مقالات
د. مجدي قرقر
د. مجدي قرقر

أستاذ جامعي وكاتب

د. مجدي قُرْقُرْ يكتب: الحسنة والسيئة والجبر والاختيار

ولنأخذ ظاهر النص الذي يوحي خطئا بالتعارض، يقول رب العزة في الآية 78 بقوله " وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ"

مشاركة:
حجم الخط:

ظاهر النص 

“أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (78) مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)” (النساء)

ظاهر النص في الآيتين 78 & 79 التعارض، وحاش لله أن يكون هناك تعارض في كتابه الحكيم.

ولنأخذ ظاهر النص الذي يوحي خطئا بالتعارض، يقول رب العزة في الآية 78 بقوله ” وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ”

د. مجدي قرقر يكتب: محمد مورو (قصة إسم)

د.مجدي قرقر يكتب: محمد مورو كما عرفته

أي أن كلا من الحسنة والسيئة التي تصيبك من عند الله.

ولكن الله يقر في الآية 79 التالية لها مباشرة “مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ” أي أن الحسنة التي تصيبك فمن الله والسيئة من نفسك، وليس كلا من عند الله كما جاء في الآية 78 فكيف نفسر هذا؟!

الآيتان تتفقان في أن الحسنة من عند الله فلا خلاف. لكن الآية ١٧٨ تقول إن السيئة أيضا من عند الله، بينما الآية ١٧٩ تقول إن السيئة من نفسك. فكيف نفسر أو نفهم ذلك.. ذلك هو السؤال الذي نحن بصدده.

نعود لتفسير الآيات في سياقها حتى يفهم المقصود منها ونزيل اللبس:

آية 78: أينما تكونوا يدرككم الموت في أي مكان كنتم فيه إذا حل أجلكم ولو كنتم في حصون منيعة وإن تصيب المنافقين حسنة تسرُّهم ينسبونها إلى الله تعالى، وإن تصبهم سيئة يكرهونها ينسبونها إلى نبيه ورسوله محمد صلى الله عليه وسلم جهلا وتشاؤمًا.

فما بال هؤلاء المنافقين لا يفهمون ولا يفقهون حقيقة ما تحدثهم به.

وسياق الآية يتحدث عن الموت أي عن الأمور القدرية ما يحسب على أنه سيئة مثل الموت والمرض والحوادث أو المصائب، وما يحسب على الحسنات مثل الميلاد والشفاء من المرض وغيرها من الأمور القدرية.

أي أنه في الأمور القدرية النعم والمصائب (الحسنات والسيئات) كل من عند الله.

ويؤكد هذا المعنى ما جاء بسورة الأنعام وغيرها “وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (17الأنعام)

الخير والشر من الإنسان ونفسه 

آية 79: ما يصيب البشر مِن خير فهو من الله سبحانه وتعالى وحده فضلا ونعمة، وما يصيبه من عنت ومشقة وضنك فبسبب عمله السيئ وما توسوس به نفسه وما اقترفته يداك من الخطايا والسيئات. 

ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا” (124 طه)، ولقد أرسلناك يا محمد لعموم الناس رسولا تبلغهم رسالة ربك، وكفى بالله شهيدًا على صدق رسالتك. ويتضح من هذه الآية أنها في سياق الأمور الاختيارية التي يخير فيها الإنسان بين الخير والشر.

أي أنه في أمور الاختيار النعم (الحسنات) من الله، والمصائب (السيئات) من نفسك.

ويؤكد هذا المعنى ما جاء بسورة آل عمران وغيرها “أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ” (165 آل عمران)

النجاح والنصر كأمثلة هي من عند أنفسكم لأنكم أخذتم بأسباب النجاح والنصر ورغم ذلك فهي من عند الله منا وتفضلا لأنه يستطيع أن يمنعها ولكنه يكافئ من يأخذ بالأسباب أما الفشل.

والهزيمة فمن عند أنفسكم لأنه سبحانه ألهم النفس وبين لها فجورها وتقواها وترك للإنسان حرية الاختيار فإذا اخترت هذا الطريق وفشلت أو هزمت فهو من نفسك لأنها قضية اختيارية وليست من أمور الجبر حتى لو عرف الله هذا المآل خيرا أو شرا

خلاصة القول

أنه في أمور الجبر (القضاء والقدر) ما يحسب على أنه سيئة مثل الموت والمرض والحوادث أو المصائب، وما يحسب على الحسنات مثل الميلاد والشفاء من المرض والنجاة من الحوادث وغيرها من الأمور القدرية، كله من عند الله (آية 78)

وفي أمور الاختيار (التي للإنسان فيها حرية الاختيار) فما أصابك من خير فمن عند الله وما أصابك من مصيبة فمن نفسك (آية 79)
حاش لله أن يوجد تعارض في كتابه العزيز، ولكن الأمر يحتاج إلى فقه وتدبر، “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآَنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا” (82 النساء)

هذا ما هداني الله إليه والله تعالى أعلم

خلاصة القول: في أمور الجبر (القضاء والقدر) الحسنة والسيئة كل من عند الله وفي أمور الاختيار ما أصابك من خير فمن الله وما أصابك من مصيبة فمن نفسك

شارك المقال: