مقالات
معتز منصور
معتز منصور

كاتب وباحث سياسي

معتز منصور يكتب: الحرب على شروط القوة

لم تعد الحرب تدور حول تدمير منصة أو منشأة، بل حول تعطيل الشروط التي تجعل القوة قابلة للاستخدام.

مشاركة:
حجم الخط:

لم تعد القوة العسكرية الحديثة تُقاس بعدد الطائرات أو الصواريخ أو القواعد التي تمتلكها الدولة، بل بقدرتها على إبقاء هذه العناصر جزءًا من منظومة تعمل تحت الضغط. فالسلاح لا يصنع التفوق وحده، وإنما الشبكة التي تمنحه القدرة على الرؤية والحركة والإمداد واتخاذ القرار.

لهذا فإن التحول الأخطر في المواجهة الأمريكية الإيرانية لا يكمن في اتساع بنك الأهداف، بل في تغير طبيعة الهدف نفسه. لم تعد الحرب تدور حول تدمير منصة أو منشأة، بل حول تعطيل الشروط التي تجعل القوة قابلة للاستخدام.

الجسر لم يعد طريقًا، بل شريانًا لوجستيًا. والرادار لم يعد جهاز إنذار، بل جزءًا من قدرة الدولة على رؤية الميدان. وطائرة التزود بالوقود ليست وسيلة دعم، بل الحلقة التي تمنح الطائرات قدرتها على الوصول والبقاء. أما الميناء فلم يعد مجرد نقطة عبور، بل عقدة تربط التجارة والطاقة والردع العسكري.

من هذه الزاوية يمكن فهم الضربات الأمريكية التي استهدفت البنية المحيطة ببندر عباس وتشابهار. فالمسألة ليست تدمير منشآت منفردة، بل محاولة فصل الساحل عن العمق الذي يغذيه بالذخائر والاتصالات والقيادة. فهرمز لا يُدار من البحر وحده، بل من شبكة كاملة تمتد خلفه.

لكن هذا النوع من الضربات يكشف في الوقت نفسه عن مشكلة أعمق. فالقوة التي بنت جزءًا أساسيًا من نفوذها على ضمان حرية الحركة العالمية تجد نفسها مضطرة إلى استهداف البنية التي تقوم عليها هذه الحركة. وعندما تنتقل المعركة إلى الشرايين، فهذا يعني أن أدوات الردع التقليدية لم تعد تنتج النتيجة السابقة بالسهولة نفسها.

في المقابل، لا تحتاج إيران إلى تدمير كل قاعدة أمريكية حتى تغير المعادلة. الهدف الأكثر تأثيرًا هو تقويض الترابط الذي يمنح هذه القواعد قيمتها. فالقاعدة العسكرية الحديثة ليست مساحة محصنة، بل عقدة داخل شبكة. وإذا تعطلت العلاقة بين الرصد والقيادة والإمداد، تفقد الشبكة قدرتها على العمل كوحدة واحدة.

لهذا تصبح الرادارات، ومراكز العمليات، ومستودعات الذخيرة، وطائرات التزود بالوقود، أهدافًا ذات قيمة تتجاوز حجمها المادي. المطلوب ليس إزالة القاعدة من الخريطة، بل رفع كلفة تشغيلها إلى الحد الذي تتحول فيه القوة المنتشرة إلى عبء يحتاج إلى حماية مستمرة.

معتز منصور يكتب: هرمز ونهاية الإيقاع الأمريكي

معتز منصور يكتب: عندما تصبح الممرات سلاحًا

السؤال الحقيقي في هذه الحرب ليس عدد القواعد التي تعرضت للضرب، بل مقدار الكلفة التي أصبحت ضرورية للحفاظ على عمل الشبكة.

من هنا يصبح هرمز أكثر من مضيق بحري. فالقيمة الحقيقية لأي ممر عالمي لا تكمن فقط في إمكانية عبوره، بل في الثقة التي تجعل السفن والشركات والأسواق تقبل باستخدامه. تستطيع الولايات المتحدة إعلان أن المضيق مفتوح، لكنها لا تستطيع فرض المخاطرة على شركات التأمين والملاحة إذا اعتبرت البيئة غير آمنة.

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قامت الهيمنة البحرية الأمريكية على معادلة تتجاوز امتلاك الأساطيل: القدرة على ضمان حركة العالم. لم تكن واشنطن بحاجة إلى السيطرة المباشرة على كل ممر، بل إلى امتلاك القدرة على جعل المرور عبره ممكنًا وآمنًا. هذه الوظيفة هي التي منحتها نفوذًا اقتصاديًا وسياسيًا يتجاوز القوة العسكرية.

أما التحدي الجديد فهو أن هذه الوظيفة نفسها أصبحت موضع صراع. السؤال لم يعد هل تستطيع البحرية الأمريكية الوصول إلى هرمز، بل هل تستطيع إقناع العالم بأن المرور عبره سيبقى آمنًا.

عندما تتراجع الثقة، تصبح السيطرة العسكرية أقل تأثيرًا. فقد يبقى الممر مفتوحًا على الخرائط، لكنه يفقد جزءًا من وظيفته إذا توقفت الحركة أو ارتفعت كلفة المخاطرة.

لهذا فإن امتداد التوتر من هرمز إلى بحر عُمان وبحر العرب وباب المندب لا يمثل مجرد توسع جغرافي، بل يكشف عن انتقال الحرب من الممرات إلى شبكة الحركة نفسها. فالمعركة لم تعد حول نقطة اختناق واحدة، بل حول قدرة كل طرف على حماية المسارات التي تمنحه النفوذ والاستمرار.

المنطق نفسه ينطبق على القواعد الأمريكية في الخليج. قيمتها لا تأتي من وجودها المنفرد، بل من موقعها داخل منظومة مترابطة تمتد من شرق المتوسط إلى المحيط الهندي. وعندما تصبح كل عقدة في هذه المنظومة معرضة للاستهداف، تتحول الميزة العسكرية إلى عبء لوجستي وسياسي.

الدول الخليجية تجد نفسها أمام معادلة لم تعد سهلة. فوجود المظلة الأمريكية يمنحها حماية، لكنه يجعل بنيتها العسكرية والاقتصادية جزءًا من صراع يتجاوز قدرتها على التحكم. المشكلة لم تعد في التحالف فقط، بل في نموذج أمني كامل بدأ يواجه اختبارًا حقيقيًا.

ضمن هذه الصورة لا يظهر اليمن كجبهة منفصلة، بل كجزء من معادلة الممرات. فباب المندب لا يمثل طريقًا بديلًا عن هرمز فقط، بل اختبارًا لفكرة وجود بدائل آمنة أصلًا. وعندما تصبح الممرات المتعددة معرضة للاضطراب، تتحول أزمة الملاحة إلى أزمة في بنية التجارة العالمية نفسها.

والأمر ذاته ينطبق على العراق وسوريا ولبنان. فهذه المناطق ليست ساحات منفصلة، بل عقد برية داخل شبكة إقليمية واحدة. السيطرة على هذه العقد لا تتعلق بالأرض فقط، بل بالقدرة على التحكم في خطوط الحركة التي تربط أجزاء النفوذ ببعضها.

لهذا تواجه إسرائيل أزمة تتجاوز الاستنزاف العسكري أو الخلافات السياسية. فإدارة جبهات متعددة تحتاج إلى قدرة على إنتاج ردع مستمر، لا مجرد امتلاك تفوق ناري. وكلما طال أمد الصراع، أصبحت إدارة الشبكة عبئًا على المؤسسة العسكرية والمجتمع معًا.

الحرب الحالية لا تنتقل من الصواريخ إلى البنية التحتية فقط، بل تنتقل من استهداف أدوات القوة إلى استهداف شروط إنتاج القوة.

الجسور والموانئ والرادارات والقواعد وخطوط الطاقة ليست أهدافًا منفصلة، بل عناصر في معركة واحدة عنوانها: من يستطيع إبقاء شبكته تعمل، ومن يستطيع دفع خصمه إلى إنفاق قدر أكبر من موارده للحفاظ على شبكته.

ما يجري في هرمز ليس أزمة ممر بحري، بل اختبار لنموذج هيمنة حكم حركة العالم لعقود. فالهيمنة لم تقم على امتلاك القوة فقط، بل على القدرة على تنظيم الحركة وفق قواعد محددة. وعندما تصبح هذه القدرة موضع نزاع، فإن الصراع لا يعود على الممرات وحدها، بل على من يملك حق تحديد شروط المرور فيها.

الحرب الجديدة لا تُحسم فقط بمن يملك السلاح الأقوى، بل بمن يستطيع تحويل قوة خصمه إلى عبء، وتحويل شبكته الخاصة إلى منظومة قادرة على الصمود.

شارك المقال: