رواية علي محمد علي الراعي (11)
ظر إليه عبدون دون أن يلمس الكتاب، وقال: وأنا مفروض أبقى واحد منهم؟ ابتسم عمر: مش لازم… بس يمكن تبقى واحد منهم… لفترة، لم يمد عبدون يده، لكنه ترك الكتاب مكانه، ولم يطلب إبعاده

صورة تعبيرية من وحي الرواية
مرة أخرى، أحضر عمر كتابًا صغيرًا، لم يفتحه أمامه، وضعه بجانبه فقط، قال: ده فيه كلام عن ناس كانت فاكرة نفسها فاهمة كل حاجة، وطلعت مش فاهمة.
نظر إليه عبدون دون أن يلمس الكتاب، وقال: وأنا مفروض أبقى واحد منهم؟ ابتسم عمر: مش لازم… بس يمكن تبقى واحد منهم… لفترة، لم يمد عبدون يده، لكنه ترك الكتاب مكانه، ولم يطلب إبعاده.
يوم ثالث، تأخر عبدون عن الخروج إلى القطيع، لم يكن ذلك يحدث، وحين خرج، تحركت الرؤوس ببطء، كأنها تنتظره.
قال عمر: شايف؟ حتى الغياب بقى له تأثير، رد عبدون: الغياب مش دايمًا حرية أوقات بيبقى فوضى،
قال عمر: وأوقات بيبقى فرصة، لم يرد عبدون، لكنه في اليوم التالي خرج أبكر من المعتاد.
ذات مرة، كان أحد الجمال يرفض الحركة، يقف في مكانه، لا يلتفت، لا يستجيب، نظر إليه عبدون طويلًا، ثم اقترب، وضع يده على رقبته، لم يشد، لم يضغط، فقط تركها هناك، وبعد لحظات، تحرك الحيوان ببطء.
كان عمر يراقب، قال: أنت بتفهمه… ولا بتفرض عليه؟ رد عبدون: الاتنين واحد… لما تفهمه صح، قال عمر: لا… مش دايمًا، نظر إليه عبدون، نظرة قصيرة، فيها شيء من الضيق، لكنه لم يجادل.
رواية علي محمد علي الراعي (10)
رواية علي محمد علي: الراعي (9)
رواية علي محمد علي الراعي (8)
أثناء جلسة مسائية هادئة، قال عمر فجأة: أنت عمرك ما اشتقت؟ سأل عبدون: لإيه؟ قال: لأي حاجة كانت قبل كده.
سكت عبدون قليلًا، ثم قال: الاشتياق رفاهية… مش كل الناس عندها وقت ليها.
قال عمر: أو يمكن اتقالك كده، لم يعلّق عبدون، لكنه تلك الليلة لم ينم فورًا.
صباح اليوم التالي أشار عمر إلى القطيع وقال: لو سيبتهم يمشوا لوحدهم يوم… هيحصل إيه؟
قال عبدون: هيضيعوا، قال عمر: أو يمكن يلاقوا طريق تاني، قال عبدون: الطريق اللي من غير راعي.. مش طريق.
قال عمر: ولا يمكن يكون هو الطريق الحقيقي.
هنا فقط، التفت عبدون، نظرة ثابتة، أطول من المعتاد، كأن الجملة لم تمر كالباقي، ثم قال: الطريق اللي مش متجرب… مش أمان.
قال عمر: والأمان اللي متعود عليه… مش دايمًا صح، لم يرد عبدون.
لكنه في اليوم التالي، ترك مسافة أكبر بينه وبين القطيع… للحظات… ثم عاد.
مرة نادرة، ضحك عمر على شيء بسيط، ضحكة خفيفة، غير محسوبة، فالتفت عبدون نحوه، كأن الصوت غريب عليه، قال: إنت بتضحك على إيه؟
قال عمر: على فكرة صغيرة… إن مش كل حاجة لازم تبقى تقيلة
نظر إليه عبدون، ثم قال: التقيل بس هو اللي بيعيش.
رد عمر: مش دايمًا… الخفيف أوقات بيطير.
مرت الأيام، لم يتحول عبدون، ولم ينكسر، لكنه لم يبقَ كما هو تمامًا، بعض الأسئلة بدأت تتحرك فيه، ببطء، بحذر، كأنها تخشى أن تُطرد، لم تغيّر طريقه… لكنها جعلته ينظر إليه أحيانًا، قبل أن يمشي فيه.
