مقالات
د. أيمن خالد
د. أيمن خالد

باحث في الشؤون السياسية والقانون الدولي

د. أيمن خالد يكتب: حرب المسارات وليست حرب النفط

إغلاق مضيق هرمز ليس هو الخطر الأكبر، وإنما أن يكون هرمز قادراً وحده على إرباك الاقتصاد العالمي.

مشاركة:
حجم الخط:

أكبر خطأ يرتكبه العالم اليوم أنه يظن أن الحرب المقبلة ستكون على النفط، الحقيقة أنها ستكون على المسارات، أما النفط، فقد أصبح مجرد حمولة تبحث عن طريق.

لأكثر من قرن، انشغل العالم بالسؤال: من يملك النفط؟

ثم تطور السؤال إلى: من يسيطر على مضائقه؟

لكن يبدو أن القرن الحادي والعشرين يفرض سؤالاً مختلفاً تماماً:

من يملك أكبر عدد من الطرق التي يستطيع النفط أن يسلكها؟

هنا تبدأ قصة مختلفة.

لسنا أمام صراع على الطاقة، بل أمام ولادة ما يمكن تسميته اقتصاد المسارات.

فالنفط لم يعد أصل القوة بحد ذاته، كما أن الغاز لم يعد المشكلة، وحتى التجارة لم تعد تُقاس بحجمها فقط. لقد أصبحت قيمة الموارد مرهونة بمرونة وصولها، وأصبحت قوة الدولة تقاس بقدرتها على إبقاء الحركة مستمرة مهما تعطلت الطرق.

لقد اكتشفت القوى الكبرى، بعد جائحة كورونا، ثم حرب أوكرانيا، ثم اضطرابات البحر الأحمر، أن أخطر ما يهدد الاقتصاد العالمي ليس نقص الموارد، بل اعتمادها على عدد محدود من الممرات. لم يكن العالم يفتقر إلى الطاقة، بل كان يفتقر إلى البدائل.

ومن هنا بدأ تحول هادئ، لكنه قد يكون الأكبر منذ نهاية الحرب الباردة.

لم تعد الاستراتيجية تقوم على حماية الممرات فقط، بل على تكثيرها.

لم تعد الفكرة أن تحرس مضيق هرمز، بل أن تجعل هرمز واحداً من عدة خيارات.

ولم تعد الغاية حماية قناة السويس، بل أن تصبح السويس جزءاً من شبكة، لا شرياناً وحيداً.

ولم يعد باب المندب أو ملقا يمثلان نقطة التحكم بالمصير الاقتصادي العالمي، لأن القيمة الاستراتيجية لأي ممر تبدأ بالتراجع كلما ظهرت له بدائل.

لهذا، فإن قراءة أي مشروع لربط نفط البصرة بالساحل السوري باعتباره مجرد محاولة للالتفاف على مضيق هرمز تبدو قراءة ناقصة.

فهذا التفسير يفترض أن المشكلة تكمن في هرمز، بينما يبدو أن المشكلة الحقيقية، في نظر القوى الكبرى، تكمن في الاعتماد على هرمز.

وهنا يكمن الفارق.

فإغلاق مضيق هرمز ليس هو الخطر الأكبر، وإنما أن يكون هرمز قادراً وحده على إرباك الاقتصاد العالمي.

وبالتالي، فإن إنشاء مسار جديد لا يعني إلغاء أهمية هرمز، بل إلغاء احتكاره.

إن الهدف لم يعد حماية الممرات التقليدية، بل منع أي ممر من امتلاك القدرة على ابتزاز الاقتصاد العالمي.

ولهذا لا ينبغي النظر إلى خط أنابيب جديد، أو ممر بري، أو ميناء حديث، باعتباره مشروعاً مستقلاً، بل باعتباره جزءاً من عملية أوسع لإعادة توزيع الحركة العالمية على أكبر عدد ممكن من المسارات.

فكل طريق جديد لا يضيف ممراً للنقل فحسب، بل ينتزع جزءاً من القيمة الجيوسياسية للطريق القديم.

وهنا يتحول المشروع من كونه مشروع طاقة إلى مشروع إعادة تشكيل للنظام الاقتصادي الدولي نفسه

إن صح هذا التصور، فالمشروع لا يستهدف إيران بقدر ما يستهدف هشاشة النظام الاقتصادي العالمي نفسه.

إنه لا يعالج أزمة قائمة، بل يبني اقتصاداً قادراً على تجاوز الأزمات قبل وقوعها.

وهذا ما يجعلنا أمام مفهوم جديد للقوة.

فالإمبراطوريات القديمة كانت تبني نفوذها بالسيطرة على العقد الجغرافية. من يسيطر على المضيق يسيطر على التجارة، ومن يسيطر على التجارة يملك النفوذ.

أما اليوم، فإن القوة قد لا تكون في السيطرة على العقدة، بل في إلغاء احتكارها.

إنها نقلة من سياسة السيطرة إلى سياسة المرونة.

ولهذا تبدو المشاريع التي نشاهدها في أماكن متفرقة وكأنها أجزاء من لوحة واحدة.

الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا.

الربط السككي الخليجي.

خطوط الأنابيب الجديدة.

الموانئ التي يجري تطويرها على المتوسط والبحر الأحمر.

وشبكات النقل العابرة للقارات.

قد تبدو مشاريع منفصلة، لكنها جميعاً تخدم منطقاً واحداً: توزيع المخاطر، ومنع أي ممر منفرد من امتلاك القدرة على تعطيل الاقتصاد العالمي.

وهنا يفقد مفهوم “الموقع الاستراتيجي” معناه التقليدي.

فالدولة التي كانت تستمد قيمتها من وقوعها على الطريق الوحيد، ستجد أن تلك القيمة تتآكل كلما أُنشئ طريق جديد.

الجغرافيا التي كانت تمنح النفوذ، أصبحت قابلة لإعادة التصميم.

ولعل هذا هو التحول الأعمق في النظام الدولي.

لقد أمضت البشرية قروناً وهي تخوض الحروب لأن الجغرافيا ثابتة.

أما اليوم، فإن القوى الكبرى لا تتعامل مع الجغرافيا بوصفها قدراً، بل بوصفها مشروعاً هندسياً قابلاً لإعادة التشكيل.

وربما سيكتشف المؤرخون مستقبلاً أن أهم مشروع جيوسياسي في العقود الأولى من هذا القرن لم يكن حرباً، ولا تحالفاً، ولا سباقاً على النفط.

بل كان الانتقال من اقتصاد الموارد إلى اقتصاد المسارات.

ففي هذا العصر، لم تعد القوة لمن يملك الحمولة…

بل لمن يملك الطريق، والبديل، والطريق البديل.

شارك المقال: