مقالات
محمد فرحات
محمد فرحات

كاتب وناقد

محمد فرحات يكتب:  لماذا أصبحت «1984» كلاسيكية؟

«1984» لجورج أورويل ديستوبيا عن بقعة كبيرة من العالم، تؤرخ للحكم السلطوي، وتنطلق لرسم صورة سوداء، حيث يختصر الوجود كله في الحزب، المحيط علمًا وسيطرة بكل ذرة تحدث خارجه

مشاركة:
حجم الخط:

لأنها تجاوزت حدود زمانها ومكانها، ولم تناقش نظامًا سياسيًا بعينه، بل فتحت سؤالًا دائمًا عن العلاقة بين الإنسان والسلطة والحقيقة.

لا أدري لماذا يتلبسني عجز شديد إزاء كتابة شيء عن كلاسيكيات الأدب العالمي، بالرغم من تأثيرها الشديد في كل ذرة من كياني، وبالرغم من معاودة قراءة تلك النصوص كل عامين مرة أو مرتين على الأقل.

أسائل نفسي دائمًا قبل أن يشرع القلم في الكتابة: «وماذا عساك أن تضيف؟! بعد كل ما كُتب!»

دعونا نتفق على سبب منطقي لوصف عمل أدبي بالعالمي

ناهيك عما قيل من كونه قد استغرق بكل تفاصيله في محلية نشأته، فإن التماس الشديد بينه وبين المشاعر الإنسانية العامة كان وراء اكتسابه صفة العالمية، فالمشاعر الإنسانية البسيطة، الصارخة في مباشرتها، البعيدة كل البعد عن الأدلجة أو ادعاء قدر، ولو بسيط، من العمق.

وهل عبرت «ماكبث» إلا عن مشاعر الطموح ثم الندم؟

وكذلك «هاملت»، والرغبة في الانتقام، ثم الانصياع الإرادي لنوبات من الجنون بعدما عجز عن إحراز أي نصر كائن؛ لرقة المشاعر، ورهافة مكبِلة لكل فعل يجابه المحيط الحتمي، والذي لا وسيلة للانفصام عنه سوى الاستغراق النهائي في تأملات لا تنتهي عن العالم، وطبيعة القبح والخيانة.

 الرواية التي سبقت زمنها

كتب جورج أورويل «1984» عام 1949، لكنها ما تزال تُقرأ وكأنها تعليق مباشر على أسئلة السلطة والرقابة في القرن الحادي والعشرين.

«1984» لجورج أورويل ديستوبيا عن بقعة كبيرة من العالم، تؤرخ للحكم السلطوي، وتنطلق لرسم صورة سوداء، حيث يختصر الوجود كله في الحزب، المحيط علمًا وسيطرة بكل ذرة تحدث خارجه.

لا تكتفي النخبة الحاكمة بمجرد السيطرة على الأبدان، بل تنطلق بلا كلل لتتحكم في مشاعر الفرد وأفكاره، وتخاصم المنطق والتجريب، وتطوع الممكن لأيديولوجيتها.

أن تؤمن بفكرتين متناقضتين في آن واحد، وتطلق على ذلك «الفكر المزدوج»، والتزوير اليومي الدائم لكل جزئيات الواقع كي تتحكم في الماضي والمستقبل.

عندما تصبح الحقيقة وجهة نظر

في عالم «1984»، لا يُطلب منك أن تكذب فحسب، بل أن تؤمن بالكذبة حتى تصبح الحقيقة نفسها ملكًا للسلطة.

لا تقول فقط، تحت وطأة التعذيب، إن 2+2=5، بل تؤمن بذلك بكل ذرة في كيانك.

فالحرية هي العبودية، والحرب هي السلم، ووزارة الوفرة هي أن تقيم الفرد على حواف الموت جوعًا، ووزارة الحب للتعذيب، وتكريس الكراهية متنفسًا عن كل المشاعر السلبية إزاء الحزب، ووزارة الحقيقة لتزوير كافة الحقائق لصالح الحزب.

تطويع اللغة في اتجاه واحد فقط، وقتل المجازات.

وأن الحرب وسيلة لامتصاص فائض السلع الكفيلة برخاء الفرد، وتخليق وعيه، ثم الطموح إلى التغيير.

والفهم العميق لحركة التاريخ أن الطبقة الوسطى حشدت الطبقات الدنيا تحت شعارات المساواة والحرية، وأطاحت بالطبقة العليا لتحل محلها، ثم لتعيد الطبقات الدنيا إلى مكانها، مع محاولة تجميد حركة البندول.

ثم الاعتراف بأن السلطة للسلطة فقط، دون تلك الادعاءات حول الحكم لصالح الثورة أو الطبقة العاملة أو لتحقيق مُثل المساواة والعدل.

القضاء على إنسانية الإنسان، ليبقى الفرد مختصرًا في المجموع، والمجموع مختصرًا في الحزب، والحزب مختصرًا في قياداته العليا، والقيادات مختصرة في قائدها الأوحد.

يؤرخ أورويل للمستقبل، إذا جاز التعبير، بمحاولة التنبؤ بشكل العالم السياسي، وحال الفرد المتشابهة في العالم أجمع، ليسود الحكم الشمولي للحزب الواحد العالم أجمع.

لتجسد العلاقة بين ونستون وجوليا من جهة، والحزب من جهة أخرى، نموذجًا معبرًا عن عضو الحزب، وكيف تتم مراقبة كل تفاصيل حياتهم بدقة، وأن أضعف خلجات التمرد على الوضع الراهن مرصودة، وعقابها القتل، بعد نوبات من التعذيب وغسل الدماغ من كل الحقائق، بحيث لا يبقى غير الفناء في الحزب، ومن ثم الأخ الأكبر، زعيم الحزب.

الرقصة الأخيرة

كتب جورج أورويل «1984» وهو يقترب من نهاية رحلته مع الحياة. كانت آخر رواياته، وكأنها الرقصة الأخيرة لكاتبٍ أراد أن يترك للعالم تحذيره الأخير قبل أن يسدل الستار.

هي أجواء كابوسية منذ أول سطر تقع عليه، ومع نهاية آخر سطر تقبع في حالة من الترقب لحدوث كارثة ما.

«1984» رواية كتبها جورج أورويل عام 1949، وهو يصارع معركته الأخيرة، التي تهاوى على إثرها ضحيةً لمرض السل، ومن ثم يرحل سريعا 1950.

شارك المقال: