د. مجدي قرقر يكتب: مناهج تفسير القرآن
لم يفسر رسولنا الكريم من آيات القرآن الكريم إلا القليل حتى لا يضيق على الناس وحتى لا يكون تأويله ملزما وحتى يتيح لهم الفرصة لإعمال الأمر الإلهي في تدبر القرآن

صورة تعبيرية للمقال
القرآن الكريم هو المحدد لعقيدة أمة الإسلام ومنهجها، وهو مصدر التشريع الأول لها، ومن هنا تأتي أهمية فقه معانيه وتدبرها والتنقيب عن أسراره ثم العمل بما فيه لتتحقق مرضاة الله سبحانه وما يترتب عليها من سعادة.
ولأن الناس غير متساوين في فهم ألفاظه وعباراته وتدبر معانيه ومعرفة أسباب نزوله، فإنه يلزم وجود تفاسير للقرآن للمساعدة في تدبر معانيه.
والتفسير لغة هو إظهار المعنى وكشف المراد عن اللفظ، والتفسير اصطلاحا كما يقول الزركشي:
علم يفهم به كتاب الله، المنزّل علي نبيه محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وبيان معانيه، واستخراج أحكامه وحكمه.
واستمداد ذلك من علم اللغة والنحو والتصريف، وعلم البيان، وأصول الفقه والقراءات، ويحتاج لمعرفة أسباب النزول، والناسخ والمنسوخ.
وتفسير القرآن الكريم هو أول علوم القرآن نشأةً إذ ظهر مند عصر الرسول صلـى الله عليه وسلم (ففهم الصحابة القرآن الكريم بسليقتهم العربية الأصيلة إلا ما أشكل عليهم أحياناً فيسألون عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجيبهم عن استفهامهم.
وتتعدد أنواع تفاسير القرآن وفقا لمدخل التفسير والهدف منه والقائم عليه، وتتعدد أيضا مناهج التقسيم وفقا لمعيار التقسيم.

1-1) تقسيم ابن عباس رضي الله عنهما لأنواع التفسير من حيث إمكان تحصيله
عبد الله بن عباس من أكثر الصحابة تفسيرا للقرآن ببركة دعوة النبي له، فقد روى الإمام أحمد والطبراني عن ابن عباس أن الرسول دعا له فقال:” اللهُمَّ فَقهه في الدين وعَلِّمْهُ التأويل “وعند البزار: ” اللهم علمه تأويل القرآن”.
ولقد روى ابن جرير في “تفسيره” عن ابن عباس: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب مِن كلامها، وتفسير لا يعذر أحدٌ بجهالتِه، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله.
1-2) التفسير بالمأثور أو بالرأي أو الإشاري
كما يمكن تقسيم التفاسير إلى نوعين إما بالمأثور وإما بالرأي (الدراية) وقد يضاف إليهما التفسير الإشاري.
1-2-1) التفسير بالمأثور
هو أن يقتصر المفسر على ما ورد في تفسير الآية من الآثار عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن الصحابة والتابعين بحيث تنقل بلا زيادة عليها إلا الزيادة اللغوية أو التوفيق بين الأقوال أو الجمع بينها من الآثار الواردة في معنى الآية مبتعدين عن الاستنباط والاستنتاج ما أمكنهم.
وله أربعة أقسام:
1) تفسير القرآن بالقرآن: وهو مما لا خلاف في قبوله، لأنه لا يتطرق إليه الضعف ولا يجد الشك إليه سبيلاً.
2) تفسير القرآن بالسنة: قال تعالى “وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ” (النحل 64(، فالسنة شارحة للقرآن ومبينة وموضحة له.
3) تفسير الصحابة: هو في المرتبة الثالثة لكونهم سمعوا القرآن من منبعه الصافي رسول الله صلـى الله عليه وسلم، وكانوا على قدر من الإيمان وسلامة الفطرة والسليقة الأصيلة.
ومن الصحابة المكثرين في التفسير عشرة كما أشار السيوطي في الإتقان: الخلفاء الأربعة الراشدون وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس وأبي بن كعب وزيد بن ثابت وأبو موسى الأشعري وعبد الله بن الزبير رضي الله عنهم أجمعين.
4) تفسير التابعين: عد بعضهم أقوال التابعين حجة لأنهم أخذوها عن صحابة رسول الله-صلـى الله عليه وسلم – رضوان الله عليهم – وعند جمهور العلماء لم يعتبروها حجة إلا إذا أجمعوا عليها.
وتفسير القرآن بما يُروى عن الصحابة أو التابعين، فيه ما ثبت عنهم بالسند الصحيح، وفيه ما نقل عنهم بالسند الضعيف، بل وفيه ما نسب إليهم كذبًا وليس من كلامهم. وقيض الله تعالى من العلماء مَن بيّن الصحيح من السقيم.
ولعل من أشهر التفاسير بالمأثور الطبري وابن كثير والشوكاني.
ويُرجِعْ العلماء أحيانا أسباب الضعف في رواية التفسير المأثور إلى أُمور ثلاثة:
أولها – كثرة الوضع في التفسير ويرجع ذلك إلى أسباب متعددة من أهمها التعصب المذهبي.
ثانيها: دخول الإسرائيليات فيه، ومن يتصفح كتب التفسير بالمأثور يلحظ أن غالب ما يروى فيها من إسرائيليات يأتي عن طريق أربعة أشخاص.
ثالثها: حذف الأسانيد، والحق أن هذا السبب يكاد يكون أخطر الأسباب جميعاً، لأن حذف الأسانيد جعل مَنْ ينظر في هذه الكتب يظن صحة كل ما جاء فيها، وجعل كثيراً من المفسِّرين ينقلون عنها ما فيها من الإسرائيليات والقصص المخترع على أنه صحيح كله، مع أن فيها ما يخالف النقل ولا يتفق مع العقل.
1-2-2) التفسير بالرأي (بالدراية)
إن الرسول صلى الله عليه وسلم بيَّن بعض أو كثير من معاني القرآن لأصحابه، كما تشهد بذلك كتب الصحاح، ولكنه بالقطع لم يُبيِّن كل معاني القرآن، لأن من القرآن ما استأثر الله تعالى بعلمه، ومنه ما يعلمه العلماء، ومنه ما تعلمه العرب من لغاتها.
لم يفسر رسولنا الكريم من آيات القرآن الكريم إلا القليل حتى لا يضيق على الناس وحتى لا يكون تأويله ملزما وحتى يتيح لهم الفرصة لإعمال الأمر الإلهي في تدبر القرآن والتفكر في خلقه في إطار المحكم من آياته، وذلك من فضل الله على الإسلام حتى يكون الدين الخاتم، فلو أن رسولنا الكريم قد فسر القرآن لفسره على قدر عقول معاصريه وعلى قدر ما لديهم من علم محدود وعلى قدر حاجة مجتمعهم وقتها، كما أنه لو حدث هذا لما جاز لأحد أن يفسر القرآن بعده ولجمد القرآن عن الوفاء بحاجيات الناس المتغيرة ولما صلح الإسلام لأن يكون دينا خاتما ولإنتهى الإسلام بوفاة الرسول، ولظهرت الحاجة إلى دين جديد يفي بحاجيات الناس المتغيرة.
أما وأن رسولنا الكريم لم يفسر إلا القليل من القرآن فقد أدى ذلك وفي ظل وجود الضوابط الحاكمة إلى أن تكون المساحة الظنية منه هي المساحة الأكبر التي يتغير تفسيرها بتغير الزمان والمكان واختلاف الحال لتفي بحاجات الناس حتى آخر الزمان ليظل الإسلام هو الدين الخاتم الذي لا دين بعده.
ومن هنا بقي القرآن حيا متجددا يفي بحاجات الناس المتغيرة ومحققا لمصالحهم إلى يوم القيامة.
ويعرف التفسير بالرأي (الدراية) بأنه ما يعتمد فيه المفسر في بيان المعنى على الاجتهاد والاستنباط المستند إلى الأصول الشرعية واللغوية.
والتفسير بالرأي قسمان مذموم ومحمود:
1) التفسير بالرأي “المذموم”: هو ما كان باعثه الهوى المحض أو كون قائله لا يصدر فيه عن علم ولا دراية وهو رأي خاطئ يحرم الإقدام عليه مطلقاً في العلوم الدينية كافة.
2) التفسير بالرأي “المحمود”: هو ما كان مستنداً إلى أصول علميه من اللغة والشرع ووفق ضوابط دقيقة واضحة وهو منهج جيد فقد حثنا جل وعلا على تدبر آياته لقوله تعالى “أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا” (محمد 24).
ومن أشهر الكتب في التفسير بالرأي: تفسير فخر الدين الرازي المسمى (مفاتيح الغيب أو التفسير الكبير)، تفسير النيسابوري (غرائب القرآن ورغائب الفرقان)، تفسير النسفي (مدارك التنزيل وحقائق التأويل)، تفسير أبي حيان (البحر المحيط)، وغير ذلك كثير.
وكثير من التفاسير يجمع بين الرواية والدراية، نذكر على سبيل المثال: تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن)، تفسير البيضاوي (أنوار التنزيل وأسرار التأويل)، تفسير الشوكاني (فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير)، وأيضًا غالب التفاسير الحديثة تجمع بين التفسير بالرواية (المأثور) والتفسير بالدراية (الرأي) مع تبسيط المعنى وسهولة العبارة وحذف أسانيد الرواية وغالبها يستفيد من تفاسير الطبري والقرطبي وابن كثير رحمهم الله تعالى.
التفسير الإشاري
التفسير الإشاري هو تأويل القرآن على خلاف ظاهره، لإشارات خفية تظهر لبعض أولي العلم المخلصين ممَّن نور الله بصائرهم فأدركوا أسرار القرآن العظيم أو انقدحت في أذهانهم بعض المعاني الدقيقة بواسطة الفتح الرباني، مع إمكان الجمع بينها وبين الظاهر المراد من الآيات الكريمة.
وهذا النوع من التفسير اختلف العلماء فيه، فمنهم من أجازه ومنهم من منعه حتى لا يكون مدعاة للتفسير بالهوى والتلاعب في آيات الله كما فعل الباطنية فيكون ذلك زندقةً وإلحادًا.






