ظلُّ أمٍ على الجدار
جلست على الأرض، يجاورها رغيف يابس، وبراد شاي برد منذ ساعات. في يدها صورة قديمة لعدي وهو في السادسة، يرتدي قميصًا أحمر، يبتسم وكأن الغد لا يحمل قصفًا ولا موتًا. تقوم كل بضع دقائق، تفتح الباب الخشبي القديم، تنظر يمينًا ويسارًا، ثم تعود وتجلس أمام الحائط

القصة الثالثة
ظلُّ أمٍ على الجدار
د. عبود مصطفى عبود
كانت الساعة تشير إلى الخامسة مساءً، الشمس لم تغرب تمامًا، لكنها بدت متعبة، تميل على وجه المدينة كأمٍّ تحتضر فوق طفلها. في حي الزيتون، داخل غرفة ضيقة نصفها بلا نوافذ، جلست أم عدي تنظر إلى الحائط، حيث يمتد ظل وحيد كأنه علامة حياة على جدار ميت.
الظل كان لابنها، عدي.
خرج في الصباح ليحضر خبزًا من أحد الأفران التي ما تزال تعمل في الطرف الغربي من الحي، ولم يعد.
قبل خروجه، التفت نحوها وقال:
ـ ما تقلقيش، بس خمس دقايق وبرجع.
وردّت:
ـ لا تتأخر يا ضوّ عيني، الله يخليك.
لم يكن في حديثهما شيء خاص، لكنه أصبح الآن حديثًا مقدّسًا. كانت تحاول استعادته حرفًا حرفًا، كأنّ في ذلك طمأنينة، أو تعويذة تعيده حيًا.
جلست على الأرض، يجاورها رغيف يابس، وبراد شاي برد منذ ساعات. في يدها صورة قديمة لعدي وهو في السادسة، يرتدي قميصًا أحمر، يبتسم وكأن الغد لا يحمل قصفًا ولا موتًا.
تقوم كل بضع دقائق، تفتح الباب الخشبي القديم، تنظر يمينًا ويسارًا، ثم تعود وتجلس أمام الحائط، تراقب ذلك الظل، الذي رسمه عدي ذات يوم حين وقف أمام الشمس وقال:
ـ شوفي ماما، ظلي صار أطول مني!
ضحكت يومها وقالت:
ـ يعني كبرت؟
قال بمرح:
ـ لا، بس الشمس بتحبني أكتر.
اليوم، لم يعد هناك شمس.
ولم يعد عدي.
لكن الظل… بقي.
كأن الله ترك لها شيئًا منه، أثرًا لا يُقصف.
منذ العصر وهي تسمع الأخبار من الجيران. قصف عند مفترق الشجاعية. انفجار في حي التفاح. شهيد مجهول الهوية نُقل إلى مستشفى الشفاء.
لكن لا اسم “عدي”.
وقفت، ووضعت يدها على الحائط، على المكان الذي كان يقف فيه عادة. سارت بأصابعها على الظل، كأنها تتفقده، تتحسسه، تحكي له:
ـ روّح يا عدي، حتى لو بدون الخبز… روّح وخليني أطمّن. أنا ما بدي غيرك.
جلست قرب الظل، وأخذت تهمس:
ـ أنا عارفة إنك بخير. قلب الأم ما بيكذب. أنت يمكن عند حدّ من أصحابك. أو يمكن ساعدت حدا انجرح. أنت بتعملها… دايمًا قلبك كبير.
ثم انهمرت دموعها فجأة، بلا صوت.
هي التي ما بكت يوم استشهد زوجها، ولا حين تهدّمت الغرفة المجاورة.
اليوم، كانت تبكي لأن “الخوف” صار هو الشيء الوحيد الذي يطرق بابها، لا ابنها.
من خلف الباب، سُمعت أصوات الناس في الخارج:
ـ لسه في غارات… الطيران فوقنا.
ـ مش قادرين نروح عالشهداء نشوف مين هناك.
ـ الكهرباء قُطعت، والمستشفى فاض.
أغلقت الباب، ثم عادت وجلست، وأخذت تغني له بصوت خافت، لحنًا قديمًا كانت تغني له إياه وهو صغير:
“نام يا عدي… الليل طويل
بس أنا حدك… مهما يميل
لو القصف طق… ما بخاف
طول ما قلبك… فيه الميل”
غنت، ثم صمتت.
