مقالات
د. فاروق شرف
د. فاروق شرف

إستشاري وخبير ترميم الاثار والمنشآت التاريخية.

أسرار يرويها الأثر :  ترميم قبة المشهد الحسيني الشريف

ما زلت أذكر أول لحظة وقفت فيها داخل قبة المشهد، بعد أن أصبحت مسؤولًا عن متابعة أعمال ترميمها

مشاركة:
حجم الخط:

حين دخلنا الضريح… بدأ فصل جديد من الحكاية
﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ صدق الله العظيم (سورة الحج: 32).

ليست كل مشروعات الترميم سواء

فهناك أعمال ينجزها المرمم بعقله وخبرته، وهناك أعمال يدخلها بقلبه قبل أدواته، لأن المكان نفسه يفرض عليك هيبته، ويشعرك بأنك تحمل أمانة لا تشبه سائر الأمانات.
وهكذا كانت بداية المرحلة الثانية من رحلتي في المسجد الحسيني…

فبعد أن منَّ الله عليَّ بالمشاركة في ترميم غرفة المقتنيات النبوية، جاء التكليف الجديد، والأكثر دقة، والأشد رهبةً، وهو ترميم الحوائط الرخامية لقبة المشهد الحسيني الشريف.

ولم يكن ذلك انتقالًا من غرفة إلى أخرى.

بل كان انتقالًا إلى قلب المشهد نفسه، إلى المكان الذي تتلاقى فيه روعة العمارة الإسلامية مع جلال التاريخ، وتمتزج فيه مشاعر المحبة لآل بيت رسول الله ﷺ بعظمة الفن الذي أبدعه أسلافنا على مدى قرون طويلة.

رهبة المكان… قبل أن تبدأ الأدوات عملها

ما زلت أذكر أول لحظة وقفت فيها داخل قبة المشهد، بعد أن أصبحت مسؤولًا عن متابعة أعمال ترميمها.
ساد الصمت.
ولم يكن صمتًا يخلو من الحياة، بل كان سكونًا مهيبًا، تشعر معه أن لكل حجر حكاية، ولكل زخرفة رسالة، ولكل آية كُتبت على الجدران أثرًا في النفس قبل أن تقع عليها العين.

وفي مثل هذه اللحظات، يدرك المرمم أن عمله لا يقتصر على معالجة الرخام أو تدعيم الحوائط، وإنما يمتد إلى حفظ صفحة مضيئة من تاريخ أمة، وصون أثر ارتبط في وجدان المسلمين بمقام الإمام الحسين رضي الله عنه، سبط رسول الله ﷺ، الذي قال فيه النبي الكريم:

«حسينٌ مني وأنا من حسين، أحبَّ اللهُ من أحبَّ حسينًا.»

فكانت هذه الكلمات الكريمة حاضرة في وجداني كلما بدأت يومًا جديدًا من العمل، تستحثني على مزيد من الإتقان، وتذكرني بعِظَم المسؤولية.

لماذا كانت هذه المهمة أصعب؟

إذا كانت غرفة المقتنيات النبوية تتطلب أعلى درجات الدقة، فإن قبة المشهد كانت تمثل تحديًا أكبر بكثير.
فلم يكن المطلوب ترميم عنصر معماري واحد، بل التعامل مع منظومة متكاملة من الرخام، والفسيفساء، والزخارف، والكتابات، والعناصر الإنشائية، وكل جزء منها يحمل قيمة أثرية وفنية لا تُقدَّر بثمن.

وكانت أي خطوة تُحسب بدقة، وأي قرار يخضع للدراسة، لأن الخطأ في مثل هذه الأماكن لا يمكن تعويضه.
ولهذا كانت أعمال الترميم تُنفذ وفق الأصول العلمية والمواثيق الدولية، مع توثيق كل مرحلة بالرفع المعماري، والتصوير الفوتوغرافي، والرسم الهندسي، حتى تبقى كل خطوة محفوظة للأجيال القادمة.

أسرار يرويها الأثر :  المسجد الحسيني حين تتجدد العمارة ويبقى التاريخ خالدًا (3)

(أسرار يرويها الأثر : حين يصبح الترميم رسالة لا مهنة (4)

بداية مشروع الترميم

عند المعاينة الأولى، بدت الحوائط الرخامية في ظاهرها محتفظة بجمالها وهيبتها، إلا أن عين المرمم ترى ما قد لا يراه الزائر.
فقد ظهرت على بعض الأسطح آثار تكلسات ترابية، وبقع بنية اللون، وتبلورات ملحية، كما لوحظت انفصالات محدودة في بعض الكتل الرخامية، وهي علامات كانت تشير إلى وجود مشكلة أعمق خلف هذه الكسوة الفاخرة.

ومن هنا بدأ إعداد الدراسات الفنية، ووُضعت خطة الترميم وفق منهج علمي دقيق، هدفه الحفاظ على كل قطعة أصلية، وعدم استبدال أي عنصر إلا إذا استحال إنقاذه.
وكانت الأمانة العلمية تفرض علينا أن نبدأ بالتوثيق قبل أي تدخل، لأن أول قاعدة في علم الترميم تقول:
“سجّل كل شيء… قبل أن تلمس أي شيء.”

بين العلم والإيمان

كنت أشعر في كل يوم أنني لا أتعامل مع رخام فحسب…
بل مع تاريخ امتد لقرون، ومع مكان توافدت إليه قلوب المحبين من شتى بقاع الأرض، يرجون رحمة الله، ويتأملون جمال هذا الأثر المبارك.
وكان هذا الشعور يزيدنا حرصًا على أن يكون العمل خالصًا في إتقانه، مصداقًا لقول رسول الله ﷺ:
«إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملًا أن يتقنه.»
فالإتقان هنا لم يكن مجرد قيمة مهنية، بل كان عبادة، وأداءً للأمانة، واحترامًا لتراث سيظل شاهدًا على حضارة مصر وعظمة فنونها الإسلامية.

وهكذا… يرويها الأثر

قد يرى الزائر حوائط رخامية تفيض جمالًا، ويتأمل زخارفها في إعجاب…
لكنه لا يعلم أن خلف هذا الجمال كانت تختبئ قصة أخرى، قصة لم تكشفها إلا لحظة رفع أول قطعة من الرخام.
فماذا وجدنا خلف الكسوة الرخامية؟
وهل كانت الحوائط ما تزال تحتفظ بقوتها بعد قرون طويلة؟
ذلك ما سنرويه في المقالة القادمة من سلسلة.
“أسرار يرويها الأثر

شارك المقال: