د. مجدي قرقر يكتب: تذوق لوحات الخط العربي في ضوء معاني القرآن الكريم
اللوحة تستخدم الخط الثلث الجلي في الجزء الأوسط قلب اللوحة ومحورها الرئيس "الذين قالوا ربنا الله"

لوحة تشكيلية من إبداعات الخط العربي
“آية الاستقامة”
العبارة أو الآية:
“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (30 فصلت)
إن الذين قالوا ربنا الله تعالى وحده لا شريك له، ثم استقاموا على شريعته امتثالا لأوامره، واجتنابا لنواهيه، تتنزل عليهم الملائكة عند الموت مخاطبة إياهم
: لا تخافوا من الموت وما ينتظركم بعده، ولا تحزنوا على ما خلفتموه وراءكم في الدنيا من أولاد وصاحبة ومال ونعم، وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون بها فقد صدقكم الله وعده على لسان رسوله وكتابه.

الخط والخطاط
وقعت اللوحة باسم “عارف” ولم يعرف بقية الاسم، فهناك كثير من مبدعي الخط العربي القدامى والمحدثين بهذا الاسم، ويبدو أنه من المحدثين إذ وقعت اللوحة بتاريخ 1442 هـ (أي منذ أربع سنوات فقط).
تنقسم اللوحة إلى ثلاثة أجزاء من أعلى إلى أسفل: البسملة أعلى اللوحة ثم صدر الآية في وسطها وفي أسفلها يأتي جزع الآية.
اللوحة تستخدم الخط الثلث الجلي في الجزء الأوسط قلب اللوحة ومحورها الرئيس “الذين قالوا ربنا الله”
وهو الخط الأكبر في اللوحة، وهو خط جمالي ملوكي، يتميز بالتداخلات، والانحناءات الواسعة، والامتدادات المرنة، ويُعد من أصعب الخطوط العربية تنفيذًا وأكثرها بهاءً.
وانسياب الخط وامتدادات الألفات واللامات فيه تجسيد لتضرع المؤمنين الذين يرفعون أيديهم إلى السماء بقولهم “ربنا الله”
أما البسملة فقد كتبت بخط الثلث العادي، وكتب عجز الآية بخط قريب من خط النسخ.
وتمتلئ اللوحة بالزخارف التي تعكس الطابع الجمالي لفن الخط العربي الإسلامي.
د. مجدي قرقر يكتب: هل هناك أهل ذكر في الإسلام أم لا؟
د. مجدي قُرْقُرْ يكتب: الحسنة والسيئة والجبر والاختيار
رمزية اللوحة وتحليل التكوين الفني:
يغلب على تكوين اللوحة الشكل الهندسي، إطار اللوحة مستطيل استقطع منه مثلثان أحدهما أعلى اللوحة إلى اليمين وخصصه للبسملة بخط صغير.
والآخر أسفل اللوحة إلى اليسار خصصه لعجز الآية بخط أصغر من البسملة بينما قلب اللوحة ومحور اهتمام الخطاط على هيئة متوازي مستطيلات بخط كبير وسميك ويتحرك من أسفل إلى أعلى – من الأرض إلى السماء –
ليتماهى مع نداء المؤمنين في صدر الآية “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ”
مع توجيه العين بصريًا من أسفل إلى أعلى ومعها القلب والعقل بانسيابية سلسة تعكس نداء المؤمنين المشرئبة أعناقهم إلى السماء
بحيث تبدأ بعينك من كلمة “إِنَّ” من أسفل حتى تصل إلى الإقرار بالربوبية والألوهية أعلى اللوحة “ربنا الله”.
وينسجم هذا الارتفاع مع مضمون الآية الذي يتحدث عن الارتقاء بالإيمان والاستقامة.
إن طريق المؤمنين في هذه الدنيا طريق مستقيم صاعد يحده يمينا البسملة (التوكل على الله)
وتحفه من اليسار الملائكة التي تتنزل عليهم لتكون الجنة هي البشرى في نهاية طريق الإيمان المستقيم الصاعد.
ولذلك سيكون المعنى تاما إذا ألحقت جملة “ثم استقاموا “بصدر الآية “إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا”
لتنسجم استقامتهم مع استقامة الطريق الصاعد المحفوف بالخير يمينا ويسارا.
وقد أبدع الخطاط في الجمع بين التكوين الفني والانسيابية البصرية للعبارة بكتابة صدر الآية من أسفل إلى أعلى مع تداخل بسيط أعطى اللوحة جمالا دون أن يؤثر على إمكانية قراءتها
ارتفاع الخطاط بلفظ الجلالة وربوبيته إلى أعلى اللوحة ترجمة دقيقة لمقامه العلي سبحانه والارتقاء الروحي للمؤمنين بإقرارهم “ربنا الله”
والارتفاع بلفظ الجلالة إلى أعلى اللوحة هو من لزوميات الخط العربي وأدبياته.
الألوان
كتبت اللوحة على خلفية داكنة حالكة السواد، والخلفية هنا ترمز إلى السماء بينما ترمز الخطوط الذهبية والفضية الفاتحة إلى النجوم والكواكب والأقمار لتعكس اللوحة قدرته سبحانه في خلق هذا الكون بما يستدعي الإقرار بربوبيته وألوهيته سبحانه “ربنا الله”
وقد نوع الخطاط في لون الخط بين الذهبي والفضي والأبيض المائل إلى الزرقة وكلها ألوان فاتحة تبرز بوضوح لتباينها مع الخلفية الغامقة.
صدر الآية “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ” كتب باللون الذهبي ليضفي قداسة تعزز دلالة الآية في تنزل الملائكة على الذين آمنوا وأقروا بوحدانيته سبحانه ثم استقاموا.
وكتبت البسملة أعلى اللوحة باللون الفضي الأقل لفتا للنظر مقارنة باللون الذهبي حتى لا ينصرف النظر عن محور اللوحة الحاكم “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ”
خطأين لغويين لا يفسدان جَمال اللوحة:
“إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ”، إن حرف توكيد ونصب لا محل له من الإعراب، وجملة “الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ” في محل اسم إن، وجملة “ثم استقاموا” معطوفة على جملة “الذين قالوا”، ليبحث المتلقي (قارئ اللوحة) عن خبر إن فيجده في المثلث السفلي بخط صغير “تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا”
ومن هنا فهناك ملحوظتان سلبيتان في اللغة وتذوق المعنى وإن لم تخلا بجمال اللوحة:
الملحوظة الأولى:
كان من الوجب أن تكون جملة اسم إن والمعطوف عليها مكتملة فيلحق جملة “ثم استقاموا” بعبارة “إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ”
لتكتمل الجملة حيث أن الوقف أو القطع يجب ألا يكون قبل اكتمال المعنى، وإلحاق “ثم استقاموا” بصدر الآية كان سيخفف من عدد الكلمات في المثلث السفلي فتظهر كلماته بخط أكبر.
الملحوظة الثانية:
ذهبت مجامع اللغة العربية إلى عدم فصل واو العطف عن الكلمة اللاحقة لها ولأن الواو أداة تتوسط بين المعطوف والمعطوف عليه فلا يجب الفصل بين هذه الأداة (الواو) وبين الكلمة التي تليها (المعطوف)
ومن هنا يرى أهل اللغة عدم ترك مسافة بين الواو والكلمة المعطوفة التي تليها عند الطباعة حتى لا تقع الواو في آخر السطر بمفردها ويأتي المعطوف في السطر التالي بدون واو فيتغير المعنى والفهم
وقد وقع الخطاط في هذا الخطأ بتمامه في كلمة “وأبشروا” ففصل بين (الواو) وبين الكلمة التي تليها (أبشروا)
فجاءت الواو في سطر وأبشروا في سطر آخر مما أخل بالمعنى.
والمصحف الشريف بالرسم العثماني جاء بهذا المبدأ بعدم الفصل بين واو العطف والمعطوف في كل آياته.






