إبراهيم القاضي يكتب: (مو صلاح) خريج الجُرن
هناك، في بلاد كانت يومًا رمزًا للهيمنة، وقف ملايين الإنجليز يهتفون باسمه: "مو صلاح، مو صلاح"

محمد صلاح الملك المصري لكرة القدم
الحكايات لا تبدأ بملاعب خضراء
في الريف المصري لا تبدأ الحكايات في الملاعب الفاخرة التي يكسوها النجيل الأخضر، وإنما تبدأ من الجُرن، من الأرض التي تختلط فيها رائحة القمح بعرق الفلاحين.
من الأزقة الضيقة التي تتحول كل مساء إلى ملاعب مفتوحة، حيث تكون قطعة حجر مرمى، وكرة بالية حلمًا، والسماء سقفًا للمباراة.
في نجريج كان طفل نحيل اسمه محمد صلاح يركض خلف الكرة حتى تتشقق قدماه، ولا يشعر بالألم كان ينسى الجراح كلما هزت الكرة الشباك.
إبراهيم القاضي يكتب: حين يسرق الغش المستقبل
إبراهيم القاضي يكتب: مصر الوطن الذي يصنع الحكام
ويعود إلى بيته محمولًا على فرحة هدف، وقد بدا له أن الدنيا كلها أصبحت بين يديه.
كبر الحلم، غير أن الطريق لم يكن أقل قسوة من الغيطان التي نشأ فيها، كان يستقل القطار من قريته نجريج إلى القاهرة.
رحلة طويلة تتكرر يومًا بعد يوم، يحمل فيها حقيبته الصغيرة، وقلبًا أكبر من المسافات، ساعات من السفر، ثم تدريب شاق، ثم عودة في المساء.
لم يكن يدري أن ذلك الصبي الريفي، الذي خرج من بين السنابل، سيصبح يومًا أحد أشهر لاعبي العالم، وأن اسمه سيتردد في الملاعب التي كانت يومًا بعيدة عن خيال أطفال القرية.
فهذا الفلاح، حفيد أولئك الفلاحين الذين نُهبت ثمار جهودهم في زمن الاحتلال، والذين كانت خيرات أرضهم تُشحن إلى بريطانيا العظمى لتغذي إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، يعود بعد أكثر من قرن، لا محملًا بالأقطان، وإنما مؤمنًا بموهبة وثقة في عقل لا يسمع عن المستحيل.

لم يذهب هذه المرة تابعًا، بل ذهب سيدًا في ملعبه
حاملًا حصاد إرادة وكفاح وصبر أجداده الفلاحين، وهناك، في بلاد كانت يومًا رمزًا للهيمنة، وقف ملايين الإنجليز يهتفون باسمه: “مو صلاح، مو صلاح”
لقد كتب التاريخ فصلًا جديدًا، فصلًا لا تُقاس فيه الأمم بما تملك من جيوش، بل بما تُنجب من عقول ومواهب وعزائم.
محمد صلاح لم يتخرج من أكاديميات المجتمعات الفاخرة، حيث ينتظر “الماميز” أطفالهن حتى ينتهوا من تدريب الكابتن الذي لا يشغل باله بموهبة الطفل، بل بما لدى بابا وماما.
الصبي الذي فرضت موهبته نفسها، لم يعرف الواسطة
فتخرج من مدرسة القرية، ومن الجُرن، ومن الحقول، ومن القطارات المزدحمة، ومن صبر الفلاح المصري الذي يعرف أن الحصاد العظيم لا يأتي إلا بعد موسم طويل من التعب.
ولعل أجمل ما في حكايته أنه لم ينس الجذور، فما زالت نجريج تسكن قلبه، وما زال ابن القرية يحمل بساطته أينما ذهب، ولم يستطع العالم، على اتساعه، أن ينتزع من روحه رائحة الطين.
لهذا لم يصبح محمد صلاح مجرد لاعب كرة قدم، وإنما صار حكاية وطن، ودليلًا حيًا على أن الأحلام الكبيرة قد تولد من أبسط الأماكن، من الجُرن.






