مقالات
د. مجدي قرقر
د. مجدي قرقر

أستاذ جامعي وكاتب

السنن الربانية في صعود وانهيار الحضارات

لا نزعم أن الآية نزلت في الحضارات بمعناها التاريخي أو بمعناها السياسي الاصطلاحي، وإنما نراها كاشفة عن سنّة إلهية عامة تتجلى في الأمم كما تتجلى في الأفراد

مشاركة:
حجم الخط:

قراءة في السنن القرآنية عبر عصور التاريخ

قراءة جديدة لآية الحياة الدنيا في سورة يونس

في مقالنا السابق بعنوان “الحياة الدنيا في سورتي يونس والكهف، موضوع للتدبر” عرضنا للفرق بين سياق السورتين، وغرض المثل فيهما، واختلاف زاوية النظر في كل منهما إلى الدنيا، وانتهينا إلى تفسير الآيتين.

في هذا المقال نعيد قراءة آية سورة يونس في محاولة لاستقراء “السنن الربانية في صعود وانهيار الحضارات” مدعومة بقراءة للسنن القرآنية عبر عصور التاريخ.

الحياة الدنيا في سورتي يونس والكهف، موضوع للتدبر

يقول رب العزة في سورة يونس

“إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأرض مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الأرض زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ” (24 يونس)

لقد خلصنا في تفسير آية سورة يونس إلى: “مثل الحياة الدنيا في بهرجتها وزينتها وفي سرعة انقضائها كمثل مطر اختلطت به بذور النباتات في الأرض مما يأكل الناس والأنعام من الحبوب والثمار، والحشائش.

حتى إذا أخذت الأرض زخرفها بما تنبته من نباتات ذات ألوان مختلفة زاهية، واغتر أهلها وتكبروا وظنوا أنهم قد امتلكوا هذه الأرض وأنهم قادرون على حصاد خيراتها، جاءها قضاؤنا وعذابنا بإهلاكها.

مثلها مثل الدنيا التي تزينت وتبهرجت وسرعان ما صارت حصادا كأن لم تكن عامرةً بأشجارها وثمارها ونباتها بالأمس كذلك نبين الأدلة والبراهين لمن يتفكرون ويعتبرون”

وإذا كان المعنى المباشر للآية خاصًّا بالحياة الدنيا للبشر فإن المعنى يمكن أن يتسع ويشمل حياة الأمم، فهل لهذه الآية علاقة بصعود وانهيار الحضارات؟!!

آية من سورة يونس
آية من سورة يونس

مراحل الحياة الدنيا ومراحل صعود وانهيار الحضارات

يفيد سياق السورة أن الحياة الدنيا تمر بخمس مراحل وقد تزيد إلى ست مراحل استلهامًا للآية (الروم 54):

1- مرحلة النمو:

مطر ينزله الله من السماء فتختلط به بذور النباتات في الأرض فينمو.

2- مرحلة الانتفاع:

يكتمل نمو النبات فيأكل الناس والأنعام منه فتستقيم معيشة الإنسان ويستوفي حاجاته الضرورية.

3- مرحلة الزينة والبهجة:

أخذت الأرض زخرفها وازَّيَّنت، فينتقل الإنسان من الحاجة إلى الترف.

4- مرحلة الوهم بالقدرة:

وظن أهلها أنهم قادرون عليها، وهنا مكمن الخطر بالوقوع في وهم السيطرة والاستغناء عن الله.

وهذا الوهم هو الذي تستهدفه سورة يونس بقوة؛ لأن المخاطَبين بها قوم اغتروا بما في أيديهم.

5- مرحلة الضعف:

اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَهُوَ الْعَلِيمُ الْقَدِيرُ (الروم 54)

وهذه المرحلة لم تتضمنها سورة يونس حيث يعاقب فيها سبحانه المغترين بالقوة ووهم الاستغناء عن الله بإهلاكهم فجأة ودون تمهيد بمرحلة الضعف.

6- مرحلة الانهيار أو الضياع:

ثم يأتي الانقطاع المفاجئ في سورة يونس عقابًا للمغترين دون المرور بمرحلة الضعف (أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا) ليُحطم هذا الوهم.

