مقالات
إبراهيم القاضي
إبراهيم القاضي

كاتب وروائي

إبراهيم القاضي يكتب: حين يسرق الغش المستقبل

حين يقتنع الناس بأن الغاية تبرر الوسيلة، يصبح الغش سلوكًا عاديًا، ويغدو الشريف هو الغريب

مشاركة:
حجم الخط:

في كل عام، ومع اقتراب امتحانات الثانوية العامة، يعود الحديث عن الغش، وتعود معه الوعود والتأكيدات الحكومية والعبارات المطمئنة نفسها: لن يكون هناك غش هذا العام.

ثم تمضي الأيام، فإذا بالمشهد يتكرر، وكأننا ندور في دائرة لا تنتهي.

وليس الغش مجرد مخالفة للوائح الامتحانات، ولا حيلة يلجأ إليها بعض الطلاب هربًا من صعوبة الأسئلة، بل هو جريمة تُرتكب في حق الوطن كله.

إنه اللحظة التي يُهزم فيها الاجتهاد أمام التحايل، وتُسحق فيها ثقة الموهوبين في العدالة.

ويصبح الذكاء عبئًا لا ميزة، بينما يتحول الغش إلى طريق مختصر نحو المقاعد التي لم تُبن بالاستحقاق والجدارة.

كم من طالب سهر الليالي، وأفنى عمره بين الكتب، وهو يحلم بكلية تناسب موهبته وقدراته، ثم وجد حلمه يُنتزع منه في لحظة، لأن غيره حصل على درجات لا يستحقها.

إبراهيم القاضي يكتب: فيلم (برشامة) ألازمة في النص

إبراهيم القاضي يكتب: ذهبت لتأخد ثأر أخيها، فعادت حامل!

إنها صدمة لا تُقاس بالأرقام

بل بما تتركه في النفوس من إحباط، وما تغرسه من قناعة خطيرة بأن التفوق وحده لا يكفي.

وبدلًا من أن يكسب الوطن عقولًا قادرة على نهضته، يصير هؤلاء إلى طريق المجهول، طريق العدمية والإدمان وربما الإرهاب.

ولهذا أرى أن الغش ليس قضية تعليمية فحسب

بل قضية أمن وطني. فالأوطان لا تُبنى حين يتقدم الأقل كفاءة، ويتراجع الأكثر استحقاقًا.

وما أخطر أن نُسلم مستقبل مؤسساتنا لمن وصل إليها بالغش، بينما يُقصى أصحاب المواهب والقدرات الحقيقية.

ويحيرني أن هذه القضية، التي تمس ملايين الأسر المصرية كل عام، لا تحظى بما تستحقه من اهتمام النخبة الثقافية والسياسية.

فلم أقرأ مقالًا عميقًا يناقشها، أو أجد مفكرًا يجعلها في مقدمة أولوياته، رغم أنها تمس جوهر العدالة الاجتماعية أكثر من كثير من القضايا التي تشغل صفحات الجرائد وشاشات الفضائيات.

وأذكر أنني ناقشت يومًا أحد كبار المنادين بالاشتراكية في مصر، وحدثته عن الطالب المتفوق الذي تضيع منه الكلية التي يستحقها بسبب الغش، بينما يحصل عليها من لم يبذل الجهد نفسه.

توقعت أن أجد غضبًا على الظلم، فإذا به يهز كتفيه في برود، ويقول: “اللي معاه يعلِّم… واللي معوش ما يلزموش”

خرجت من هذا الحوار وأنا أدرك أن الشعارات شيء، والضمير شيء آخر.

وفي مناسبة أخرى، قال لي أحد رموز المعارضة إنه لو كان ابنه في الثانوية العامة، لسعى إلى مساعدته على الغش ما استطاع.

عندها فهمت أن الأزمة أعمق من الامتحان نفسه؛ إنها أزمة قيم.

حين يقتنع الناس بأن الغاية تبرر الوسيلة، يصبح الغش سلوكًا عاديًا، ويغدو الشريف هو الغريب.

إن أخطر ما يفعله الغش أنه لا يسرق الدرجات فقط، بل يهدم إيمان المجتمع بالعدل.

فإذا ضاع العدل في المدرسة، فكيف نبحث عنه في الجامعة أو في الوظيفة أو في مؤسسات الدولة؟

إن محاربة الغش ليست مسؤولية وزارة التربية والتعليم وحدها

بل مسؤولية الأسرة، والمدرسة، والمثقف، والإعلام، وكل من يؤمن أن مستقبل مصر لا يجوز أن يُبنى على ورقة امتحان مزورة، ولا على نجاح لا يستحقه صاحبه.

فالأمم لا تنهض بالغشاشين، وإنما تنهض بالمجتهدين، وبمن يؤمنون أن الطريق الطويل، مهما كان شاقًا، أشرف ألف مرة من طريق قصير ينتهي إلى خراب الضمير.

شارك المقال: