علي أبو هميلة
رئيس التحرير: علي أبو هميلة
مقال بوك
حافظ المرازي
حافظ المرازي

إعلامي وكاتب

حافظ المرازي يكتب: الرئيس يمنع مراسلين..وقاضي يعيدهم!

اضطر الرئيس لقبول عودة القنوات التي يكرهها بمراسليها إلى البيت الأبيض حتى لا يحرموها كشأن المستبدين النرجسيين من "اللقطة" و "الحديدة" للميكروفون لاستعراض حكمته وشطارته وفلسفته على الشاشات.

مشاركة:
حجم الخط:

الصحافة و تغطية الرئاسة.. في أمريكا

يبدو العنوان غريبا في بلاد يعتبر نفسه فيها مندوب اي صحيفة في الداخلية، ناهيك عن الرئاسة، صاحب سلطة لدرجة أنه يصبح ممثل الوزارة في الصحيفة وليس العكس!

لكن في الصحافة والإعلام الأمريكي، لايملك الرئيس وليس فقط الوزير ولا حتى مساعدوه، أن يحدد اسم المراسل المسموح له بتغطية البيت الأبيض او وزارة العدل او الامن الوطني.

بل بالعكس، كلما تضايق الرئيس الأمريكي من صحفي او من صحفية تضايقه بأسئلتها، أصرت القناة او الصحيفة التي يشكو الرئيس من “سوء و تحيز” تغطيتها، على الإصرار على إبقائها مراسلة البيت الأبيض تتبعه كظله، يضايقها ويصفها احيانا بأنها “بشعة.. وغبية”

ويقول لها: “الشر ينط من عينيك” وهي لاتكترث وتواصل سؤاله عن فشله في حرب إيران أو عن فساد أبنائه ومصدر ثروتهم من الخليج!

أتحدث بهذه الأمثلة واللغة المتبادلة فعليا عن المراسلة الشابة لقناة سي.إن.إن الإخبارية لدى البيت الأبيض كيتلين كولنز (34سنة) وتعمدت القناة ان تكون كيتلين محاورته بعد ان ضايقها وضايقته في فترته الرئاسية الأولى.

في الأسبوع الماضي

فاض كيل الرئيس من الصحافة التي يراها معادية له، وتضخم اي مشكلة يقع فيها وعدد ضيوفها من المعلقين المعارضين والمنتقدين له بأعداد اضعاف من يؤيدونه، مثل قناة CNN خلافا لقناة فوكس الإخبارية اليمينية المؤيدة له.

بالتالي قرر ترامب قبل اسبوع منع سي.إن.إن بكل مراسليها لدى البيت الأبيض وكبيرتهم كيتلين، ومعها قناة MS وكذلك موقع “بوليتيكو” الإخباري من دخول البيت الأبيض لأي تغطية للرئاسة.

أول شئ فوجي به، هذه المرة ولم يحدث في فترته الأولى حين أوقف نفس القناة وأعاد القضاء مراسلها، أن كل القنوات التي تغطي الرئاسة بما فيها قناته المحببة “فوكس” قررت هذه المرة التضامن مع باقي مراسلي التليفزيون للبيت الأبيض.

ولأن هذا الفريق يرتب فيما بينه “دورية صحفية” أو pool بحيث ينوب مراسلون عن باقي زملائهم بالتناوب صباح مساء في توجيه الاسئلة والتصوير والتسجيل التليفزيوني والإذاعي لكل أنشطة الرئيس ويشتركون معا في استخدام المادة السمعية والبصرية للتغطية المشتركة.

فقد رفضوا اي تغطية للرئيس طالما غير مسموح لزملائهم في المجموعة من القيام بواجبهم. بالتالي، لم يهنأ الرئيس بتصوير وصوت جيد لتغطية حفلاته مع الرئيس الصيني الزائر وبدت كتصوير هواة، عقابا له على منع زملائهم!

لكن حين ذهب الرئيس الأمريكي للأمم المتحدة لإلقاء خطابه العنتري عن إيران واستعداده لمحوها بشعبها من فوق الأرض، لم يتمكن من منع مراسلة القناة المشاغبة كيتلين أن توجه له سؤالا يضايقه عن حربه المتعثرة.

فرد عليها قائلا: لماذا تغطين انت وقناتك اخباري بعد ان قاطعتم جميعا نشاطي وتغطية البيت الأبيض؟

أجابته كيتلين، وزوجته تقف معه: “أنا هنا بدعوة من الأمم المتحدة للتغطية” وليس البيت الأبيض!

في الوقت ذاته

من المقاطعة الجماعية للبيت الأبيض، لجأت قناة CNN والممنوعون معها من دخول البيت الأبيض، إلى القضاء في دعوى مستعجلة للقضاء الفيدرالي باعتبار ان منعهم انتهاك لحق التعبير عن الرأي الذي كفله الدستور الأمريكي.

القاضي الذي جاءته القضية، كان قد رشحه للمنصب الفيدرالي الرئيس ترامب في فترته الرئاسية الأولى ووافق الكونجرس على تعيينه.

اسمه تيموثي كيلي.. وكان من حظه بعد فترة قصيرة من توليه المنصب ان لجأت اليه قناة CNN عام 2019 بدعوى مشابهة لمنع الرئيس كبير مراسليها وقتها أكوستا من دخول البيت الأبيض.

فماذا فعل القاضي المُعين من الرئيس؟ أعاد المراسل اكوستا، ابن المهاجرين من أمريكا اللاتينية، لتغطية البت الأبيض رغما عن إرادة الرئيس كحق دستوري.

 لم يتأخر القاضي كيلي عن عمل الواجب مرة أخرى مع الرئيس المستبد!

فرغم ان محامي الرئاسة قدموا في دفاعهم حجة ان الرئيس يخشى من تسريب هذه القنوات اخبار “تضر بالأمن القومي” لكن القاضي رفض هذه الحجة بدون تقديم دليل دامغ عما سربوه ولا يعرفه غيرهم، خصوصا ان احد المراسلين ظل معه التصريح الأمني وتركوه يدخل لأن وجهه لم يكن مشهورا مما يدل على ضعف حجة الرئاسة.

لكن القاضي أعطى المراسلين 14 يوما يدخلون فيها البيت الأبيض رغم إرادة الرئيس حتى تكون الرئاسة قد قدمت لهم خلالها قرار المنع وأسبابه الأمنية والانتظار لتلقي حقهم في الرد على اي اتهام يبرر او يعارض منعهم من التغطية، وبعدها من حق الجميع العودة للمحكمة إن لم تتم تسوية وديا.

صدر القرار صباح الخميس لكن قناة CNN التي تعرف ان ترامب يحب التغطية لحفل العشاء الفخم الذي اقامه بالمساء للرئيس الصيني وزوجته، فلم ترسل له احدا، وتلكأت حتى لا يتفق فريق التغطية المشاركة وتركوها جميعا في الظلمة لا يملك سوى كاميرات غير مدربة واكتفى بالصور الفوتوغرافية!

اضطر الرئيس لقبول عودة القنوات التي يكرهها بمراسليها إلى البيت الأبيض حتى لا يحرموها كشأن المستبدين النرجسيين من “اللقطة” و “الحديدة” للميكروفون لاستعراض حكمته وشطارته وفلسفته على الشاشات.

لكن ترامب حرص وهو يقبل الأمر الواقع ان يكتب يشتمهم، بلغة ليس بها سب وقذف يحاسبه عليها القانون ولكن برأي فيهم ولكل رأيه ولو خطأ فكتب على منصته الشخصية امس يقول:

“انخفضت نسب المشاهدة لدى قناتي CNN وMSDNC بشكل كبير، والسبب الرئيسي هو انعدام المصداقية! فهما لا تكتبان سوى أخبارا سلبية عن رجل فاز في الانتخابات بفارق ساحق….”

واسترسل ترامب في الحديث عن نجاحاته ومدى شعبيته في الانتخابات ثم عاد ليكمل تغريدته كما نقلتها له بالانجليزية وحتى بالعربية على موقعها CNN بالعربي يقول:

“ولإظهار مدى زيف قناتي CNN وMSDNC، رفضتا اليوم تغطية أحد أكبر وأجمل الأحداث التي تشهدها البلاد منذ سنوات عديدة، وهو وصول الرئيس الصيني الموقر شي جين بينغ، وزوجته الجميلة السيدة بينغ إلى البيت الأبيض..”

في اليوم التالي، انتقم ترامب بطريقته في التحايل على القانون

طالما ان القاضي امر بعودتهم إلى البيت الأبيض للتغطية فلا مانع عندي الامتثال للحكم، لكن من حقي ألا اسمح لهذه القناة المتدنية الشعبية ومراسليها المغرضين الأشرار ألا يركبوا معي طائرة الرئاسة Air Force 1.

وبالتالي منعوا مراسل CNN السبت من مرافقة الرئيس مع باقي الفريق الصحفي في رحلته المقررة لولاية تينيسي الأمريكية حيث يحضر مبارة كرة قدم (يد وكاف)أمريكية بين فريقي جامعتين بالولاية.

طبعا، الحجة ليست الأمن القومي هذه المرة ولكن لأن القاضي لم يقل في حكمه طائرة الرئاسة..

ومن المرجح ان تعود القناة المشاغبة لنفس القاضي الذي عينه ترامب ليشمل في الحكم حق الصحافة في كل أنشطة الرئيس، ما عدا نشاطه في غرفة نومه، إن استطاع إليه جهداً.

شارك المقال:

شاركنا برأيك