معصوم مرزوق يكتب: ملك ملوك إفريقيا
وكنا قد بدأنا في الليلة السابقة المشاورات المبدأية والإتفاق علي الأجندة ، واتفقنا علي أن تكون الجلسة الأولي صباج اليوم التالي في التاسعة صباحاً.

صورة ارشفية للنهر العظيم
كنت رئيسا للوفد المصري في الإجتماع الوزاري الذي عقد في طرابلس / ليبيا، وذلك لتدارس الأوضاع في دارفور، وكان الوفد المصري هو الوفد العربي الوحيد، بينما كان هناك وزراء من إيطاليا وفرنسا وهولندا.
وكذلك كانت السيدة جينداي فريزر مساعدة لوزير الخارجية الأمريكي للشئون الإفريقية ( نفس وظيفتي في الخارجية المصرية وقتها )
وكنا قد بدأنا في الليلة السابقة المشاورات المبدأية والإتفاق علي الأجندة ، واتفقنا علي أن تكون الجلسة الأولي صباج اليوم التالي في التاسعة صباحاً.
وكانت كل الوفود تقيم في فندق واحد ، ولذلك فقد تقابلنا جميعاً في المطعم علي الإفطار مبكراً ، ووقفنا في البهو جماعات وزرفاناً ننتظر حضور الوفد الليبي برئاسة الوزير علي التريكي كي يفتحوا لنا قاعة الإجتماعات.
كيف انقسمت واشنطن حول صفقة ترمب وطهران؟
معصوم مرزوق يكتب: إيران عدو، صديق أم شريك؟
أصبحت الساعة العاشرة صباحاً ولم تفتح القاعة
ومرت ساعة بعد ساعة والوفود المختلفة تحضر لي كي تسألني ( بإعتباري أقدم الممثلين العرب أمامهم )
وأنا بدوري أحاول الإتصال بالخارجية الليبية بمساعدة سفيرنا النشط محمد رفاعة الطهطاوي ، دون أن نحصل إلا علي إجابة واحدة ” انتظروا ”
وجاءت السيدة جينداي فريزر ( وهي إفريقية الأصل ) متساءلة بغضب خفيف عما يحدث ، وشرحت لي بإختصار أنها مرهقة وتعاني من مشاكل صحية .
وأثناء ذلك حضر الطهطاوي وهمس في أذني بأنه علم أنه سيتم نقل كل الوفود إلي مدينة سرت ، وعلي الأرجح لمقابلة الزعيم.

ورغم أن الدهشة أخذتني لدرجة أنني هتفت في الطهطاوي غير مصدقاً،
فشعرت جينداي بأن هناك مشكلة.
ولم يكن هناك بد من أن أخبرها أن لدي خبر غير مؤكد أننا سننتقل إلي مدينة سرت ، ورجوتها ألا تبلغ أحد (حتي لا أحرج سفيرنا رفاعة الذي حصل علي الخبر بوسائله الخاصة )
فقالت لي منزعجة أنها تريد أن تقضي حاجتها،
في نفس الوقت الذي حضر فيه الوزير التريكي ورجال البروتوكول الليبي وهم يستحثوننا سرعة ركوب الأتوبيسات الأنيقة التي اصطفت في الخارج كي تنقلنا إلي مطار طرابلس (دون تحديد الإتجاه النهائي!)
كانت جينداي لا تزال واقفة أمامي وهي تدير رأسها في ذهول قائلة لي ” أنها تريد أن تستعمل دورة المياه بإلحاح ”
وعندما سألت ألوزير التريكي ، ابتسم لها قائلاً ببساطة ” ليس لدينا وقت، والطائرة مزودة بدورات مياه !! ”
كنا لا ندري هل علينا أن نحضر حقائبنا من غرفنا ؟
هل نحاسب الفندق ؟
ولا أحابات واضحة علي الإطلاق، بل الصياح بسرعة ركوب الأتوبيسات حتي لا تفوتنا الطائرة.
ولم تكن طائرة واحدة، بل ثلاث طائرات، وتركونا نتجه إلي الطائرة التي نختارها بأنفسنا.
ثم حلقت بنا الطائرات ونزلنا في مطار سرت.
وفي المطار وجدنا أتوبيسات أخري أنيقة ومكيفة في انتظارنا، وحملتنا في رحلة طويلة عبر الصحراء، مع عمل وقفات في مناطق محددة علي النهر الأعظم كي يشرح لنا المهندسون الأعمال التي يقومون بها،
ثم ننتقل إلي محطة أخري كي يتكرر ذلك مرة أخري،وكل ذلك تحت الشمس الحارقة، ودون أن يعلم أحد (سوي الوفد المصري والأمريكي ) أننا قد نقابل الزعيم.
وفي إحدي الوقفات، اقتربت مني إحدي مساعدات جينداي، وقالت لي أن رئيستها محرجة مني، ولكنها تريد أن تعرف ” أين يمكنها أن تقضي حاجتها ؟”
تلفّت حولي، وتوجهت إلي أحد المرافقين الليبين وسألته عما إذا كانت هناك دورات مياه قريبة، فرفع الرجل حاجبيه متعجباً وهو يشير إلي الصحراء من خلفي قائلاً :
” هاهي الصحراء أمامك واسعة ، اختر أي بقعة فيها واقضي حاجتك !! “
ولم أعرف كي أنقل ذلك إلي السيدة جينداي، ولكن فكرت في ذكاء منفذي مشروع النهر العظيم، الذين ينوعون مصادر الحصول علي المياه لتغذيته
وبعد ذلك ………، ……….، ………….،
(من كتاب السفير معصوم مرزوق :ع المعاش)