عادت تنظر إلى الظل، ولاحظت أن الشمس بدأت تميل أكثر، والظل بدأ ينزلق… يتلاشى.
هرعت إليه، وقفت أمامه، وضعت جسدها ليبقى مكانه. لا تريد أن يختفي، لا تريد لعدي أن يغيب أكثر.
كأنها تقول:
ـ لو راح كل شي… خليه يضل.
عندما غربت الشمس تمامًا، لم تعد ترى شيئًا على الحائط. اختفى الظل. اختفى كما يختفي ضوء المصباح حين تنقطع الكهرباء فجأة. لم تكن تدري لماذا أحست أن ما اختفى ليس مجرد ظل، بل قطعة من نفسها ذابت في الجدار، تبخّرت في العتمة.
وقفت أم عدي في منتصف الغرفة، تنظر إلى نفس البقعة، تتحسسها بيدها كأنها تطلب من الجدار أن يعيد لها ما أخذ. ثم فجأة، سمعت طرقًا خفيفًا على الباب. أسرعت كأن الدم عاد إلى قدميها، فتحت الباب، لكن لم يكن عدي.
كان الجار، أبو هلال، شيخ سبعيني بوجه متعب وملامح اختلطت فيها الحروب السابقة بالحرب الحالية.
قال لها بصوت منخفض:
ـ أم عدي… سامعيني شوي؟
ردّت بصوت مبحوح:
ـ لقيتوه؟
سكت لحظة، ثم قال:
ـ في شاب نُقل للشفاء… مجهول، عمره يقارب عدي، كان لابس جاكيت أسود. ما معه هوية.
وضعت يدها على صدرها، ثم على الحائط، حيث الظل لم يعد، وقالت:
ـ عدي مش مجهول… هو اسمه بيضوي، ووجهه منور. ما بينحط ببراد الموتى مع كلمة “مجهول”.
اقترب منها وقال:
ـ أنا ما جبت خبر وفاة… بس حبيت أخبرك. يمكن بدك تروحي تشوفي.
هزّت رأسها، وأغلقت الباب بهدوء. مشت إلى الداخل كأنها تمشي فوق زجاج. ثم جلست أمام الحائط، المكان الذي كان الظل عليه، وأخذت تهمس:
ـ شو بدي أروح أعمل؟ أتفرّج على جثة؟ إذا كان عدي، روحه رح تيجي لهون قبل جسده. وإذا مش هو… أنا مش طالعة من الدار إلا على صوته.
كانت تشعر أن الخارج جحيم، والمستشفى بوابة للعالم الآخر، أما هذا البيت، ففيه رائحة عدي، خطه على الحائط، ملعقته الصغيرة، ودفتر مدرسي مرسوم عليه “أنا بحب أمي”.
بعد ساعة، جاء صوت انفجار قريب، هزّ النوافذ المهشّمة، وسقط معه إطار صورة قديمة من على الحائط. التقطتها بهدوء، ونفخت الغبار عنها، ثم أخرجت منها صورة صغيرة لعدي بعمر السابعة، يقف بجوار قبر والده.
تذكرت ذلك اليوم. كيف وقف الصغير بوجه حزين، وسألها:
ـ هو بابا راح عند ربنا؟
قالت له:
ـ أيوه، راح.
فقال:
ـ طيب ربنا راح يرجّعه؟
قالت:
ـ ربنا بيرجع لنا كل اللي بنحبهم… بس على طريقته.
جلست على الأرض، قرب الظل الذي لم يعد له وجود، وأشعلت شمعة صغيرة في ركن الغرفة. سطعت ببطء، وألقت ضوءً خافتًا على الحائط. وحين التفتت، رأت شيئًا يشبه الظل… ظلها. لكنه بدا لها كأنّه ظلّان، كأن عدي عاد بجانبها ولو طيفًا.
قالت بصوت هامس:
ـ إذا كنتَ هناك، ارجع بس شوي… خلّي صوتك يطمني.
الساعة أصبحت التاسعة. بدأ التعب يأكل أطرافها. رفعت رأسها نحو السقف، وقالت:
ـ يا رب، إذا رجع، خلّيني أسمع طرقته. إذا ما رجع، خلّيني أضل أسمعها… كل يوم.
ثم وضعت رأسها على الأرض، على نفس البلاطة التي كان يجلس فوقها ليفطر، وأغمضت عينيها.
لكنها لم تنم.
كانت أذنها تترقّب أي صوت. وكلما مرّت ريح أو خُيّل إليها صوت خارجي، فتحت عينيها بسرعة، وقلبها يرتجف.
ولمّا مرّت ساعة أخرى، ولم يُطرق الباب، قامت من مكانها، وأشعلت المصباح اليدوي، ووجّهته على الجدار.
رأت ظلها من جديد.
ورأت نفسها تمشي وحيدة.
قالت لنفسها:
ـ بس بضلني أضوي، عشان إذا رجع، يعرف الطريق.
كانت الساعة تشير إلى منتصف الليل.
البيت صامت كقبر.
الظلال تكسّرت، والشمعة الأخيرة انطفأت، والمصباح اليدوي خفّ ضوؤه حتى صار يشبه نفسًا يتقطّع.
جلست أم عدي أمام الحائط، تضع الغطاء حول كتفيها، وتحدّق في الفراغ. كانت عيناها مفتوحتين، لكن الروح كانت كأنها تقف على الحافة بين الأمل واليأس، بين الأرض والسماء، بين أن يعود عدي… أو لا يعود أبدًا.
ثم، ولأول مرة، سمعت طرقًا… لكنه ليس على الباب.
بل كان صوتًا خافتًا قادمًا من الراديو القديم الذي وضعته جوارها، ذاك الجهاز البسيط الذي لا يعمل إلا على البطاريات التي أصبحت عملة نادرة.
أدارت الزر برعشة، وتردد الصوت من إذاعة محلية:
ـ “ننعي إليكم خبر استشهاد الشاب عدي نعيم أبو قمر، البالغ من العمر ١٧ عامًا، إثر قصف استهدف شارع المدارس في حي الزيتون، صباح اليوم.”
توقّف كل شيء.
الهواء، الدموع، النبض.
لكنها لم تصرخ. لم تنهار.
بل نظرت إلى الحائط، وابتسمت.
نعم… ابتسمت، كمن توقّع الجواب، لكنه كان لا يريد سماعه. كانت تشعر منذ الساعات الأولى أن ابنها لن يعود كما خرج، لكنها كانت بحاجة إلى ظلّه على الجدار ليحميها من الحقيقة.
قامت ببطء، ذهبت إلى غرفته، جمعت ما تبقى من ملابسه، شمّت قميصه المعلّق خلف الباب، ولمست دفتره الصغير الذي كتب عليه: “أنا مش رايح بعيد يا أمي، أنا بس ها اجيبلك الخبز.”
أخذت الدفتر، وعادت إلى الحائط.
جلست، وأشعلت شمعة جديدة، ثم كتبت على الصفحة الأخيرة:
“رجعت يا عدي… مش بجسمك، بس بصوتك
رجعت لما قلت لي: ما تتأخري بالدعاء
رجعت كل ما الشمس رسمت لك ظلّ
وأنا وقفت قدامه، أحكي معك”
ثم علّقت الدفتر بجانب الحائط، بمسمار صغير.
ورسمت على الجدار، بخط يدها، ظلًا.
خطّته بالقلم الأسود، ثم كتبت تحته:
“ظلُّ عدي… باقٍ”
خرجت إلى السطح، رغم القصف البعيد، رغم البرد.
رفعت يديها إلى السماء، وقالت:
ـ يا رب، كان نفسي أضمه، بس طالما ضميته برضاك، فأنا راضية.
وفي اليوم التالي، حين زارها الجيران، وجدوا الجدار مرسومًا عليه ظلّ، وفوقه شمعة، وتحته دفتر مفتوح على صفحة مكتوب فيها:
“ليس كل من غاب، مات…
بعضهم صار ظلًا يُضيء الجدار كل مساء.”
ومنذ ذلك اليوم، صار بيت أم عدي مزارًا للأمهات، وكل من فقد حبيبًا. يجلسن قرب الظل، يقرأن من الدفتر، ويشعلن شمعة، ثم يرحلن… كأنهن زرن قلبًا ما زال ينبض في صورة على الحائط.
وكل مساء، كانت أم عدي تعود إلى الجدار، تجلس بصمت، تُضئ شمعة، وتهمس:
ـ مساء الخير يا عدي… ما تتأخرتش… زي ما قلت.






