د. محمد الغمري يكتب: من «خناقة كبار» إلى سؤال الدولة
اكتسب اسم صبري نخنوخ، عبر سنوات طويلة، دلالة تجاوزت الفرد إلى صورة ارتبطت في الوعي العام بفكرة النفوذ غير الرسمي

صبري نخنوخ (وسائل التواصل)
حين انتشر خبر القبض على صبري نخنوخ على خلفية واقعة معرض السيارات، لم يتعامل الرأي العام معه باعتباره مجرد مشاجرة بين أطراف متنازعة.
فالأسماء المرتبطة بالواقعة، وما تحمله من حضور اجتماعي واقتصادي وإعلامي، دفعت كثيرين إلى وصفها تلقائيًا بأنها «خناقة كبار».
غير أن المجتمعات لا تتفاعل مع الوقائع بحسب تفاصيلها القانونية وحدها، وإنما بحسب الرموز التي تحملها.
فالأشخاص قد يتحولون إلى تجسيد لمعانٍ اجتماعية أوسع، وعندئذٍ لا يعود الاهتمام منصبًا على الشخص لذاته، بل على ما يمثله داخل المخيال الجمعي.
د. محمد الغمري يكتب: الوداع يا مواطن (بصوت الفنانة / زينات صدقي)
د. محمد الغمري يكتب: أحمس أم خالد؟
ومن هذه الزاوية اكتسب اسم صبري نخنوخ، عبر سنوات طويلة، دلالة تجاوزت الفرد إلى صورة ارتبطت في الوعي العام بفكرة النفوذ غير الرسمي وشبكات التأثير الممتدة خارج الأطر المؤسسية التقليدية.
لهذا لم تكن أهمية الواقعة في تفاصيلها المباشرة بقدر ما كانت في الأسئلة التي أثارتها.
فالرأي العام لا يقرأ مثل هذه الأحداث بوصفها نزاعات فردية معزولة، بل بوصفها نافذة يطل منها على العلاقة بين النفوذ والقانون، وعلى قدرة المؤسسات العامة على فرض قواعدها على الجميع.
ولا تنشأ الشخصيات النافذة في الفراغ. فكل مجتمع ينتج دوائر تأثير تتشكل حول الثروة أو المكانة أو العلاقات الاجتماعية، ويزداد حضورها كلما اتسعت الفجوة بين ما يحتاجه المجتمع وما تستطيع المؤسسات تقديمه بكفاءة وانتظام.
ومن ثم فإن ظهور مراكز النفوذ لا يمثل استثناءً تاريخيًا بقدر ما يعكس طبيعة العلاقة القائمة بين المجتمع ومؤسساته.
ولعل الخطأ الشائع في النظر إلى النفوذ هو التعامل معه باعتباره ظاهرة طارئة.
فالتاريخ يكشف أن النفوذ الشخصي كان، في مراحل كثيرة، إحدى آليات تنظيم المصالح وتسوية النزاعات قبل اكتمال البناء المؤسسي للدولة الحديثة.
ولهذا لا يُقاس تقدم المجتمعات بقدرتها على إلغاء النفوذ، وإنما بقدرتها على إخضاعه لقواعد عامة تحول دون تحوله إلى سلطة موازية أو بديل عملي للمؤسسات.
وهنا يظهر الفرق بين النفوذ والسلطة
فالنفوذ قدرة على التأثير تنشأ من المكانة أو الثروة أو العلاقات أو الشهرة، أما السلطة فهي الحق المعترف به في إصدار القرار وتنفيذه.
وقد تجتمع الاثنتان أو تنفصلان، لكن استقرار المجتمعات الحديثة يقوم على مبدأ بسيط: أن تكون الكلمة النهائية للمؤسسات لا للأفراد.
غير أن وجود المؤسسات لا يكفي في ذاته. فالفارق الحقيقي يظهر في مستوى الفاعلية.
أي في قدرة المؤسسات على تحويل صلاحياتها القانونية إلى ممارسة مستقرة.
فالدولة لا تُقاس بما تملكه من قوانين واختصاصات، بل بقدرتها على جعل القواعد العامة المرجع الفعلي لتنظيم العلاقات الاجتماعية وتسوية النزاعات وإدارة المصالح المتعارضة.
ولهذا فإن قيمة أي واقعة عامة لا تكمن فيما يقال عنها، بل فيما تكشفه من قدرة المؤسسات على أداء وظائفها بصورة منتظمة.
ولا يظهر هذا النوع من القدرة في الحالات العادية، وإنما حين تتعلق المسألة بأشخاص يعتقد كثيرون أنهم يمتلكون من النفوذ أو المكانة ما يجعلهم مختلفين عن غيرهم.
ففي مثل هذه اللحظات تتكشف الحدود الفعلية للقوة الاجتماعية وحدود القوة المؤسسية، ويظهر أيهما يشكل المرجع النهائي عند وقوع النزاع.
ومن هنا تكتسب مثل هذه الوقائع أهميتها
فهي لا تكشف فقط عن طبيعة التوازن بين النفوذ والمؤسسة، بل تسهم أيضًا في تشكيل الثقة العامة.
فكلما ازداد يقين الأفراد بأن الاحتكام إلى المسارات الرسمية أكثر جدوى من اللجوء إلى الوساطات والعلاقات الخاصة، ترسخت المرجعية المؤسسية واتسعت فاعليتها.
ولا تُبنى هذه الثقة بالخطاب، بل بالتجربة المتكررة التي تجعل القاعدة العامة المرجع الطبيعي لتنظيم المصالح وتسوية النزاعات.
ومع ذلك فإن التسرع في استخلاص النتائج يظل خطأً منهجيًا
فالأحداث المنفردة لا تصنع اتجاهات تاريخية، كما أن الوقائع الاستثنائية لا تكفي وحدها للحكم على طبيعة التحولات الجارية داخل المجتمع.
وما يمنح أي ظاهرة دلالتها الحقيقية ليس وقوعها مرة واحدة، بل تكرارها ضمن نمط يمكن ملاحظته عبر الزمن.
ولعل ما شهدته مصر خلال العقود الأخيرة من وقائع ارتبطت بأشخاص أو دوائر نفوذ مختلفة يوضح أن هذا السؤال ظل يتكرر بأشكال متعددة، حتى وإن تغيرت الأسماء والظروف والسياقات.
ولهذا فإن أهمية الواقعة لا تتحدد بما جرى فيها وحده، بل بما إذا كانت تعكس اتجاهًا أوسع في إدارة العلاقة بين النفوذ والقانون.
فإذا كانت جزءًا من نمط متكرر اكتسبت معنى يتجاوز حدودها المباشرة، أما إذا بقيت حادثة منفردة فإن أثرها سيظل محصورًا في إطارها الزمني والإعلامي.
غير أن الانتقال من مركزية الأشخاص إلى مركزية المؤسسات لا يجري دائمًا في اتجاه واحد. فالمسارات التاريخية نادرًا ما تكون خطية.
وقد تتقدم المرجعية المؤسسية في مرحلة ثم تتراجع في مرحلة أخرى تبعًا لمستوى الفاعلية الذي تنجح المؤسسات في المحافظة عليه عبر الزمن.
وقد شهدت مصر، كما شهدت مجتمعات أخرى، مناسبات متعددة تحولت فيها وقائع ارتبطت بأشخاص نافذين أو دوائر تأثير واسعة إلى اختبارات عامة للعلاقة بين النفوذ والمؤسسة.
ولم تكن أهمية تلك الوقائع في أسماء أطرافها بقدر ما كانت في الأسئلة التي أثارتها حول قدرة القواعد العامة على الاحتفاظ بمرجعيتها أمام مراكز القوة الاجتماعية والاقتصادية المختلفة.
وعند هذا المستوى لا يعود السؤال متعلقًا بشخص أو حادثة بعينها، بل بمسار أعمق يتكرر بأشكال مختلفة في معظم المجتمعات.
فالصراع بين منطق الأشخاص ومنطق المؤسسات ليس حدثًا عابرًا، بل أحد الموضوعات الدائمة في تاريخ التنظيم السياسي والاجتماعي.
ومن هنا فإن أهمية مثل هذه الوقائع لا تنبع من أسمائها ولا من الضجيج الذي يحيط بها، بل من قدرتها على إظهار الاتجاه الذي تتحرك نحوه العلاقة بين القوة والقانون.
فحين تصبح القواعد العامة أقوى من الأشخاص، والمؤسسات أرسخ من مراكز النفوذ العابرة، لا يكون المجتمع قد حسم نزاعًا بعينه فحسب، بل يكون قد عزز أحد أهم شروط الاستقرار الحديث:
أن تكون المرجعية النهائية للقانون لا للمكانة، وللمؤسسة لا للفرد، وللقاعدة عامة لا للاستثناءات .






