عمرو صابح يكتب: الحرس الثوري يصعّد ونتنياهو المستفيد الأكبر
الحرس الثوري لا ينظر إلى «الجمهورية الإسلامية» باعتبارها مجرد نظام سياسي قابل للتغيير أو التفاوض، وإنما باعتبارها عقيدة وجودية، وبقاءها بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت.

صورة من ميناء دمياط (وكالات)
لا يمكن قراءة استهداف مسيّرة لسفينتين في ميناء دمياط بمعزل عن اغتيال الولايات المتحدة للمرشد الإيراني علي خامنئي، وما أعقبه من إعادة تشكيل عميقة للهيكل القيادي في طهران.
وإذا ثبت أن الهجوم نُفذ عبر وكلاء لإيران في حوض البحر المتوسط، فنحن أمام مرحلة جديدة من الصراع، تتراجع فيها الخطوط الحمراء وتتسع ساحات المواجهة لتصل إلى ممرات التجارة والموانئ الحيوية.
توهم ترامب أن تصفية خامنئي ستؤدي إلى تفكيك النظام الإيراني من الداخل، والتخلص من قادته المتشددين، وفتح الطريق أمام المعتدلين إلى قمة السلطة.
عمرو صابح يكتب: أمن مصر الغذائي في زمن مضطرب (القمح)
عمرو صابح يقرأ: كتاب الأمية في مصر “1923 – 1952” للباحثة آية سمير غريب
لكن النتيجة جاءت عكسية؛
فبدلًا من إضعاف البنية الصلبة للنظام، أدت تصفية رأسه السياسي والعقائدي إلى ما يشبه «انقلابًا عسكريًا ناعمًا» داخلها، مع انتقال مركز الثقل إلى الحرس الثوري.
وفي قلب هذا التحول يقف قائد الحرس الثوري أحمد وحيدي، الذي أصبح الحاكم الفعلي لإيران والمسيطر على مقاليد السلطة ومراكز القرار.
وفي المقابل، يظل اختفاء مجتبى خامنئي عن المشهد، رغم موقعه الحساس، أمرًا غامضًا وغير مبرر، بما يفتح الباب أمام تساؤلات واسعة حول طبيعة السلطة الحقيقية في طهران.
فوحيدي لا يحكم بعيدًا عن مجتبى المختفي، وإنما يحكم من خلاله، بينما يتحول المرشد إلى واجهة شرعية لنفوذ المؤسسة العسكرية التي باتت تمسك بمفاصل الدولة.
أما بزشكيان وقاليباف وعراقجي، فعلى الرغم من مواقعهم الرسمية، فإنهم لا يمثلون مركز القوة الحقيقي في النظام؛ إنهم مجرد واجهات سياسية وديكور مدني لنظام بات القرار فيه بيد قائد الحرس الثوري.
وهنا تكمن خطورة التحول
فالحرس الثوري لا ينظر إلى «الجمهورية الإسلامية» باعتبارها مجرد نظام سياسي قابل للتغيير أو التفاوض، وإنما باعتبارها عقيدة وجودية، وبقاءها بالنسبة إليه مسألة حياة أو موت.
ومن ثم يصبح توسيع المواجهة خيارًا قابلًا للتطبيق مهما بلغت كلفته، حتى لو امتدت النيران إلى الملاحة الدولية والموانئ الحيوية في البحر المتوسط.
وتتحول «الأرض المحروقة» من مجرد تكتيك عسكري إلى عقيدة صراع: إذا كان بقاء النظام مهددًا، فإن الاستقرار الإقليمي نفسه يصبح قابلًا للتضحية به في سبيل بقائه.
وفي الطرف الآخر من هذه المعادلة
يقف بنيامين نتنياهو باعتباره المستفيد الأكبر من هذا التحول.
فصعود الحرس الثوري وتشدد طهران واتساع رقعة استهداف الملاحة والموانئ يمنحه الغطاء السياسي والأمني لإبقاء المنطقة في حالة حرب مفتوحة، وتأجيل استحقاقات الداخل الإسرائيلي، وتعبئة المجتمع حول الخطر الخارجي، وترسيخ عقيدته الأمنية القائمة على المواجهة المستمرة.
لقد جرّ نتنياهو ترامب إلى الحرب، ثم اتسعت دائرتها لتشمل دول الخليج، والآن يبدو أن الدور يُدفع في اتجاه مصر.
وهنا تتشكل المفارقة الأخطر:
مصلحة متبادلة بين المتطرفين على جانبي الصراع.
فالحرس الثوري يحتاج إلى التهديد الخارجي لتبرير تشدده وترسيخ شرعيته وحشد الداخل خلف النظام، بينما يحتاج نتنياهو إلى بقاء التهديد الإيراني حاضرًا ومتصاعدًا لتبرير استمرار الحرب. كل طرف يجد في تشدد الآخر وقودًا لبقائه السياسي والأمني.
والمأساة أن هذه الدائرة لم تعد محصورة بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، بل تمتد من الخليج والبحر الأحمر إلى شرق المتوسط والموانئ المصرية.
وعندما تصل الحرب إلى ممرات التجارة والموانئ، فإنها تتحول من صراع إقليمي إلى تهديد مباشر للأمن الإقليمي والاقتصاد العالمي.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية:
أن تتحول مصر، التي حاولت تجنب الانخراط المباشر في هذه الحرب، إلى ساحة جديدة للصراع، بينما يدفع الإقليم كله ثمن مواجهة لا يملك اختيار توقيتها ولا حدودها.