وقد يسبق هذه المرحلة مرحلة ضعف إذا لم يأت الانهيار مفاجئا.

قراءة في السنن القرآنية عبر عصور التاريخ

لا نزعم أن الآية نزلت في الحضارات بمعناها التاريخي أو بمعناها السياسي الاصطلاحي، وإنما نراها كاشفة عن سنّة إلهية عامة تتجلى في الأمم كما تتجلى في الأفراد.

كم من حضارات ولدت وترعرعت ثم سادت وظنت أنها امتلكت الأرض وما عليها فإذا بقضاء الله وعذابه وإهلاكه يأتيها ليلًا أو نهارًا فتنهار وتصبح خبرا كأنه لم يكن.

سادت حضارة عاد وثمود وأهلكها الله إكرامًا لمن آمن لهود وصالح عليهما السلام، وسادت حضارة المصريين القدماء في عهد فرعون موسى فأهلكهم الله إكرامًا لنبيه موسى عليه السلام ومن آمن معه.

ثم سادت حضارتهم مرة ثانية كقوة حضارية ذات شأن، حتى زالت سيادتها السياسية تباعًا على يد الإغريق ثم الرومان والفرس.

وسادت حضارة الرومان والفرس ثم زالت على يد الإسلام

وسادت حضارة الإسلام أكثر من ألف وأربعمائة عام ثم انتهت تلك السيادة مع وهن وضعف الخلافة العثمانية وزوالها بيد الغرب فحق قول الله باستبدالنا إن تولينا عن منهجه الذي أمرنا به.

“هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُدْعَوْنَ لِتُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ” (38 محمد)

سادت حضارة الغرب، وشهد العالم انهيار الاتحاد السوفيتي بصورة بدت للكثيرين مفاجئة بعد مسار طويل من عوامل الضعف والتفكك.

وتحاول أمريكا في حاضرنا المعاصر تسيد العالم، لكنها تلقى ممانعة شديدة من الصين ومن خصمها التقليدي “روسيا” التي تستيقظ من جديد، بل تتسع الممانعة لتشمل حلفاءها من أوربا الموالية لها.

ثم تفاجئنا إيران المسلمة بممانعتها وتصديها للحلف الصهيو-أمريكي.

وتشير هذه التحولات التي نعيشها إلى أن حضارة الغرب – رغم قوتها – ليست استثناءً من سنّة الله (التدافع وصعود الحضارات وانهيارها)

وأن مظاهر الوهن الداخلي قد تكون نذر تحوّل تاريخي، والله أعلم بمآلات الأمور.

والكيان الصهيوني المغتصب لأرض فلسطين هو ذراع طويل للحضارة الغربية في قلب أمتنا العربية الإسلامية.

تسلل في خبث ثم نما وترعرع بدعم غربي ثم ساد واغتر وتجبر، واستمرار هذا الكيان مرتبط ببنية القوة الغربية الداعمة له يقوى بقوتها ويضعف وينهار بضعفها.

مشهد ما بعد الانهيار

وإذا انهارت الحضارة حق قول الله فيها “فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ” (الحج 45)

سادت الحضارة واغترت وأفسدت في الأرض فأهلكها الله سبحانه، فهدمت ديارها وهجرها أهلها فأصبحت خاوية على عروشها، وتعطلت آبارها فنضبت مواردها ومصادر قوتها، وبقيت قصورها العالية المبالغ في بهرجتها وزخرفتها والتي لم تغن عنهم شيئًا.

تأتي الخلاصة في سنة التدافع

نحسب أن أمر الله هو في هلاك الحضارات التي اغترت وسادت في الحياة الدنيا لتناهضها حضارة أخرى تكسر غرورها فتعيدها إلى جادة الصواب مرغمة، وهذا هو دفع الله الناس بعضهم ببعض حتى لا تفسد الأرض.

فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الأرض وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251 البقرة)

ومن هنا يمكن النظر إلى هذه الآية باعتبارها إطارًا قرآنيًّا يساعد على فهم بعض سنن صعود الحضارات وتراجعها، دون الجزم بإسقاطاتها على كل حدث تاريخي؛ فسنن الله أوسع وأدق من أن تُحاط بكل تفاصيلها، والله أعلم.

شارك المقال: