلى دنشواي نفسها،القرية التي عرفت أصواتهم قبل أن تعرف صرخاتهم، وسمعت مواويلهم قبل أن تسمع أحكام إعدامهم وسجنهم وتسمع وقع السوط على ظهورهم.

فلاحو دنشواي يمرون على القرى ليكونوا عبرة لمن يقاوم الإنجليز
فلاحو دنشواي يمرون على القرى ليكونوا عبرة لمن يقاوم الإنجليز

المشانق بين أجران القمح

هنا كانت الحقول التي زرعوها، والسنابل التي سقوها يومًا بعرقهم، وأعواد البرسيم والقمح التي شهدت مواسم تعبهم.

وهنا كانت ليالي الشتاء التي التفوا فيها حول نار الركية، يتبادلون الحكايات والضحكات بينما يتصاعد بخار الشاي الأسود أدوارًا من أكواب الصفيح الصغيرة لكن المشهد قد تبدل.
ففي المكان نفسه نُصبت المشانق، وأقيمت عرائس الجلد، وبين كل جسدين يتدليان من حبل مشنقة، كان بائس آخر يتلقى ضربات السوط.

شهادة من قلب المأساة

يقول أحد الشهود في تقرير قدمه الدبلوماسي والكاتب ويلفرد بلنت إلى مجلس العموم البريطاني عام 1907:
“وقامت هناك منصة كبيرة يبلغ علوها ثلاثين قدمًا، ولا تزيد مساحتها على مترين، وربطوا حبلًا كبيرًا يكفي لتصيّد فيل كبير.

وقد غصت سطوح الأكواخ بالنساء النائحات، ثم صحن صيحات الرعد لما أبصرن معدات الإعدام قد نُصبت…”

وهكذا توالت الإعدامات والجلد والصرخات في مشهد لم ينسه التاريخ، وإن تجاهل بعض صفحاته.

ما الذي كان ينتظره المؤرخون؟

كثيرًا ما تتجاوز بعض الكتابات هذا المشهد خشية المساس بصورة البطولة الوطنية، لكن المشاعر الإنسانية لا تعرف المجاملة.

وماذا كان يُنتظر من هؤلاء البسطاء غير الخوف والترجي والتشبث بالحياة؟

ماذا كان يُنتظر من رجال لم تغادر أقدام معظمهم حدود قريتهم يومًا، فإذا بهم يواجهون المشانق والسياط والجنود والمحاكم الاستثنائية دفعة واحدة!؟

الكلمات الأخيرة تحت حبل المشنقة

كان أول المشنوقين حسن محفوظ، وقد بلغ الخامسة والستين من عمره.
صعد درجات المشنقة ببطء، ثم استدار نحو قريته للمرة الأخيرة، كأنه يودع الحقول والأهل والذكريات، وصاح:

“إنا لله وإنا إليه راجعون… يا محمد يا شاذلي (عمدة دنشواي)، يا أحمد يا زايد، يا محمد يا عمر.. الله يخرب بيوتكم، الله يظلمكم كما ظلمتموني!”

وظل هذا الدعاء مسجلاً في مضابط التاريخ وشهادات الصحفيين (مثل مراسلي جريدة الأهرام والمقطم) الذين حضروا الواقعة.

كان محمد الشاذلي عمدة قرية دنشواي وقت وقوع المأساة عام 1906، وقد ارتبط اسمه بالتعاون الإداري مع سلطات الاحتلال.

 ليتحول اسم محمد الشاذلي في الوجدان الشعبي المصري إلى رمز للوشاية وممالأة المحتل ضد أبناء وطنه، وبعد لحظات كان جسده يتدلى في الهواء.
أما إبراهيم السيسي فكان يصرخ تحت وقع السياط المنهالة على ظهره العاري:
“سقت عليكم النبي… سقت عليكم النبي يا هوه… اشنقوني أحسن والنبي…”

ثم أُغمي عليه، بينما استمر الجلد.
ومن فوق مشنقته صاح يوسف سليم:
“اللهم انتقم من الظالمين… اللهم انتقم من الظالمين”
ولم تمض دقائق حتى أخذ جسده يتأرجح يمينًا ويسارًا.

وكان حسن العوفي يصرخ مع كل ضربة:

“في عرض الافندي… في عرض الافندي…”
أما عزب محفوظ فلم ينطق بكلمة، ظل يتأوه مع كل جلدة، حتى فقد السيطرة على نفسه وأخذ يطلق أصواتًا أشبه بالنباح، في نوبة من الهذيان والألم.

«شهل يا خي… شهل»

وحين جاء دور محمد درويش زهران، بدا أن صبره قد نفد.
تقدم نحو المشنقة بخطوات ثابتة، ثم التفت إلى عشماوي صارخًا:
“شهل يا خي… شهل!”
كأنه يطلب التعجيل بالنهاية.

يوم بكت مصر

كتب محرر جريدة “المؤيد”:

“فهوت مع زهران قلوب النساء المتفجرات، ولطمن الخدود، وتُرك معلقًا في الهواء، تذروه الرياح يمينًا وشمالًا… أقمن المناحات، وأخذن يبكين نساءً يصرن بعدهم أيامى، وينظرن إلى صغار سيكونون بعد آبائهم يتامى؛ فهن نارًا حامية، وهم في البؤس خالدون.”

وكتب العقاد:
“كنا أربعة نقرأ وصف التنفيذ في أسوان، فأُغمي على واحد منا، ولم نستطع إتمام القراءة إلا بصوت تخنقه العبرات.”

وسخر جورج برنارد شو من عدالة الإمبراطورية العظمى، ومن حرصها على إيجاد “برنامج” يسلّي جمهور المشاهدين خلال نصف الساعة التي كان يُفترض أن يظل فيها جسد المشنوق معلقًا للتأكد من وفاته.

المأساة التي أيقظت أمة

أقيمت المآتم في أنحاء مصر، وأمطرت الصحف اللورد كرومر، ممثل الاحتلال، وبطرس غالي رئيس المحكمة، وفتحي زغلول عضو هيئة المحكمة، والهلباوي، محامي الادعاء، بوابل من النقد والاتهام.

لكن دنشواي لم تكن مجرد مأساة محلية، ولم تكن مجرد أحكام إعدام وجلد.
لقد كانت الصدمة التي أيقظت الروح الوطنية المصرية من سبات طويل امتد منذ عام 1882.

كانت اللحظة التي أدرك فيها المصريون أن الاحتلال ليس إدارة أجنبية فحسب، بل قوة مستعدة لأن تنصب المشانق في قلب قرية صغيرة دفاعًا عن هيبتها.
ومن بين صرخات المجلودين، وأنين الثكالى، وأجساد المشنوقين المتأرجحة فوق حقول الذرة وهشيم حصاد القمح، خرجت دنشواي من حدود قرية مجهولة لتتحول إلى رمز، ومن حادثة عابرة إلى جرح ظل مفتوحًا في الذاكرة الوطنية المصرية لعقود طويلة.

شارك المقال: