إبراهيم القاضي يكتب: مصر الوطن الذي يصنع الحكام
أما مصر، فقد ظلت عبر آلاف السنين تصنع حكامها، وتمنحهم من عظمتها بقدر ما يمنحونها من إخلا، ولهذا بقي اسم مصر خالدًا

صورة معبرة عن الحضارة المصرية في كل العصور
من أكثر العبارات التي تتردد، على ألسنة خصوم مصر، وأحيانًا و للأسف من بعض أبنائها، قولهم إن مصر حكمها الغرباء، أو أن سلاطينها كانوا عبيدًا جُلبوا من وراء الحدود.
ويُقدّم هذا الحديث على أنه انتقاص من تاريخ مصر، ودليل على أن أبناءها لم يكونوا أصحاب السلطة في وطنهم.
غير أن التاريخ لا يُقرأ بالشعارات،
ولا تُقيم الأمم بأصول حكامها، وإنما بما تصنعه تلك الأمم من رجال، وبما تتركه فيهم من أثر.
فمصر، منذ أن أشرقت الحضارة على ضفاف النيل، لم تكن وطنًا عاديًا، وإنما كانت مركزًا تدور حوله أحداث التاريخ، جمع لها موقعها الفريد بين الشرق والغرب.
منحها ثقلها الحضاري والسياسي والديني مكانة جعلت من يجلس على عرشها يتجاوز حدود الإقليم إلى التأثير في مصائر أمم وشعوب.
فالأوطان الإمبراطورية، والمراكز الحضارية الكبرى، لا تُقاس بقومية من يحكمها، وإنما بقدرتها على إعادة تشكيل من يفد إليها.
ومصر، شأنها شأن روما، وباريس في عصور ازدهارها، وواشنطن اليوم، امتلكت عبر تاريخها قوة ناعمة، إلى جانب قوة الدولة ومؤسساتها، جعلتها تصهر القادمين إليها في بوتقتها، وتعيد صياغتهم ليصبحوا جزءًا من مشروعها الجغرافي والسياسي والحضاري.
فلم يكن القادم إلى مصر يفرض هويته عليها بقدر ما كانت هي تفرض عليه منطقها، وتمنحه من أسباب القوة ما يجعل اسمه يقترن باسمها، ويصبح مجده من مجدها.
ولهذا لم يكن غريبًا أن يأتي إليها رجال مجهولون، ثم يغادروا صفحات الحياة وقد أصبحوا من عظماء التاريخ.
فما حملوا المجد معهم إلى مصر، وإنما وجدوه فيها، وجدوه في قوة دولتها، وفي حضارة شعبها، وفي جيوشها التي صنعت الانتصارات، وفي مؤسساتها التي حولت الغرباء إلى بناة دول وقادة أمم.
صلاح الدين والمظفر قطز ومحمد علي
فصلاح الدين الأيوبي، الكردي المولد والنشأة، لم يكتب اسمه في سجل الخالدين في موطنه الأول، وإنما صنع مجده في مصر، وبجيشها، ومنها انطلق لتحرير القدس.
وقطز، الأمير الخوارزمي الذي تقاذفته رياح الغزو المغولي من عرشه إلى أسواق الرقيق، فبيع مملوكًا، وبيبرس، القادم من سهوب القبجاق شمال البحر الأسود، لم يكونا سوى طفلين ساقتهما الأقدار إلى مصر عبدين مملوكين، فإذا بهذا الوطن يصوغ منهما ملكين وقائدين عظيمين غيّرا مجرى التاريخ.
وعلى أرضها تحطمت جحافل التتار
في عين جالوت، واستعاد العالم الإسلامي ثقته بنفسه بعد سنوات من الانكسار.
ثم جاء محمد علي، الصف ضابط الألباني القادم من مدينة قولة في مقدونيا العثمانية، لا يملك سوى طموحه.
فإذا بمصر تفتح أمامه أبواب التاريخ، فيؤسس الدولة المصرية الحديثة، ويضع اللبنات الأولى لنهضتها العسكرية والإدارية والاقتصادية، حتى اقترن اسمه بتاريخها اقترانًا لا ينفصم.
ليس هذا استثناءً مصريًا.
فالتاريخ الإنساني مليء بأمثلة مشابهة.
فنابليون بونابرت، الذي أصبح رمزًا من رموز فرنسا، وُلد في جزيرة كورسيكا، ولم ير الفرنسيون في ذلك ما ينتقص من مكانته، فالدول الواثقة من نفسها لا تبحث عن المجد في أنساب الرجال، وإنما في ما يقدمونه لأوطانهم.
إن عظمة الأوطان لا تُقاس بنقاء أصول حكامها،
وإنما بقدرتها على خلق الرجال وتحويل الطاقات الكامنة إلى إنجازات خالدة. ومصر كانت، عبر تاريخها الطويل، واحدة من تلك الأمم النادرة التي لا يصنعها حكامها، وإنما هي التي تصنعهم.
ولذلك، فإن الحديث عن أصول من حكموا مصر لا ينبغي أن يكون مدخلًا للانتقاص منها، وإنما شاهدًا على عظمتها.
فمصر لم تكن في يوم من الأيام في حاجة إلى أن تستعير المجد من أحد، كانت هي التي تمنح المجد لمن يخدمها، وتخلد أسماء من يخلص لها، حتى يصبح تاريخهم جزءًا من تاريخها.
ولعل هذه هي الحقيقة التي يغفل عنها كثيرون:
فليس السؤال من أين جاء الحاكم، وإنما ماذا صنعت به مصر، وماذا صنع هو لها، فالأوطان الصغيرة يصنعها حكامها.
أما مصر، فقد ظلت عبر آلاف السنين تصنع حكامها، وتمنحهم من عظمتها بقدر ما يمنحونها من إخلا، ولهذا بقي اسم مصر خالدًا.
بينما تلاشت أسماء ممالك وإمبراطوريات كانت تظن أن القوة في السيف وحده.
فإذا بالتاريخ يثبت أن القوة الحقيقية كانت دائمًا في الحضارة، وفي الإنسان، وفي الوطن الذي يحسن صناعة الرجال.





