محمد فرحات يكتب: المأساة حتمية تاريخية (2-2)
مضي مسرحية أحمد سراج الأرض الأخيرة إلى ما هو أبعد من إعادة سرد حكاية سقوط المعتمد بن عباد؛ فهي لا تصوغ التاريخ بوصفه حكاية عن صراع عربي–أوروبي، وإنما تضع المتلقي أمام حقيقة أشد مرارة: أن الصراع الحقيقي كان

غلاف مسرحية الأرض الأخيرة
في الجزء الأول من مقالنا عن مسرحية أحمد سراج الأخيرة “الأرض الأخيرة” ناقشنا كيف كان الصراع في الأندلس عربيًا/عربيًا في المقام الأول، وأن بذور هذا الصراع ممتدة الجذور منذ حروب البسوس، وأن سقوط الأندلس على يد العدو الأجنبي كان، بذلك، مجرد تحصيل حاصل.
كما تناولنا كيف أن المنقذ الخارجي (العربي) لم يكن أقل عسفًا واستبدادًا وتدميرًا مما كان سيقوم به الغازي الأجنبي.
ثم شرعنا في مناقشة توافر شروط البطل التراجيدي الكلاسيكية في شخصية “المعتمد بن عباد”، كما نظر إليها أرسطو.
وها نحن نستأنف رحلتنا في هذا الجزء الثاني والأخير من المقال، مع مسرحية “الأرض الأخيرة” للمسرحي والشاعر أحمد سراج.
الحيرة الأخلاقية:
“يا قوم إني من أمري على حالتين، حالة يقين، وحالة شك ولابد لي من إحداهما، أما حالة الشك فإني استندت إلى ابن تاشفين أو إلى الأذفونش ففي الممكن أن يفي لي ويبقى على وفائه، ويمكن أن لا يفعل، فهذه حالة الشك، وأما حالة اليقين فإني إن استندت إلى ابن تاشفين فأنا أرضي الله، وإن استندت إلى الأذوفونش أسخطت الله تعالى، فإذا كانت حالة الشك فهي عارضة، فلأي شيء أدع ما يرضي الله وآتي ما يسخطه فحينئذٍ قصر أصحابه من لومه…”.
إن المعتمد بن عباد يعرف أنّ الاستناد إلى ابن تاشفين يرضي الضمير، وأن الاستناد إلى ألفونس السادس يسخطه، لكنه يعود فيرتكب ما يدرك أنه خطيئة سياسية وأخلاقية في آن.
وهذا هو جوهر التراجيديا:
الاختيار المعلوم العاقبة
ولعلّ أصعب ما يواجهه المعتمد هو تلك الحيرة التي تسكن قراراته، فهو لا يتصرف بلا تفكير، بل يزن الأمور، ويقسم العالم بين يقين وشك. ومع هذا الوعي الواضح، يعود فيلجأ إلى ألفونس السادس. هنا يتجلى العيب التراجيدي في أصفى صوره: ليس عيبًا أخلاقيًا، بل قيدًا داخليًا، تناقضًا بين الفكرة والفعل، بين ما ينبغي أن يحدث وما يحدث.
سقوط لا يثير الشماتة، بل يولّد الشفقة والخوف
وفي لحظة الانهيار الأخيرة، تتجلى المأساة في صورتها الأكمل حين يخاطب المعتمد شبح أبيه المعتضد، في واحد من أكثر المشاهد شعرية وقسوة:
“من أسر إلى أسر، ومن ذل إلى ذل، مات أبنائي، وسبيت بناتي، ولا أعرف عن زوجاتي شيئًا، لم تعبر معي إلا اعتماد، وقد دفنتها بيدي، ماذا فعلت يا أبي لألقى كل هذا؟
فيرد شبح أبيه المعتضد:
لا بأس عليك…
فيصر المعتمد:
بل البأس كله يا أبي، لقد أضعت كل شيء، ولا أدري كيف…؟
فيجيبه شبحُ أبيه:
بؤس الملوك كعزهم… فتجلّد…
فيرد:
وماذا يفيد التجلّد أو الضعف؟ ضاع كل شيء…
فيختم المعتضد بحكمته الأخيرة:
“وهل أخذت معي شيئًا.
هذا الحوار وحده يكفي ليضع المعتمد في سلالة أبطال التراجيديا الكبرى: الملك لير حين تسقط مملكته، ماكبث حين يكتشف فراغ القوة، أوديب حين يكتشف أنه كان يركض نحو الهاوية وهو يظن أنه يهرب منها. هو بطل ساقته أخطاؤه لا من دناءة، بل من طبيعة إنسانية تمزج النبل بالضعف، والذكاء بالحيرة، والإدراك بالعجز.
جوهر الخطأ التراجيدي
خطأ المعتمد ليس جشعًا أو خيانة، بل التوحّد المرضي مع إشبيلية:
ويبلغ هذا التناقض ذروته في علاقته بإشبيلية، فالمعتمد لا يرى نفسه حاكمًا لها، بل عاشقًا متماهياً معها:
“أنا إشبيلية وإشبيلية أنا، سأعيش وهي في قبضة يدي أو أموت مدافعًا عنها…”
هذا التوحد الأسطوري مع المدينة يجعل قراراته سياسية في الظاهر، لكنها عاطفية في الجوهر، ويجعله يحارب من أجلها كأنها معشوقة لا تُترك، حتى ولو جرّ ذلك الخراب على المملكة بأسرها.
لذا فاعتقادي الراسخ أن “الأرض الأخيرة” ترقى إلى مستوى كلاسيكيات التراجيديا، لأنها، ببساطة، استوفت شروط التراجيديا:
بطل نبيل المنزلة، يملك عناصر القوة والفتنة الإنسانية.
عيب تراجيدي لا يُبطل قيمته، بل يكشف إنسانيته.
سقوط لا يثير الشماتة، بل يولّد الشفقة والخوف، وهما قطبا التراجيديا الأرسطية.
مصير لا مهرب منه، يعرفه البطل ويسير إليه بعينيه المفتوحتين.
رؤية تتجاوز التاريخ إلى الأسئلة الأخلاقية والسياسية الكبرى.
ولهذا تصبح تراجيديا أحمد سراج “الأرض الأخيرة” عملًا لا يتوقف عند حدود الماضي، ولا عند حدود الفن، بل يفتح الباب أمام سؤالٍ يعيد تشكيل وعينا السياسي والحضاري:
هل نحن، مثل المعتمد، نسير إلى مصائرنا بوعيٍ كامل، دون أن نمتلك الشجاعة لتغيير الطريق؟
محمد فرحات يكتب: المأساة حتمية تاريخية لدى أحمد سراج
“عيون بيروت” لعزة طويل: حين تصبح المدينة بطلاً
محمد فرحات يقرأ: كتاب (بغير علم الوصول)
رابعًا: التراجيديا (السراجيّة)كمرآة للواقع… والمسؤولية الموزعة…والإسقاط الحر
من خلال المعتمد، ومن خلال ابن تاشفين، ومن خلال شعبٍ “شاخت قلوبهم”، ومن خ لما كان من لال ملكٍ يصرّ على الإمساك بما لا يمكن الإمساك به، تتجلّى حقيقة قاسية: لا أحد بريء في سقوط الحضارات.
فالتاريخ معادلة حتمية مادية، لا تصنعه شخصية واحدة، ولا يسقط لسبب واحد، بل هو شبكة معقدة من التواطؤات الصغيرة والكبيرة، ومن الأخطاء المتراكمة، ومن غياب البوصلة.
إلى جانب هذا كله، تعرّي المسرحية خللاً آخر في بنية الدول الاستبدادية على مدار التاريخ: علاقة الحاكم بشعبه. يقول المعتمد في واحدة من أكثر لحظات النص كشفًا:
“فهؤلاء العامة لا يريدون الاشتراك في الرباط، ولا يريدون دفع ما يكفي لبناء جيش، يريدون فقط أن يستمتعوا بالحدائق الغناء على النهر، بالبرك في بيوتهم وقصورهم، أما أنا المعتمد فخادمهم وحارسهم، ومتى صار الملك خادمًا لمن لا يفقهون… انهارت دولته…”
إنه يحمِّل العامة جانبًا من المسؤولية، يرى في تراخيهم بذرة الهزيمة، لكنّ النص يترك هذا القول معلّقًا، لا يؤكده ولا ينقضه، بل يدعو القارئ إلى اختبار مدى عدالته، ويطرح غيرما سؤال حول دور الشعوب في مصائرها.
فحين تنعدم الاختيارات للشعوب المغلوبة على أمرها بفعل الاستبداد، تحدث هذه الاتكالية المكررة، كمرآة وانعكاسها البائس، وبكل الحقب التاريخية، المقدسة منها والوضعية! وأنها فقط الحرية هي التي تحمى الحضارات والدول من السقوط أيًّا كان الحاكم أو كان الشعب.
