بين فقه الموقف ووحدة الأمة
لا شك أن لإيران — كما لغيرها من الدول — سياسات في سوريا أو العراق أثارت اعتراضًا واسعًا، بل وغضبًا مشروعًا عند قطاعات من المسلمين لكن السؤال المنهجي هو: هل تُجعل تلك الملفات معيارًا وحيدًا لتحديد الموقف من حربٍ مع قوة خارجية معادية

قراءة في قاعدة الإمام أحمد وإسقاطاتها المعاصرة
تقرّر في التراث الفقهي السني قاعدة معروفة نُقلت عن الإمام أحمد بن حنبل:
«الجهاد مع كل إمامٍ مسلم، برًّا كان أو فاجرًا، ما دام القتال ضد كفّارٍ معتدين».
وهذه القاعدة ليست شعارًا عاطفيًا، بل تعبير عن منهجٍ فقهيّ يميّز بين طبيعة المعركة وحال الحاكم، وبين الخلاف الداخلي والعدوان الخارجي.
لقد عاش الإمام أحمد زمنًا مضطربًا، شهد محنة القول بخلق القرآن، وسجنًا وتعذيبًا وضغطًا سياسيًا ودينيًا شديدًا. ومع ذلك لم يختلّ ميزانه، ولم يجعل مظالم السلطة أو انحرافاتها سببًا لتعطيل مبدأ مقاومة العدو الخارجي، كان يدرك أن اضطراب الداخل لا يبرّر تعطيل الواجب تجاه الخارج إذا تحقق وصف العدوان.
أولًا: تأصيل فقهي
القاعدة المشار إليها تقوم على أصول ثلاثة:
أن مناط الحكم هو العدوان الخارجي، لا عدالة الإمام أو فسقه.
أن درء عدوان الكافر المعتدي مقصد شرعي عام يتقدّم على كثير من الاعتبارات السياسية الداخلية.
أن وحدة الصف في مواجهة العدو مقدّمة على تصفية الخلافات المذهبية زمن الحرب.
فالفقه هنا يتعامل مع ترتيب الأولويات، لا مع تبرئة السياسات أو إلغاء المحاسبة. وهو يفرّق بين “تأييد المعركة” و“تزكية النظام”.
ثانيًا: في إسقاط القاعدة على الواقع
حين تنشب مواجهة بين دولة مسلمة — مهما اختلفنا مع نظامها أو توجهها — وبين قوة خارجية تُعرِّف نفسها صراحة كقوة معادية، فإن السؤال الفقهي لا يكون: هل هذا النظام مثالي؟
بل يكون: ما طبيعة هذه الحرب؟ ومن هو المعتدي؟ وما مآلات هزيمة الطرف المسلم؟
إن تحويل المعركة إلى تصفية حسابات مذهبية، أو الدعوة إلى الحياد بدافع الغضب من أخطاء سابقة، يُغفل معيارًا أساسيًا في الفقه السياسي الإسلامي: اعتبار المآلات. فنتائج إسقاط دولةٍ مسلمة بيد تحالف خارجي قد لا تقف عند حدودها، بل تمتد إلى بنية المنطقة كلها، سياسيًا وأمنيًا وفكريًا.
ثالثًا: بين الأخطاء والميزان الشرعي
لا شك أن لإيران — كما لغيرها من الدول — سياسات في سوريا أو العراق أثارت اعتراضًا واسعًا، بل وغضبًا مشروعًا عند قطاعات من المسلمين. لكن السؤال المنهجي هو:
هل تُجعل تلك الملفات — على خطورتها — معيارًا وحيدًا لتحديد الموقف من حربٍ مع قوة خارجية معادية؟
الفقه الرشيد لا يخلط الملفات، ولا يُسقط واجبًا بسبب خطأٍ في بابٍ آخر. بل يميّز بين:
محاسبة سياسية مؤجّلة أو مستمرة في سياقها
وموقف آني من عدوان خارجي قائم
وهذا التفريق ليس ترفًا تنظيريًا، بل ضرورة لحماية الكيان العام للأمة.
رابعًا: البعد الأممي ووهم الطائفية
التجربة التاريخية تُظهر أن الطائفية كانت من أنجع أدوات تفكيك المجتمعات الإسلامية. وكلما تحوّل الصراع من صراع مع احتلال أو هيمنة إلى صراع سنّي–شيعي، خرجت القوى الخارجية بأقل الخسائر وأكبر المكاسب.
إن الأصل الذي ينبغي أن يُستعاد هو أن وحدة الأمة مقصد شرعي، وأن تجاوز الجراح لا يعني نسيانها، بل يعني تأجيل تصفيتها حتى لا تتحول إلى أداة في يد الخصم.
خلاصة الرأي
ليس المقصود من هذا الطرح الانحياز لنظام أو تبنّي مشروعه، بل الانحياز إلى مبدأ:
إذا تحقق وصف العدوان الخارجي، وجب النظر إلى المعركة بميزان الأمة لا بميزان الطائفة.
فالفقه لا يُبنى على الانفعال، ولا تُصاغ مواقفه وفق المزاج الشعبي، بل وفق:
تحديد طبيعة الصراع
ترتيب الأولويات
تقدير المآلات
وحفظ الكيان العام للأمة
وهذا ما فعله الإمام أحمد في زمنه، وما يحتاجه المسلمون اليوم: ميزانٌ لا تميله الجراح، ولا تُحرّكه العصبيات، بل تحكمه مقاصد الشرع ومصلحة الأمة في لحظات الخطر الكبرى.