أما عمر، فلم يكن واثقًا أنه ينجح، لكنه لم يتوقف، لم يكن يحاول أن يهدم ما بناه الأب، بل أن يضع بجواره شيئًا آخر… احتمالًا… ولو صغيرًا، والأغرب أن عبدون لم يمنعه من ذلك.
في أحد اللقاءات التي طالت أكثر من المعتاد، جلس عمر على غير عجل، كأنه جاء هذه المرة ليقول شيئًا لا يحتمل التأجيل
لم يبدأ مباشرة.
تحدث أولًا عن أمه، عن بيت لم يعد كما كان بعد غيابها، عن وجوه يعرفها وتحبه، عن عائلة لم تنقطع رغم كل ما حدث.
كان صوته هذه المرة مختلفًا، أقرب، أقل حذرًا، كأنه يفتح بابًا لا يفتحه عادة، ثم سأل عبدون فجأة: هل تتذكر أنت أمك وإخوتك؟
كان عبدون يستمع، كعادته، لا يقاطع، لا يعلّق، لكن شيئًا ما في داخله بدأ يتحرك مع كل جملة، ليس تأثرًا… بل انزعاجًا خفيًا، كأن الكلمات تمس مكانًا لا يريد أن يُمس.
قال عمر، بعد لحظة صمت قصيرة: أنا عايز أخدك هناك… تشوفهم، تعيش وسط ناس مش شايفاك شغل… شايفاك إنسان.
سكت قليلًا ثم أكمل: واللي فات… هيتعوّض، أنا هعوّضك عن كل السنين دي، وهشغّل ناس تانية مكانك، واحد أو اتنين أو أكتر، بس بشروط تانية… أجازات، رواتب كويسة… حياة آدمية.
لم يتحرك عبدون فورًا، لم يغضب في اللحظة الأولى، فقط نظر إليه، نظرة طويلة، كأن الكلام لم يصل بعد، أو كأنه يحاول أن يضعه في مكانه الصحيح داخل ما يعرفه، ثم قال بهدوء شديد: تعوّضني؟
لم يلتقط عمر النبرة فورًا، قال: أيوه… اللي ضاع لازم…
قاطعه عبدون، لكن صوته لم يرتفع بعد: إيه اللي ضاع؟
توقف عمر، شعر بشيء يتغيّر، لكن لم يتراجع: سنينك… عمرك… اللي…
هنا فقط، تحرك شيء في وجه عبدون، تبدلت ملامحه ببطء، كأن الغضب لم ينفجر، بل صعد من مكان عميق، وقال: أنت شايف إن ده ضاع؟
صمت عمر لحظة، ثم قال بحذر: أنا شايف إنك تستحق أكتر من كده.
ابتسم عبدون ابتسامة قصيرة، بلا سخرية واضحة، لكنها لم تكن هادئة: أكتر من إيه؟ من اللي أنا فيه؟
اقترب خطوة، لأول مرة منذ بدأ الحديث: أنا هنا… ده مكاني، ده شغلي، ده اللي أنا فاهمه، عايز تاخدني فين؟
قال عمر: في مكان تاني… تبتدي فيه من جديد.
هزّ عبدون رأسه ببطء: أبتدي إيه؟ أنا مخلص من زمان.
سكت عمر، ثم قال: مفيش حد بيخلص وهو عايش.
هنا ارتفع صوت عبدون، ليس بالصراخ، بل بحدة واضحة: أنا مش محتاج أبتدي، ولا محتاج حد يعرّفني أنا إيه… أنا عارف أنا إيه، توقف لحظة، ثم أضاف، ونبرته تحمل شيئًا أعمق من الغضب: واللي بره ده… مش ليا.
قال عمر بهدوء: إنت بس متعود هنا… مش أكتر.
انفجر عبدون هذه المرة، ليس في حركة، بل في الكلمات: متعود؟ أيوه متعود… ومتعود كويس كمان، عارف أمشي، عارف أسيطر، عارف أعيش… إنت عايزني أسيب ده كله وأروح فين؟ لناس باعتني؟
تجمدت اللحظة.
قال عمر بهدوء منخفض: أهلك ما…
قاطعه عبدون بسرعة، كأن الكلمة نفسها لا تُحتمل: دول مش أهلي.
الصمت كان أثقل من قبل.
تنفس ببطء، ثم أكمل، وصوته أقل حدة، لكنه أكثر قسوة: اللي يبيع… ما يرجعش يبقى أهل، واللي يتساب… بيتعلّم يعيش من غيرهم.
نظر إليه عمر، ولم يجد ردًا سريعًا.
أما عبدون، فابتعد خطوة، كأن الحديث انتهى، لكنه أضاف قبل أن ينصرف: أنا هنا مش عشان مضطر… أنا هنا عشان ده مكاني… وأنا اخترت أفضّل فيه.
لم يقل عمر شيئًا، ولأول مرة منذ بدأت اللقاءات… انتهى الحديث دون أن يترك بابًا مفتوحًا، لكن في الليل، حين هدأ كل شيء، جلس عبدون وحده، لا يفكر طويلًا، ولا يسترجع الحديث كما كان يفعل، فقط ظل ساكنًا، وعيناه مفتوحتان، كأن شيئًا ما لم يُغلق تمامًا… رغم كل ما قيل.
طال غياب عمر هذه المرة، لم يأتِ كما اعتاد، لم يترك أثرًا خلفه، ولا كلمة مؤجلة، وكأن حضوره كان احتمالًا وانتهى، لكن غيابه لم يكن فراغًا، بل امتلأ بما تركه من كلام، من أسئلة لم تُغلق، من معانٍ لم تُحسم.
وجد عبدون نفسه وحده، ليس لأول مرة، لكنه هذه المرة لم يكن وحده كما اعتاد، كان معه شيء آخر، شيء لا يُرى، لكنه لا يهدأ، فكرة بدأت تتحرك في داخله، ببطء، بثقل، كأنها تجرّ وراءها كل ما مضى.
كان يقف أمام القطيع، في مكانه المعتاد، نظرته ثابتة، الأجساد تتحرك كما يجب، لا خطأ، لا ارتباك، كل شيء كما تعلّمه… وكما علّمهم، ومع ذلك، لم يكن الأمر كما كان، لم تعد الطاعة كافية لتُسكته، ولم يعد النظام يملأ الفراغ كله.
أيترك كل هذا خلفه؟ سنوات طويلة، لم يعش فيها فقط، بل صار منها، صار جزءًا من هذا المكان، من رمله، من صمته، من نظامه الذي لا يُقال… أم يذهب؟ إلى أين؟ إلى وجوه لا يعرفها، إلى عالم لم يجربه، إلى أناس… ربما يكونون أسوأ مما عرف.
تسللت الفكرة كشوكة: هل كان كلام “أبو الفضل بيه” صحيحًا؟
لم يرفضها كما كان يفعل، لم يدفعها بعيدًا، بل توقّف عندها، كأنها تستحق أن تُفحص، لا أن تُطرد، هل كان كل ما قيل له قانونًا؟ أم كان جرحًا قديمًا يتكلم بلسان رجل ظنّ أنه فهم؟
تذكّر ملامح أبي الفضل، صمته، غضبه حين يُذكر أي شيء ناعم، أي شيء فيه حياة، وتذكّر في المقابل صوت عمر، خفيفًا، لا يفرض، لا يخاف من المعنى، كأن بين الاثنين مسافة أكبر من مجرد اختلاف.
الأسئلة لم تأتِ دفعة واحدة، بل جاءت متقطعة، ثم تكاثرت، حتى صارت ضجيجًا لا يُسمع، لكنه لا يسكت.
هل الطاعة كانت نجاة… أم كانت قيدًا؟ هل القوة التي يملكها الآن… له؟ أم لِما زُرع فيه؟هل اختار… فعلًا؟ أم أنه فقط لم يجد خيارًا آخر؟
تحرك القطيع أمامه، فانصاع، كما دائمًا، لكن عبدون لم ينظر إليه هذه المرة بنفس العين، كأن الصورة اهتزت قليلًا، كأن ما كان واضحًا، لم يعد كذلك تمامًا.
في الليل، لم يأتِ النوم سريعًا، لم يكن هناك خوف، ولا قلق ظاهر، فقط يقظة طويلة، كأن ذهنه يرفض أن يغلق، كأن هناك شيئًا يُعاد ترتيبه، ببطء، دون أن يكتمل، ولأول مرة منذ زمن بعيد…لم يكن متأكدًا.






