رواية حارس الحكايات لسمر الكلاس: عندما يكون البحر بطلا (1-3)
لأنها تعرف أن البحر سيكون بطل روايتها ومحورا فيها فإنها مهدت لذلك بآيات قرأنية من سورة الروم تحدثت عن البحر وما يتعلق به من سحب ورياح وودق.

غلاف رواية سمر الكلاس حارس الحكايات
أن يكون البحر بطلا رئيسا لعمل سردى أمر ليس سهلا، أن يكون البحر مسرحا للأحداث أمر ليس هينا، أن يكون البحر محركا لأحداث رواية أمر ليس معتادا.
كل ذلك صحيح، ولكنه فى مقاييس الإبداع يبدو أمرا عاديا، أليس الإبداع هو خلق على غير مثال؟
أليس المبدع معنيا فى كل عمل ان يأتى بجديد يبدو بلا مثال سابق؟
رواية حارس الحكايات واحدة من الروايات التى حرصت فيها الكاتبة على أن تخلق فيها عالما بكرا، كى تناقش فيها قضية قتلت بحثا فيما سبق، ولكن عندما تأتى القضية التي تناقشها الكاتبة فى عالم بكر و مسرح مائى فان الموضوع قد يبدو ايضا جديدا وبكرا.
ولأنها تعرف أن البحر سيكون بطل روايتها ومحورا فيها فإنها مهدت لذلك بآيات قرأنية من سورة الروم تحدثت عن البحر وما يتعلق به من سحب ورياح وودق.
ثم مهدت بآية اخرى من سورة الشورى والتى تتحدث عن السفن العملاقة وكيف تمخر فى عباب البحر بين الأمواج المتلاطمة ، وكل هذا ليس إلا آيات ربانية لكل من يتفكر.
تمهيد جاء مناسبا ليظل خلفية رئيسة للرواية ، اختيار موفق حيث أن احداث الرواية تتعلق بكل ما يتعلق بالبحر وما يحيط به وما يجرى فيه.

هذا فيما يتعلق بمسرح الاحداث الذى اصطنعته الكاتبة خصيصا لروايتها وتكاد تكون لم تفارقه لحظة من احداثها ،
اما فيما يتعلق بموضوع الرواية حيث وصفته بأنه موضوع قد قتل بحثا فهو (الاغتراب) والغربة الناتجة عن التهجير والاقصاء والفرار من أراض عربية تموج بصراع مرير.
ولكن، لابد من لفت النظر إلى أن المعالجة جاءت هذه المرة مختلفة أيضا، صحيح الموضوع مكرر، ربما لأنه موضوع أني وضاغط على كل كاتب ذى ضمير يقظ، لكن تبقى المعالجة المغايرة، والزاوية التي أختارتها الكاتبة لمعالجة القضية معالجة جادة وجديدة.
لست ادرى لماذا تذكرت الأية الكريمة من سورة النور والتى يقول فيها الله عز وجل :
( أو كظلمات فى بحر لجى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ) صدق الله العظيم
أقول لست ادرى لما تذكرت هذه الاية وأنا أتحدث عن موضوع الغربة فى هذا العمل، وعن الزاوية التي أختارتها الكاتبة كى تعالجها من خلالها.
فالغربة هنا غربة مركبة كالظلمة التى فى بحر لجى، غربة تعلوها غربة وتسفلها غربة كالبحر اللجى الذى يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب.
فالغربة هنا لم تكن هجرة قسرية وحسب، أو إنتقالا تحت وطأة الاضطرار وحسب، بل كانت ميلادا فى بحر لجى.
البطل ميلا وأخوه ليام ولدا معا فى الماء، أثر غرق سفينة كانت تقل أمهما، وهي من اصل أندلسى وأبوهما من أصل فلسطينى جمع بينهما الشتات.
ثم تشاء الاقدار ان تلد المرأة توأمها فى غربة مائية، فأى الم هذا ، واى مأساة !!؟
ثم طبقة اخرى من الغربة تظلل الأخوين ميلا وليام عندما يفترقان منذ اللحظة الاولى ويظلا كذلك حتى موت ليام.
ثم طبقة أخرى من الغربة تظللهما حيث تشاء الأقدار لهما العيش معا تحت سقف واحد وهما لا يعرفان إنهما توأم.
ثم طبقة اخرى من الغربة تظلل ميلا بعد موت أخيه قبل أن يعرف إنه اخوه.
هذه طبقات من الغربة بعضها فوق بعض، ولم تكتف الكاتبة بذلك بل استدعت أبطالا وصبغتهم بصبغة الغربة القاسية.
فها هو ظافر، الرجل الفلسطينى الحر يموت قهرا وشنقا لأنه ينادى بالحرية فى بلاد الغربة.
ثم طبقة أخرى من غربة ظللته عندما عرفنا أن زوجته إيكة غيبها السجن لأنها عربية من أصل مصرى، ولم تشأ الاقدار لها رؤيته قبل موته.
وايضا ناهض العربى الذى قطعوا لسانه ويديه قهرا وظلما بادعاء تجارته فى المخدرات، وكذلك إستيفان الذى قتل صعقا بالكهرباء لأنه أكتشف خيانة القائد العسكرى الذى يدعى المثالية، الغريب أن إستيفان بهذا الاسم كان مسلما من أصول فلسطينية ايضا، فأي غربة هذه !
اذن لو تحدثنا عن ابطال العمل ستجد ان الغربة سمة رئيسة تجمعهم على صعيد واحد.
وكذلك يجمعهم البحر الذى يعيشون على شاطئه، ألم أقل أن البحر بطل الرواية الاول، ففيه ولد ميلا وليام وفيه غرقت أمهما وأبوهما، وعلى شاطئه عاش فيرو حارس الحكايات وكاتب قصة ميلا وليام، وعبر البحر جاءت إيكة لتغير مسار ميلا.
ولم تكتف الكاتبة بهذا الدور الهامشى للبحر بل جعلت منه كائنا متعاطفا مع بنى البشر الذين يرتادونه ، فها هو يحنو على ميلا واخيه فلا يغرقهما ، وكذلك يرسل الى ايكة جواز سفر تعبر به الى ايطالية.
ربما كان هذا تلخيصا مخلا لموضوع الرواية وفكرة الاغتراب فيها، على امل ان يستمتع القارئ بتفاصيل رائعة حرصت الكاتبة على ابرازها.
لكل كاتب بلا شك منطلق يميزه عن غيره، ولكن يبقى خيار الخيال هو الخيار الفائز مهما اختلفت منطلقات الكتاب.
فاذا وضعنا هذه الملاحظة ،_ وهى ملاحظة ستكون واضحة لقارئ العمل ربما من اول سطر فيه _ اقول اذا وضعنا هذه الملاحظة مع التمهيد السابق من كون البحر بطلا رئيسا فى العمل لتضح لنا فى يسر اننا امام عمل انطلق من الخيال لا من الواقع، أنطلق من الخيال المحض متكئا على واقع مهتز اهتزار سطح البحر ، متوتر توتر امواجه.