خامسًا: بين الماضي والحاضر… مرآةٌ تتبادل فيها الأزمنة الوجوه
النص الموازي
الطبقة الثانية في المسرحية، وهي مجموعة المبدعين المعاصرين الذين يحاولون مسرحة سيرة المعتمد عند ضريحه في أغمات مراكش، ليست تزيينًا بنيويًا، بل عنصرًا جوهريًا: إنها تقول إنّ الماضي لا يُقرأ إلا بمعايير الحاضر، والحاضر لا يُفهم إلا عبر مرآة الماضي.
هذا التناوب بين الأزمنة يجعل المسرحية نصًا حول الوعي أكثر مما هي نص حول التاريخ، ويحوّل مأساة المعتمد إلى مأساة عربية دائمة، تتكرر بصور مختلفة في كل عصر.
وأخيرًا: إنّ “الأرض الأخيرة” ليست مسرحية تاريخية فقط، بل هي نصٌّ تحليلي لمأساة الوعي العربي، ومساءلة للتاريخ بوصفه مرآة لا نحب أن ننظر فيها طويلاً.
تمضي مسرحية أحمد سراج الأرض الأخيرة إلى ما هو أبعد من إعادة سرد حكاية سقوط المعتمد بن عباد؛ فهي لا تصوغ التاريخ بوصفه حكاية عن صراع عربي–أوروبي، وإنما تضع المتلقي أمام حقيقة أشد مرارة: أن الصراع الحقيقي كان عربيًّا–عربيًّا على ذلك الفردوس المفقود الذي ظلَّ يُستعاد في الذاكرة أكثر مما عاش في الواقع. فالمعتمد وابن تاشفين، كلٌّ منهما يرى الأندلس بمرآته، والغرور السياسي يتقاطع مع الخوف، والرغبة في النجدة تلتقي بالرغبة في التملك، حتى يصبح المنقذ نفسه مشروع مستبد جديد.
وهنا تكمن قيمة مسرحية أحمد سراج؛ فهي ليست نصًا تاريخيًا يُعاد تمثيله، بل مأساة إنسانية وسياسية كاملة، تنتمي إلى تقاليد الدراما الكلاسيكية، وتذكرنا بأننا، مثل المعتمد، كثيرًا ما نسير إلى مصائرنا المهلكة ونحن نعرفها، نراها، ولا نستطيع، أو لا نجرؤ، على تغيير الطريق.
-الخطأ التراجيديّ (الهامارتيا) عند أرسطو هو الزلّة الحاسمة أو سوء التقدير الذي يصدر عن بطل كبير المكانة، لا عن شر كامِنٍ في نفسه، بل عن نقص في المعرفة أو غفلة عن حقيقةٍ جوهرية، فتتحوّل هذه الهفوة إلى قوّة دافعة تُسقِطُه من علوّ المجد إلى قاع الشقاء، مُحدِثةً في المتلقّي مشاعرَ الشفقةِ والخوف.
أسس الخطأ التراجيدي عند أرسطو:
نقصٌ معرفيّ أو خطأ في التقدير: فالبطل ليس شريرًا، وإنما يقع في خطئه مدفوعاً بالجهل بملابسات خفيّة، كما حدث مع أوديب الذي لم يكن يعلم أنّه قتل أباه وتزوّج أمَّه.
بطل ذو منزلة رفيعة: يشترط أرسطو أن يكون البطل من أصحاب المكانة والهيبة، ملكاً أو أميراً، ليكون سقوطه بالغ التأثير، إذ إنّ مأساة العاديّين لا تُحدِث الأثر الوجدانيّ ذاته.
محرك للسقوط: فالخطأ التراجيدي هو الشرارة التي تدفع الأحداث نحو المصير المأساوي المحتوم، وتجعل البطل يواجه النهاية التي تؤول إليها خياراته الخاطئة.
أمثلة دالة:
أوديب لسوفوكليس: المثال الأشهر للخطأ التراجيدي؛ فقد أدّى جهله بحقيقة نسبه إلى سلسلة من الأفعال التي قادته إلى اكتشاف أنّه قاتل أبيه وزوج أمّه، من غير عمدٍ ولا سوء نيّة، فتمّ اكتمال المأساة في لحظة الإدراك المرير.





