مقال بوك
حسين سلطان
حسين سلطان

كاتب مصري

الشعب المصري والشجاعة الحقيقية هى فى مواجهة المحن؟

كانت هناك برقية من وكالة يونايتدبرس» تنقل مشاعر الصدمة، التى أصابت وفود دول آسيا وأفريقيا فى الأمم المتحدة عندما وصلها النبأ

مشاركة:
حجم الخط:

مظاهرات 9 و10 يونيو 1967 

قبل 54 عامًا، وتحديدًا مساء الجمعة التاسع من يونيو 1967- عقب النكسة مباشرة- كان الشعب المصري على موعد مع إذاعة خطاب هام للرئيس جمال عبد الناصر وهو الذي أعلن فيه تحمله المسئولية وتنحيه عن الحكم

رغم مرارة الهزيمة

إلا أن المفاجأة كانت بخروج مظاهرات جماهيرية تطالبه بالبقاء، وتهتف باسمه في جنون، عكس ماكان يتوقعه تماما.

فيذكر الأستاذ ( محمد حسنين هيكل ) في كتابه ( الأنفجار ) أن عبدالناصر قال له صباح هذا اليوم وهو يعرض عليه مسودة الخطاب :

أنني لا أستطيع أن أتصور ما سيفعله الناس، والله لو أنهم أخذوني إلى ميدان التحرير وشنقوني فيه لما اعترضت عليهم لهم الحق.

فقد كان رأي جمال عبدالناصر، أن النظام الذي يفشل في صيانة التراب الوطني لا يحق له البقاء.

إلا أن الجماهير التي كان يتصور أنها سوف تُنصب له المشانق تعرض المقاومة وتطالبه بالبقاء.

يحيي القلاش يكتب: عندما هتف فلاحو قطور (عاشت حرية الصحافة)

أحمد السيد النجار يكتب: لماذا خرج الشعب رفضا للهزيمة؟

إنه بالتأكيد حدث تاريخي أستثنائي 

في الخطاب قال الرئيس عبدالناصر :

أيها الإخوة : لقد تعودنا معاً فى أوقات النصر وفى أوقات المحنة، وفى الساعات الحلوة وفى الساعات المرة، أن نجلس معاً، وأن نتحدث بقلوب مفتوحة، وأن نتصارح بالحقائق.

“مؤمنين أنه من هذا الطريق وحده نستطيع دائماً أن نجد اتجاهنا السليم، مهما كانت الظروف عصيبة، ومهما كان الضوء خافتاً “

مضى عبدالناصر في خطابه إلى أن قال : نصل الآن إلى نقطة هامة فى هذه المكاشفة بسؤال أنفسنا :

هل معنى ذلك أننا لا نتحمل مسؤولية تبعات هذه النكسة ؟

وأقول لكم بصدق – وبرغم أية عوامل قد أكون بنيت عليها موقفي في الأزمة – فإنني على استعداد لتحمل المسؤولية كلها، ولقد اتخذت قرارا أريدكم جميعا أن تساعدوني عليه.
“لقد قررت أن أتنحى تماما ونهائيا عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر ”

وأضاف: إن قوى الاستعمار تتصور أن جمال عبد الناصر هو عدوها، وأريد أن يكون واضحا أمامهم أنها الأمة العربية كلها وليس جمال عبد الناصر .

“لقد كنت أقول لكم دائما إن الأمة هي الباقية، وأن أي فرد مهما كان دوره، ومهما بلغ إسهامه في قضايا وطنه، هو أداة لإرادة شعبية، وليس هو صانع هذه الإرادة الشعبية”

رد فعل الجماهير المصرية كان مدويا 

ووفقا لوصف الأستاذ هيكل في كتابه – السابق ذكره – كان الموقف يتفاقم مع كل دقيقة كأنه كتلة من النار تتحرك وتشعل الحرائق فى طريقها أينما حلت.

فمجرد ان انتهى الرئيس من خطابه حتى تدفقت الجماهير الثائرة الى الشوارع كالبركان وسط هدير مدوٍ يزلزل الارض تحت أقدامها بفعل صيحاتها :

ناصر، ناصر ( كما تذكر الأستاذة شريفة الشوباشي في شهادتها عن هذا اليوم ) 

وتلا ذلك هتافات بمنزلة رسائل لأمريكا وكل حلفائها:

مكتوب على قلوبنا.

عبد الناصر محبوبنا.

مكتوب على سلاحنا، عبد الناصر كفاحنا.

ارفض ارفض يا زكريا، عبد الناصر مِية المية.

أنور أنور يا سادات، احنا اخترنا جمال بالذات.

ومن أروع ما صدر من اعماق قلوبنا ما وجهناه للزعيم:

إحنا الشعب أصحاب الحق، لأول مرة نقول لك لأ 

وينقل الأستاذ هيكل ردود الفعل الشعبية والرسمية محليا وعربيا وعالميا قائلا في كتابه هذا :

بدأت التقارير ترد من كافة أنحاء مصر بأن جماهير لا تحصى ولا تعد أوقفت قطارات السكك الحديدية.

واستولت على أكثر من مائة وعشرين قطارا، وعلى كل سيارة عثرت عليها، وكل هذا متجها إلى القاهرة .

أما على الصعيد العربى والعالمى فيقول :

كانت هناك برقية من وكالة يونايتدبرس» تنقل مشاعر الصدمة، التى أصابت وفود دول آسيا وأفريقيا فى الأمم المتحدة عندما وصلها النبأ.

وكيف أن بعض المندوبين العرب والأفارقة راحوا يجهشون بالبكاء علنا فى أروقة الأمم المتحدة وقاعاتها عندما وصلها النبأ.

وكان هناك فيض من برقيات وكالات الأنباء يحكى عن الجماهير الصارخة الباكية فى كل مدن وقرى العالم العربى.

وكان بينها برقية تصف حالة الرئيس اللبنانى – شارل الحلو – عندما تلقى النبأ وأجهش بالبكاء فى وسط مكتبه بالقصر الجمهورى فى بعبدا.

واتصل «إسماعيل الأزهرى» رئيس السودان بالتليفون هو ورئيس وزرائه – محمد أحمد محجوب – ، يبلغان أن الخرطوم ستحترق، وبعث الرئيس الفرنسى – شارل ديجول – برسالة قال فيها:
إن النصر والهزيمة فى المعارك عوارض عابرة فى تاريخ الأمم، وما يهم هو الإرادة، وفرنسا فى وقت من الأوقات كما تتذكر كان نصفها تحت الاحتلال المباشر للنازى، ونصفها الآخر خاضعا لحكومة عميلة.

ولكن فرنسا لم تفقد إرادتها وظلت طوال الوقت تسير واثقة وراء قيادتها المعبرة عن إرداتها.

إن الشجاعة الحقيقية هى فى مواجهة المحن

وأما الأوقات السعيدة فإنها لاتستدعى هذه الشجاعة، إن سلام العالم العربى يقتضى جهودك.

وأنا أول من يتفق معك على أن الأمر الواقع الذى عندكم الآن لايعطى أساسا صحيحا لمثل هذا السلام .

ولم تعود الجماهير إلى منازلها إلا في اليوم التالي 10 يونيو بعد أن اعلن الرئيس عبدالناصر خضوعه لإرادتها ورجوعه عن التنحي .

وأرسل خطابا بذلك الى أنور السادات رئيس مجلس الأمة بعد أن فشل في الوصول إليه.

ويرى الكثير من السياسيين أن هذه المظاهرات حالت تحول الهزيمة العسكرية إلى هزيمة سياسية شاملة تسلب الوعي القومي وتقود إلى الإستسلام التام للعدو الصهيوني.

فعبقرية الشعب المصرى لم ترد فى حسبان أحد

فقد فجرت بعفوية وتلقائية طوفانا شعبيا مضادا يومى 9 و 10 يونيو ليس فقط رفضا لقرار جمال عبد الناصر بالتنحى عن الحكم وإنما رفض للقبول بالهزيمة أو الاستسلام.

كما يذكر الأستاذ هيكل : ( أن جماهير الأمة قررت أن تحمل المسئولية وتقف تقاتل على الجسور )

ولا ريب أن هذا كان اول خطوة في تحقيق أنتصار العبور العظيم .

بالرغم من ان الخروج الجماهيري كان عفويا وشهد بذلك القاصى والداني.

فاننا وجدنا فريقا اخر يشكك في ذلك مدعيا إن مظاهرات 9 و10 يونيو كانت مدبرة و إنها مسرحية.

وقد تم طبخها والإعداد لها فى سراديب الاتحاد الاشتراكى والتنظيم الطليعى.

يضم هذا الفريق خصوم ثورة يوليو وقائدها ومعهم من كان عضوا في مجلس قيادة الثورة ( عبد اللطيف البغدادي وحسن إبراهيم )

فهؤلاء يعطون الاتحاد الاشتراكي حجما أكبر من حجمه فهو إن كان قد حرّك الجماهير في القاهرة، واستطاع تحريكهم في المحافظات.

فهل كانت لديه القدرة على تحريك الجماهير في بيروت وبغداد ودمشق والخرطوم وغيرها من العواصم العربية؟

وبجانب هؤلاء هناك فريقا ثانيا اتجه إتجاها آخر في تفسير خروج الجماهير.

فهو يؤكد على عفوية تلك المظاهرات وأن القول بغير ذلك يعتبرإهانة لها.

وبالرغم من ذلك فأن هذا الفريق لا يبتعد كثيرا عن الفريق الذي يقول بأنها مدبرة بل هو أكثر تشددا منه.

ويبدو إنه رأى أن محاولة تكذيب خروج الجماهير لن تفيد وستفقده مصداقته.

فهو يرى ان الجماهير في تحركها كانت مسلوبة الأرادة

فهو إن كان يؤكد على إنها إن كانت عفوية و لكنها لا تخلو من تعبئة وإنها لم تكن بمعزل عن مشهد الهزيمة ذاته بل جزء أصيل منه وتعبير صادق عنه.

فالمصير الذي كان ينتظر مصر في 5 يونيو، سِيقت إليه على مدار سنوات طويلة عبر أيديولوجية تقديس الحاكم الفرد.

التي رسختها أجهزة الدولة والإعلام في عقول وقلوب ونفوس الوعي الجمعي للجماهير.

فقد صنعت تلك الأجهزة من جمال عبدالناصر رمزا ومعبودا والدا وراعيا لكل المصريين.

فعلى مدار تلك السنوات السابقة التي صعد فيها نجمه خاصة من بعد عام 1956 تم العمل على ترسيخ تلك الصورة .

وقد قاد هذا الإتجاه بعض المؤرخين من الذين تخلوا عن حيادهم العلمي الذي يجب ان يتحلى اى باحث في التعامل مع الوقائع التاريخية.

وبالتالي فان إنتاجهم العلمي في هذا المضمار لا يخلو من كونه حديث في السياسة وليس في التاريخ يعبر عن وجهة نظر سياسية.

ففي كتابه ( الزحف المقدس: مظاهرات التنحي وتشكيل عبادة ناصر)

يؤكد الدكتور ( شريف يونس ) وهو باحث اكاديمي في التاريخ الحديث والمعاصر على عفوية تلك المظاهرات، لكنها كما يرى عفوية بنت التعبئة ولا تشكل نقيضًا لها.

وهي ظاهرة تعبر عن العجز السياسي، وتفسر علاقة الشعب بعبد الناصر.

ففي نظره أن هذه العلاقة لم تتبد مثلما تبدّت في تلك المظاهرات التي رسمت مركزية عبد الناصر في النظام السياسي والوعي العام.

فهذه المظاهرات كانت محصلة لعمل أجهزة الدولة السياسية والأيديولوجية على مدار عقد ونصف أكثر منه محصلة مؤامرة دبرتها أجهزة الاتحاد الاشتراكي في بضع ساعات.

بعدما طرحت الدولة الاستبدادية للناس شخصًا بوصفه رمزًا ومعبودًا.

الغريب في في أمر يونس هذا

إنه خلص في كتابه إلى أن عبد الناصر قد هدف من وراء سياساته منذ توليه الحكم حتى تنحيه هو الاستعداد للحظة التنحى وأن تخرج الجماهير تعلن التمسك به.

وقد فات عليه أن يقدم لنا تفسيرا عن خروجها يوم الرحيل، فهل كان عبدالناصر يعد لهذا اليوم أيضا ؟!
.
أما المؤرخ الوفدي (عبد العظيم رمضان ) المعروف بعدائه الشديد لثورة يوليو وقائدها فهو ينتقد في كتابه ( تحطيم الآلهة ) الرأي الذي ينسب مظاهرات 9 يونيو إلى تدبير الاتحاد الاشتراكي.
مشيرًا إلى أنه يغفل أن هذا التنظيم لم يكن يتمتع بشعبية بين الجماهير تمكنه من أداء هذا الدور الضخم، فقد كان مكونًا من قيادات غير جماهيرية وصلت إلى مواقعها بإرداة الحاكم.

 يرى رمضان أن اتهام المظاهرات بأنها مدبرة مهين جدًا للشعب المصري.

وأن رؤية شباب الاتحاد الاشتراكي في هذه المظاهرات ليس دليلًا على وجود عنصر التدبير.

فهم في النهاية جزء من شباب البلد، وانفعلوا بالاستقالة كما انفعل شباب مصر .

ويرى أن السبب في خروج الجماهير هو نظام 23 يوليو فالشعب حتى 9 يونيو لم يكن يعي طبيعة النظام الذي كان يحكمه.

فأجهزة الدولة أقامت من عبدالناصر – إلهًا – وأقحمته بهذه الصفة في قلب كل فتاة وشاب ورجل وامرأة وطفل.

وأفلحت وسائل الإعلام طوال سنوات حكم عبد الناصر في إقامة جدار سميك بين الشعب وبين الحقائق.
وصورت له الديكتاتورية في شكل استنارة وحماية وتقدم، وزورت تاريخه حتى بات يقتنع بأنه بدأ منذ 23 يوليو .

أيضا غرد معهم في نفس السرب الدكتور ( إمام عبد الفتاح إمام  أستاذ الفلسفة في جامعة عين شمس )

في كتابه ( الطاغية .. دراسة في فلسفة الأستبداد السياسي )

متناولا ظاهرة خروج الجماهير في 9 يونيو  محاولًا الإجابة عن سؤال:

كيف رفضت الجماهير رحيل عبد الناصر بعد هزيمته ؟

وكيف تكررت الظاهرة نفسها في أغسطس 1967حين استقبلت جماهير السودان القائد المهزوم باستقبال حار خلال حضوره مؤتمر القمة في الخرطوم ؟

فيجيب إمام على سؤاله قائلا : أن التوحيد الذي حدث بين الحاكم والشعب يعد مدخلًا قويًا لفهم تلك الظاهرة

فـالزعيم الأوحد هو مصدر كل السلطات، وهو القائد، والمعلم، والمخلص، والمنقذ، ومبعوث العناية الإلهية، الذي تعمل أجهزته على ترويض الجماهير لتصبح أداة طيعة في يد الزعيم الأوحد.

فلا تستطيع أن تأخذ قرارًا مستقلًا بمعزل عنه حتى وهو مهزوم 

وبعيدا عن تلك الآراء فإن التاريخ سوف يتوقف طويلا أمام هذا الخروج الكبير للمصريين يومى 9 و10 يونيو فى مختلف مدن وقرى مصر حتى قبل أن ينتهي جمال عبد الناصر من إلقاء خطابه.

لمعرفة ما وراء هذا الخروج العفوى والتلقائى الذى لا فضل لأحد فيه سوى عبقرية هذا الشعب.

والتى حركت معها تلقائيا عبقرية الوعى بالخطر لدى معظم الشعوب العربية.

فإذا بالملايين يخرجون فى ذات التوقيت إلى شوارع العواصم العربية يرددون نفس الشعارات ونفس الهتافات.

وليس فى هذه العواصم اتحاد اشتراكى أو تنظيم طليعى حتى ينسب إليه فضل لم يقم به أصلا فى مصر .

ذلك من أجل التقليل من معنى ومغزى الخروج التلقائى والعفوى للشعب المصرى والشعوب العربية دعما لمصر أولا وليس من أجل عبدالناصر فقط .

شارك المقال: